منية سليمان منية سليمان

قطاع صناعة الجلود على حافة الانهيار

بينما كان يعد لسنوات طويلة رافداً أساسياً للاقتصاد الوطني ومن أبرز القطاعات التصديرية، حيث حظيت منتجاته برواجٍ واسعٍ في الأسواق العربية والأوروبية، عدا عن أن صناعته من أقدم المهن وشكلت تراثاً حرفياً عريقاً، إلا أن قطاع صناعة الجلود يواجه خلال السنوات الأخيرة خطر الاندثار أمام تراجع الإنتاج المحلي ومنافسة المنتجات المستوردة والمهربة التي أغرقت الأسواق، مما انعكس مباشرةً على الورش والمعامل واليد العاملة وعلى الصناعات المرتبطة به من الأحذية إلى الألبسة الجلدية والمفروشات والدباغة.

المشهد العام لواقع العمل اليومي داخل المدابغ يتقاطع مع شكاوى المنتجين ومطالب الجمعيات المهنية ويُظهِر انعكاس السياسات الحالية على دورة الإنتاج كاملة، وكأنما أُسدِل الستار على أقدم الحرف والصناعات الوطنية، فهل من حلول إسعافية وخطة إنقاذ فعلية تعيد له اعتباره؟!

هذا القطاع يشهد حالياً نكسة غير مسبوقة، علماً أنه مورد هام لخزينة الدولة، ومساهم رئيسي في الدخل المحلي.
فالتدهور الذي يشهده قطاع صناعة الجلود في سورية يعود إلى عدة عوامل، على رأسها والتي تعتبر «الضربة القاضية»، السماح باستيراد الأحذية الجاهزة وجلود الأحذية غير السورية ودخول كميات كبيرة بطرق غير نظامية عبر التهريب، مما تسبب بتراجع الإنتاج المحلي وضعف الطلب عليه نتيجة تراجع القدرة الشرائية في ظل الوضع الاقتصادي الخانق، مما أدى إلى توقف عدد كبير من معامل الدباغة مع تسريح عمالها وإغلاق عدد من ورش الأحذية والصناعات الجلدية، وهذا ما أكده رئيس جمعية الدباغة والأحذية «محمد نذير أليون» في تصريح لصحيفة «الثورة» بتاريخ 27/1/2026، بالإضافة إلى انخفاض الثروة الحيوانية، حيث أكد رئيس لجنة الجلود في غرفة تجارة دمشق «محمد خير درويش» في تصريح للصحيفة نفسها، «أن عدد الرؤوس في المسالخ انخفض إلى نحو 300 رأس تقريباً بعد أن كان قبل عام 2010 بحدود 6000 رأس، ما أدى إلى تراجع الإنتاج بنسبة 30% في حين يُصدّر الفائض على شكل جلود نصف مصنعة (وايت بلو)».

بينما التحدي الأساسي يتمثل في تكاليف الإنتاج المرتفعة من المواد الأولية والمواد الخاصة بالدباغة المسعرة بالدولار، كما ارتفاع أسعار الطاقة والمحروقات بالإضافة إلى شح المياه ونقض اليد العاملة التي تشتت الكثير منها (هجرة الكفاءات والخبرات وغياب المهارات اللازمة)، كذلك غياب التمويل كالقروض الُميّسرة للمشاريع الصغيرة
ومتناهية الصغر، ما حتم الخسارة للمُصنّع المحلي مُقيّد الأيدي بمنتجه غير القادر على المنافسة لمحاصرته بمنتجات مستوردة أو مهربة بأسعار زهيدة ودون رسوم جمركية، فلا يتمكن من مجاراتها مما زاد من أعباء المنتج المحلي الذي يتحمل تكاليف مرتفعة.
الدعم الحكومي غائب ولا تسهيلات مباشرة تُقدم للحرفيين وأصحاب الورش الصغيرة، مما جعل الاستمرار في العمل أمراً بالغ الصعوبة مع تعقد الأسباب من انخفاض الإنتاجية وتراجع المداخيل وضعف التسويق إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، التي تؤثر على المنافسة في السوق الخارجي، كما أن السماح الحالي بالتصدير لا ينعكس على السوق المحلي بسبب ضعف القدرة الشرائية وصعوبة تصريف الإنتاج المحلي، وهذا ما وضحه رئيس لجنة الجلود «محمد خير درويش».
لم تتلقَ صناعة دباغة الجلود في أي وقت دعماً حكومياً لأنها حرفة ملوثة للبيئة، لكن المطلوب دعم حكومي حقيقي للحفاظ على القاعدة الإنتاجية الوطنية لهذه الصناعة وتأمين ترويجها وتصديرها، ومراجعة السياسات التي غابت عنها الرؤية الصناعية، والأولوية بتكريس سياسة الاستيراد غير المدروس بدلاً من حماية المنتج المحلي من المنافسة غير العادلة أمام منتجات أرخص تسببت بعزوف المواطن عن شراء المنتج الوطني الذي يعتبر باهظ الثمن مقارنة بالمستورد أو المهرب، مما يتطلب:
الرقابة الفعالة على المنافذ (النظامية وغير النظامية).

كما يجب تقديم دعم حقيقي لأصحاب الورش من خلال توفير المحروقات والكهرباء بأسعار مقبولة.
مع إمكانية تقديم قروض مُيّسرة لمعامل الدباغة لاستيراد التقنيات الحديثة وتشجيع التقنيات النظيفة صديقة البيئة.
بالإضافة إلى إعفاء المشاريع الصناعية الجلدية من الرسوم على الآلات وخطوط الإنتاج والمواد الخام.
كذلك منع تصدير الجلود غير المصنعة مهما كانت الأسباب لضمان حماية الصناعة الوطنية، وإعادة إحياء التصدير للمنتجات المصنعة مع الأسواق الرئيسية المجاورة والمشاركة المدعومة في المعارض وتسهيل الإجراءات.
قطاع صناعة الجلود لم يمت بعد لكنه في العناية المرّكزة، واستمرار تجاهل نزيفه ليس خسارة لقطاع اقتصادي فحسب بل محو لتراث حرفي وطني عريق وضربة قاسية لصناعة كانت يوماً مصدر فخر وقوة للاقتصاد «صنع في سورية».
والسؤال الذي ينتظر الإجابة، هل هناك إرادة رسمية حقيقية لتضافر جهود الأطراف كافة من أجل إنقاذ صناعة الجلود ووقف هذا الانهيار، أم إننا نشهد أخر فصول إغلاق أحد أعرق الصناعات السورية؟!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1264