الرقابة التموينية... تُعاقب الفروع وتُحرر الجذور
تُظهر أرقام الضبوط التي سجلتها مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك، وأعلنت عنها وزارة الاقتصاد والصناعة، ما يبدو أنه نشاط رقابي حثيث؛ حيث سجلت 5952 ضبطاً تموينياً منذ بداية العام، أي بمعدل 496 ضبط شهرياً!
لكن يبقى هذا النشاط الرقابي شكلياً، وجزئياً؛ ويبرز هذا القصور بوضوح في نموذج الرقابة الحالي الذي تتبعه المديرية، والذي يتجاهل جميع جوانب سلسلة التوريد، ويركز على بائع المفرق.
حيث تجد المديرية سهولة في استهداف صغار التجار واتخاذ إجراءات بحقهم، بينما تغيب الرقابة الاستباقية على منافذ الاستيراد، والمستودعات والتخزين، وشبكات التوزيع، ومعايير الإنتاج وجودته؛ ما يشير إلى استمرار عمل الشبكات المحمية والمسيطرة على الأسواق، وتحول الغرامات إلى مصدر للإيرادات بدلاً من كونها أداة ردع ومساهم في تحقيق التوازن في السوق، وحماية المستهلك فعلاً.
رقابة جزئية
يخلق تكرار المخالفات- في ظل غياب استراتيجية شاملة- بيئة من الخوف وعدم اليقين، ويفتح الباب واسعاً أمام عمل السوق الموازية، ما ينعكس سلباً على المستهلك، الذي يُجبر على دفع أسعار أعلى مقابل منتجات ذات جودة متدنية.
ويعكس هذا النمط من الرقابة أيضاً استنزافاً لجهود مديرية حماية المستهلك، فبدلاً من وضع سياسات وقائية، وتطوير معايير الجودة، وتطبيق بيئة عمل سليمة، وتثقيف المستهلكين والتجار، تتحول الرقابة إلى عملية تجارية، وهو ما يفسر استمرار المخالفات وعددها الكبير رغم الضبوط.
ورغم توالي التقارير عن المخالفات، يرى المواطنون أن هذه الإجراءات باتت «استعراضية»، في ظل استمرار تدهور الوضع المعيشي، حيث لا يلمسون نتيجة هذه المخالفات، ما يفقدهم الثقة في قدرة الدولة على معاقبة الناهبين الحقيقيين.
المستهلك: الطرف الأضعف
يقبع المستهلك في قلب هذا المشهد الرقابي المختَل؛ فمع انعدام رقابة استباقية وفعالة، يتعرض المستهلك للاستغلال من خلال المنتجات السيئة، والأسعار المرتفعة، والممارسات التجارية غير النزيهة، والاحتكار.
فتجاهل الوزارة ومديرية حماية المستهلك للأسباب الجذرية، والنهج الجزئي للرقابة يفرضان عبئاً مزدوجاً على المستهلك، الذي يجد نفسه بين مطرقة الأسعار المرتفعة وسندان السياسات الرقابية المجتزأة.
كما أن التركيز المبالغ به على معاقبة طرف واحد في المعادلة التجارية، عبر الإغلاق أو الغرامات، وإن بدا للوهلة الأولى حلاً رادعاً، إلا أنه في الحقيقة لا يعالج سوى أعراض المشكلة، خاصة وأن هذا النهج الجزئي يتجاهل المستهلك تماماً؛ فارتفاع الأسعار وانعدام القدرة الشرائية ليسا نتيجة مخالفات فردية من قبل تاجر هنا وآخر هناك، ولن يساهم إغلاق بقالة أو حتى مخبز، في خفض معدلات التضخم، أو زيادة الدخل الحقيقي للمواطنين؛ فهما في الأساس نتاج سياسات اقتصادية كلية.
معالجة جذرية
الواقع، أن النموذج الحالي شكلي، ويستخدم الإجراءات الرقابية كأداة لإظهار «نشاط» رسمي، وتوليد إيرادات سريعة. بينما يدفع المواطن ثمن سياسات اقتصادية غير متوازنة، ولا يستفيد من «الرقابة».
حيث يتطلب تحقيق «أهداف» المديرية في ردع المخالفين وحماية المستهلك– وبالتالي انعكاس الإجراءات الرقابية إيجاباً على الوضع المعيشي– رؤية شاملة تجمع بين حماية المستهلك ودعم الإنتاج المحلي، ومعالجة أسباب ارتفاع الأسعار من جذورها، وليس معاقبة النتائج. وهذا يشمل ضرورة التحول من نظام «الجباية» إلى نظام رقابي متكامل وفعال، يضمن الشفافية في نتائج المتابعات، لا سيما المتعلقة بكبار المستوردين والمنتجين؛ أي أنه يبدأ من المنافذ الحدودية، وينتهي عند المستهلك.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1257
سارة جمال