حراقات النفط... عندما يتحول ذهب سورية الأسود إلى طاعونٍ أسود
شكلت «حراقات النفط»، نظاماً اقتصادياً موازياً في ظل الانهيار المؤسساتي وتدهور الأوضاع المعيشية، منذ عام 2012، وانتشرت في المنطقة الشرقية والجزيرة، بالإضافة إلى ريف حلب وإدلب.
ورغم غياب بيانات حديثة حول عدد الحراقات العاملة اليوم، وعدد العاملين فيها، إلا أن المعلومات التي نشرها مركز حرمون للدراسات، في عام 2023، تشير إلى أن عددها بلغ نحو 5 آلاف.
وتتكون كل «حراقة» من خزان معدني أسطواني الشكل يشبه البرميل، وتختلف أحجامها، لكن أصغرها يتسع لـ 50 برميلاً، وتستخدم «الحراقات» مخلفات النفط، ودائماً ما يكون بجانبها بركة ماء تتسع لـ 100 برميل لكل حراقة، تُستخدم لتبريد الإنتاج قبل فرزه في الخزانات.
فرص عمل مميتة
باتت الحراقات رغم خطورتها، مصدر عمل لآلاف العمال الذين لا يجدون بديلاً، ويتحملون بذلك مخاطر كبيرة مقابل أجور زهيدة. فبينما يمكن لطبخة واحدة من النفط المكرر أن تدر أرباحاً تتراوح بين 2000 و3000 دولار، يذهب الجزء الأكبر منها إلى الوسطاء وأصحاب النفوذ، يتقاضى العمال أجوراً هامشية لا تتجاوز 15 دولاراً مقابل 10 ساعات من العمل الشاق والخطِر.
ورغم إبلاغ الحكومة المؤقتة أصحاب الحراقات في البوكمال في كانون الثاني بالتوقف عن العمل تحت طائلة المسؤولية، ونقل «قسد» لعدد من الحراقات البدائية من ريف دير الزور إلى البادية، إلا أن التقارير تشير إلى استمرار عمل العديد منها حتى اليوم، بعيداً عن الرقابة والمحاسبة.
ما يشير إلى ارتباط «الحراقات» بشبكات من المستفيدين، الذي يستغلون حاجة الناس وضعف الدولة، ويراكمون ثروات طائلة على حساب معاناة الفئات الأكثر فقراً.
آثار صحية كارثية
لا تقتصر الآثار الصحية على العمال المباشرين فحسب، وما يتعرضون له من حروق، ومشكلات تنفسيّة، وحتى حالات اختناق وموت أثناء العمل، فخلال هذا الشهر فقط سُجلت حالة وفاة وإصابتين في بادية ذيبان بين صفوف العمال. فيما سجلت 5 وفيات الشهر الماضي.
وتشمل التأثيرات المجتمعات المحيطة، فانتشار الانبعاثات السامة والمواد الكيميائية في الهواء والتربة والمياه أدى إلى تلوث بيئي واسع النطاق، مما نجم عنه تفاقم الأمراض المزمنة؛ وتشير التقارير إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطانات والالتهابات الكبدية، وأمراض الجهاز التنفسي، بالإضافة إلى انتشار التشوهات الخلقية.
حيث يصل إلى مركز محيمدية الصحي في ريف دور الزور، 5 إلى 6 أشخاص يومياً يعانون من مشكلات تنفسية، بحسب صالح الفتحي، المسؤول الطبي في المركز.
ويدلل السكان على كمية الغازات السمية من خلال ملاحظة هباب الفحم على الأسطح، وورق النباتات، وعلى الثياب على حبال الغسيل، ويمكن لآثار هذه الترسبات التراكمية أن تمتد إلى عقود، ولا يكفي إزالتها أو مسحها اليومي.
كوارث بيئية
وفق تقرير لجريدة الإندبندنت، في عام 2021، أدى التلوث الناجم عن الحراقات إلى نفوق أعداد كبيرة من الحيوانات، نتيجة شربها لمياه ملوثة بالنفط، أو سقوطها المباشر في برك نفطية. فيما فضّل عدد من المزارعين تأجير أراضيهم للحراقات بدلاً من زراعتها، ما أدى إلى تراجع الغطاء النباتي، في منطقة كان يعتمد 70% من سكانها على الزراعة وتربية المواشي.
وفي نيسان 2019، وبفعل الأمطار، غمرت المياه الملوثة بالنفط أكثر من 32 ألف هكتار من الأراضي الزراعية حول تل حميس في الحسكة، وغمرت المياه 8000 هكتار بين جزة والحسكة و4000 هكتار في الرميلان.
وبالإضافة إلى مساهمة الحراقات بشكل مباشر في تدمير وتقليص الإنتاج الزراعي، وانتشار الأمراض بين المواشي ونفوقها، وأيضاً تأثر النحّالين وتراجع إنتاجهم، فإن مخلفات الحرق والمواد الكيميائية التي تتجمع في البرك الملوثة، تتسرب إلى المياه الجوفية والأنهار، مما يلوث مياه الشرب والري.
ظاهرة تهدد المستقبل
لا تمثل «الحراقات» مجرد أنشطة اقتصادية عشوائية، بل هي نظام متكامل له آلياته وشبكاته التي تتفاعل مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي.
فظاهرة الحراقات ليست مسألة أمنية أو اقتصادية فقط، بل تتطلب معالجة الأسباب الجذرية التي أدت إلى ظهورها، بدءاً من استعادة سيادة الدولة، وفرض رقابة فعالة، وتوفير فرص عمل بديلة وأقل خطورة، وتأهيل الأيدي العاملة، وتنظيم الأنشطة الاقتصادية بما يضمن صحة المواطنين، بدلاً من تركهم فريسة لظواهر تهدد حياتهم ومستقبلهم.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1256
فرح شرف