من مدرسة هارون الرشيد إلى كل مدرسة سورية.. حين يُقمع الإضراب وتُستباح كرامة المعلم
ما جرى مع كادر مدرسة هارون الرشيد في إدلب لم يكن مجرد خلاف إداري عابر، بل نموذج صارخ لطريقة التعامل مع صوت المعلم حين يطالب بحقه.
إضراب سلمي، مطالب واضحة، ومع ذلك جاء الرد عبر الضغط والتهديد والاستبدال بدل الحوار والمعالجة.
تهديد بالاستغناء عن الكادر كاملاً.
إحضار بدلاء لكسر الإضراب.
إجبار المعلمين على الحضور رغم استمرار احتجاجهم.
كلها أدوات استخدمت لإيصال رسالة واحدة: الاحتجاج مرفوض... حتى لو كان محقاً.
لكن الخطأ الأكبر هو الاعتقاد أن ما يحدث في هارون الرشيد حالة استثنائية.
أزمة المعلمين...معاناة معمّمة لا استثناء فيها
من إدلب إلى حلب، ومن دمشق إلى درعا، ومن الساحل إلى الجزيرة، يعاني المعلم السوري أينما كان من أزمة واحدة بجوهرها، مختلفة بتفاصيلها. رواتب هزيلة لا تساوي أياماً من المعيشة- عقود هشّة وتهميش - ضغط إداري مباشر وقمع أي اعتراض- نقص كوادر- وانعدام دعم حقيقي.
الاختلاف في الأسباب لا يلغي الحقيقة الأساسية: المعلم السوري في كل المحافظات يدفع ثمن سياسات فاشلة لا علاقة له بصناعتها.
مهنة التعليم تحت خط الكفاف
المعلم اليوم:
يعمل بدخل لا يغطي الحد الأدنى من الاحتياجات.
يعيش قلقاً دائماً من الفصل أو الاستبدال.
بلا ضمان صحي أو وظيفي حقيقي.
محاصر بين واجبه المهني وحاجته المعيشية.
ومع ذلك، يُطالب بالصبر، والتضحية، والالتزام... إلى أجل غير مسمى.
كيف يمكن لمن يعيش تحت هذا الضغط أن يكون صانع أمل لأجيال كاملة؟
مطالب محقة ووعود مستهلكة
في كل محافظة، تتغير اللهجة وتتشابه النتائج؛ وعود بتحسين الرواتب- لجان ودراسات وخطط- تصريحات إعلامية مطمئنة.
لكن الحصيلة واحدة؛ لا تطبيق فعلي، ولا جدول زمني واضح، ولا محاسبة على التقصير.
تحولت الوعود إلى وسيلة لامتصاص الغضب لا لحل الأزمة، وأصبح المعلم أسير الانتظار.
الإضرابات... نتيجة طبيعية لا خيار عبثي
حين تُغلق أبواب الحوار، ويُستهان بالمطالب، وتُقابل الشكوى بالتجاهل أو التهديد، يصبح الإضراب رد فعل منطقي ومتوقع في كل مكان، لا في إدلب فقط.
فالإضراب ليس تخريباً، وليس استهدافاً للتعليم، وليس عصياناً، بل صرخة أخيرة في وجه الإهمال المزمن.
كسر الإضراب سياسة قصيرة النظر
ما فعلته مديرية التربية مع كادر مدرسة هارون الرشيد يعكس نهجاً خطِراً:
معالجة الاحتجاج بالقوة الإدارية.
تحويل المعلم من شريك إلى خصم.
تكريس الخوف بدل الثقة.
هذا النهج، المطبق بأشكال مختلفة في عدة محافظات، لا ينتج تعليماً مستقراً، بل منظومة مهترئة قائمة على القسر.
لا تعليم بلا معلم... ولا معلم بلا كرامة
كل خطط تطوير التعليم ستبقى حبراً على ورق إذا بقي المعلم الحلقة الأضعف، واستمرت سياسات الضغط والتهميش، وغابت العدالة المهنية.
فكرامة المعلم ليست مطلباً فئوياً، بل قضية مجتمع كامل.
القمع لا يُنهي الأزمات... بل يوسعها
من مدرسة هارون الرشيد إلى آلاف المدارس السورية، الرسالة واحدة: لا يمكن إسكات المعلم إلى الأبد.
والحل ليس في كسر الإضرابات، ولا في تبديل الكوادر، ولا في التهديد، بل في الاعتراف بأن ما يطالب به المعلمون اليوم هو حق مؤجل منذ سنوات.
ومن لا يسمع صوت المعلم اليوم، سيسمع غداً صدى انهيار التعليم كله.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1264