الموارد المائية... أزمة الجفاف ومستقبل الأمن الغذائي والمائي
لا يخفى على أحد ما تشهده سورية من أزمة بيئية خطِرة، تتمثل في تصاعد حدة الجفاف وتراجع الموارد المائية بشكل يهدد كلاً من الأمنين المائي والغذائي.
ورغم بدء الحكومة بتنفيذ حملات مراقبة وحجز ومصادرة، ضد الاستجرار غير المشروع للمياه الجوفية وحفر الآبار، إلا أن النهج لا يزال ردعياً، ويتجاهل هشاشة البنية التحتية المتهالكة التي تساهم في هدر المياه، ناهيك عن عدم وجود بدائل للمزارعين الذين يعتمدون على أساليب الري غير القانونية.
حيث تُظهر التقارير والبيانات أزمة مائية متعددة الأبعاد، تجمع بين انخفاض المخزون المائي وتدهور البنية التحتية وغياب الحوكمة الفعالة. ويشكل تصنيف سورية تحت «خط الفقر المائي» العالمي أساساً لهذه الأزمة المركبة؛ فبينما يبلغ الخط الأممي المحدد 1000 متر مكعب سنوياً للفرد، تبلغ حصة الفرد السوري 700 متر مكعب فقط.
السياسات والإجراءات
بينما تشهد دمشق وريفها حملات على المخالفات، تشهد إدلب، على سبيل المثال، تدهوراً غير مسبوق، يتمثل في التلوث المتزايد لنهر العاصي، وتكدس النفايات على ضفافه، وهشاشة البنية الخدمية المتعلقة بإدارة المياه. ما يعكس غياب رؤية موحدة وسياسة شاملة لإدارة الموارد المائية.
أما في درعا، والجنوب عموماً، يبدو الوضع أكثر كارثية، حيث تشهد الينابيع والبحيرات، كالمزيريب وشلالات تل شهاب، جفافاً كاملاً رغم الهطولات المطرية. فقد كشف أسامة أبو زيد، نائب وزير الطاقة لشؤون الموارد المائية، في 17 كانون الأول 2025، أن إنتاج عدد من الينابيع في درعا انخفض بنسبة وصلت إلى 100%.
وفي خضم هذه الصورة القاتمة، تبرز بعض الإمكانيات المحدودة، فوفق جولة للكادر الفني التابع لمديرية الموارد المائية في طرطوس في 4 من كانون الثاني، وصلت نسبة التخزين إلى 100% في سدة السميحيقة التي تبلغ سعتها 45 ألف متر مكعب. ما يشير إلى وجود حلول ممكنة وجدية لحصاد المياه إذا ما تم تبنيها وتعميمها على نطاق أوسع.
معضلة التوزيع وغياب التنسيق
تستهلك الزراعة أكثر من 80% من الموارد المائية، من دون مراعاة كفاءة الاستخدام أو الأولويات الوطنية، ولا سيما أن نسبة الفاقد في القطاع الزراعي قد تصل إلى 50% بسبب تقنيات الري التقليدية.
وفي هذا السياق، يبرز الانفصال بين الإجراءات العقابية والرقابية لوزارة الطاقة، والنهج الموسمي لوزارة الزراعة، بالإضافة إلى غياب التنسيق الذي يربط بين سياسات المياه والزراعة والبيئة.
فملاحقة وزارة الطاقة للمخالفين، ووضع قوانين منظمة لاستخدام المياه والترشيد، رغم ضرورتها، إلا أنها تُطبّق بمعزل عن احتياجات القطاع الزراعي واحتياجاته.
في المقابل، تنتهج وزارة الزراعة سياسة التضرع والأمل بهطولات مطرية غزيرة، من دون استراتيجية طويلة الأمد، أو تبني تقنيات زراعية حديثة تتناسب مع الموارد.
فالخطاب الرسمي يبشّر المزارعين بمستقبل زراعي واعد بناء على موسم الأمطار الحالي فقط، أو المشاريع الاستثمارية المستقبلية. إلا أن هذا التفاؤل سرعان ما سيتلاشى أمام واقع الانهيار الزراعي، والتدهور المتسارع في البنى التحتية؛ فالشبكات المتهالكة، ومحطات المعالجة التالفة، ومشاريع الصرف الصحي المهملة لن تنتظر مستثمراً لن يأتي.
نحو إدارة شاملة ومستدامة
المطلوب اليوم هو تطوير استراتيجية وطنية متكاملة تربط بين إدارة المياه والزراعة والأمن الغذائي، والتعامل مع الأزمة كتهديد وجودي وليس كمشكلة موسمية.
فالأزمة المائية في سورية ليست مناخية فحسب، بل هي أزمة حوكمة وتخطيط وسياسات. والحلول الجزئية والعقابية، رغم أهميتها، لن تحقق الاستدامة، بل تحتاج إلى إعادة نظر جذرية في سياسات المياه والزراعة والتنمية بشكل متكامل، وإدارة الموارد بعدالة وكفاءة، وربطها بسياسات اقتصادية-اجتماعية شاملة تضمن الأمن الغذائي والمائي معاً.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1264
سارة جمال