من الفقر إلى العنف المتوحش والصامت!
سمير علي سمير علي

من الفقر إلى العنف المتوحش والصامت!

كشف تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادر بتاريخ 17/10/2022 باسم «مؤشر الفقر مُتعدد الأبعاد»، ما هو أبعد من الدخل كمقياس للفقر، لفهم كيف يعاني الناس في جوانب مختلفة من حياتهم اليومية- من الوصول إلى التعليم والصحة- إلى مستويات المعيشة، مثل: الإسكان والوصول إلى مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي والكهرباء.

ومما ورد في التقرير: «تظهر البيانات أن 1,2 مليار شخص في 111 دولة نامية يعيشون في فقر حاد متعدد الأبعاد، أي ما يقرب عن ضعف عدد الذين يُنظر إليهم على أنهم فقراء، عندما يتم تعريف الفقر على أنهم يعيشون على أقل من 1,90 دولاراً في اليوم».
فما هو واقع الفقر في سورية، باعتبارها محسوبة ضمن الدول النامية، استناداً للمقاييس متعددة الأبعاد أعلاه، ووفقاً لتعريف حد الفقر المقيّم بالدولار؟!
فتعريف الفقر بحسب التقرير الأممي الأخير لم يتغير بحساباته الرقمية، فهو أن يعيش الفرد على أقل من 1,9 دولاراً في اليوم.
وذلك الحد يعني 57 دولاراً شهرياً للفرد، ولأسرة مكونة من 5 أفراد، فإن حدّ الفقر الشهري لها هو 285 دولاراً.
إن هذا الرقم يعادل 855 ألف ليرة سورية، وفقاً لسعر الدولار المعتمد في موازنة الدولة للعام 2023 والبالغ 3000 ليرة لكل دولار تقريباً، بالمقابل، فإن الحدّ الأدنى الرسمي للأجور هو 92 ألف ليرة فقط لا غير!
وبحسابات الدولار في الموازنة فإن هذا المبلغ (92) ألف ليرة يعادل 30 دولار تقريباً، ووفقاً لحد الفقر الأممي، فإن هذا المبلغ يؤمن معيشة فرد واحد ضمن حد الفقر لمدة 15 يوم، أو لأسرة مكونة من 5 أفراد لمدة 3 أيام فقط.
ووفقاً لحسابات الحد الأدنى للفقر، فإن السوريين المفقرين تجاوزوا جحيم الفقر المدقع بأشواط، وإذا ما تمت إضافة الأبعاد الإضافية، التي يقاس عليها الفقر وفقاً للمعايير الأممية أعلاه، بما يخص التعليم والصحة والإسكان والوصول إلى مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي والكهرباء وغيرها، يتبين أن الغالبية المفقرة من السوريين قد وصلت إلى أدنى درجات الفقر، ليس على مستوى الغذاء فقط بل وعلى مستوى الخدمات وضرورات الحياة الأخرى!
إن الفجوة الكبيرة بين الغالبية المفقرة والقلة الناهبة والثرية تتسع، وهذا الاتساع يزداد بشكل لحظي، وليس بشكلٍ يومي أو شهري، فالملايين المفقرة من السوريين لدرجة الجوع والعوز يقابلها قلة محدودة من الفاسدين والناهبين الكبار، في تعدٍ مجحفٍ ليس على الحقوق الطبيعية من مأكل وملبس ومسكن لهؤلاء، بل على حق الحياة نفسه، فلا حماية اجتماعية، ولا دعم اقتصادي حقيقي يمكن الاتكاء عليه، بل يتم قضم ما هو موجود تباعاً منها، مع تمييز فاقع ووقح تكرسه السياسات الطبقية المحابية للقلة الناهبة والفاسدة على طول الخط.
وبالمنطق الأخلاقي، الذي تدار به ومن خلاله المؤتمرات الدولية بما يخص حقوق الإنسان عادة، ربما من السهولة الحديث أن ما يعانيه السوريين يمثل العار بكل ما تحمله الكلمة من معنى!
فهل بعد ذلك من شرور يمكن للسياسات المطبقة أن تمارسها بحق الغالبية المفقرة، وهل من قعر لقاع موبقات هذه السياسات؟!
فالحرمان متعدد الأشكال، بالتوازي مع استلاب الحقوق، مع المساعي المحمومة لتأبيد الواقع بسياساته المجحفة والظالمة، هو ما يمكن تسميته بالعنف الصامت الذي يمارس على هذه الغالبية، والذي تجاوز مرحلة التوحش بكل تأكيد!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1094