زيادة أسعار الاتصالات كوميديا هزلية سوداء مكررة
عادل ابراهيم عادل ابراهيم

زيادة أسعار الاتصالات كوميديا هزلية سوداء مكررة

أصدرت وزارة الاتصالات والتقانة ما أسمته «بيان هام» بتاريخ 29/5/2022، ومضمون هذا البيان أنه: «تم التوافق على تعديل أسعار الخدمات المُقدمة بمتوسط زيادة ٥٠٪ لشركتي الخليوي والشركة السورية للاتصالات للخدمات الأساسية اعتبارا من 1/6/2022».

سبق ذلك تسريب إعلامي لصحيفة الوطن بتاريخ 27/5/2022 عن مصادر مطلعة في المؤسسة العامة للاتصالات أن شركات الخليوي طلبت زيادة على الأسعار بنسبة 200%.

فصول متتالية

ما سبق أعلاه عبارة عن فصول كوميديا هزلية سوداء مكررة، يبدأ مشهدها الأول عادة بتسريب إعلامي، ثم تتالى المشاهد تباعاً وصولاً إلى خاتمة العرض متمثلاً بزيادات في الأسعار، وهذه المرة المحور المعالج في هذه الكوميديا هو الاتصالات وأسعار خدماتها العامة والخاصة.
ولنصل من فصول هذه الكوميديا السوداء إلى نتيجة أن «الرمد أحسن من العمى»، فنسبة 50% التي تم التوافق عليها والمعلن عنها عبر البيان الهام هي أخف وطأة من النسبة المطلوبة من شركات الخليوي والبالغة 200%!
فالمضحك في الأمر هو أسلوب تشتيت الانتباه في المضمون أعلاه من خلال دفع قارئ الخبر المسرب إلى الخيار المطلوب الوصول إليه في الخاتمة والمتمثل بزيادة الأسعار، لكن شريطة ألّا تصل إلى 200%، وبذلك تظهر الوزارة وكأنها مدافعة عن مصالح المواطنين وليست منفذة لمطالب الشركات المشغلة!
لكن ماذا عن التفاصيل الفعلية لهذه الزيادة، وهل كانت فعلاً 50% فقط؟

مبررات وذرائع

ورد في البيان الهام، وبعد الاعتراف بتراجع جودة خدمات الاتصالات والإنترنت والغياب الكلي لها في بعض المناطق، ما يلي: «وفي إطار عمل الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد لضمان استمرار عمل شركات الاتصالات وخدماتها بما يتناسب مع الظروف الحالية الناتجة عن تداعيات قانون قيصر وارتفاع سعر الصرف، من دون أن تشكل أعباءً ثقيلة إضافية على المواطنين. وبعد عدة مفاوضات جرت خلال الفترة الماضية ما بين الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد، والمشغلين من شركات الخلوي ( MTN– سيرياتيل) والشركة السورية للاتصالات، بناءً على طلب مقدّم من هذه الشركات، تم التوافق على تعديل أسعار الخدمات المُقدمة بمتوسط زيادة ٥٠٪؜ لشركتي الخليوي والشركة السورية للاتصالات للخدمات الأساسية اعتباراً من 1/6/2022، بما يساعد المشغلين على الاستمرار بتقديم خدماتهم وتحسينها أو توفيرها، ويمكنهم من تنفيذ مشاريعهم المطلوبة منهم، بحيث لا يؤثر هذا التعديل بشكل كبير على المواطنين ولا سيما ذوي الدخل المحدود منهم».


10721


ويضيف البيان: «وإن كان هذا القرار تضمّن زيادة في أجور خدمات الاتصالات والإنترنت، إلا أن هذه الزيادة ضرورية لتتمكن شركات الاتصالات من الإيفاء بالتزاماتها المالية بالقطع الأجنبي لمزودي الخدمة العالميين، واضطرارية لارتفاع أسعار الطاقة بشكل كبير، مع التأكيد على أن هذا القرار لا يستند بالمُطلق إلى دوافع ربحية، ويهدف بشكل أساسي إلى ضمان استمرار توفر الخدمة لجميع شرائح المجتمع».

تفاصيل إضافية مضحكة

المضحك في الأمر هو الحديث عن «تداعيات قانون قيصر وارتفاع سعر الصرف، من دون أن تشكل أعباءً ثقيلة إضافية على المواطنين»، والحديث عن «التأكيد على أن هذا القرار لا يستند بالمُطلق إلى دوافع ربحية، ويهدف بشكل أساسي لضمان استمرار توفر الخدمة لجميع شرائح المجتمع».
لكن ما تم إغفاله والتعمية عنه هو ما حققته وتحققه هذه الشركات من أرباح سنوية بالمليارات، معلنة وموثقة رسمياً، وهي لا شك من جيوب وعلى حساب المواطنين المشتركين بخدماتها، ناهيك عن تراجع هذه الخدمات عملياً، والتي تم الاعتراف بها!
فخاتمة فصول الكوميديا كانت أنها لم تقف عند حدود تنفيذ مطالب شركات الخليوي فقط، فمؤسسة الاتصالات رفعت أسعار خدماتها أيضاً.
وهنا نلحظ أيضاً أسلوب تشتيت الانتباه، فالحديث لم يعد يقتصر على رفع أسعار خدمات مشغلي الخليوي بناء على طلبها، بل طال خدمة الإنترنت أيضاً، وجميع الخدمات التي تقدمها مؤسسة الاتصالات، بما في ذلك خدمة الاتصال الأرضي.
وخلاصة القول إن وزارة الاتصالات لم تكتفِ بالرضوخ لمطالب شركات الخليوي بزيادة أسعار خدماتها، بل استفادت من ذلك عبر زيادة أسعار كافة خدماتها هي أيضاً، وكل ذلك على حساب ومن جيوب المواطنين طبعاً، أي مزيد من المليارات كأرباح سنوية، مع استمرار تردي الخدمات الخاصة بها وبشركات الخليوي!
أما الحديث عن «عدم تأثير هذا التعديل بشكل كبير على المواطنين ولاسيما ذوي الدخل المحدود منهم»، فهو لذر الرماد في العيون، ولمزيد من تشتيت الانتباه ليس إلا!

بعض تفاصيل الزيادة

ارتفعت أجور خدمات إنترنت تراسل المعتمدة من الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد بنسبة أعلى من 50% وسطياً، وكذلك أسعار الباقات المميزة، وباقات الشحن، والفايبرنت، بل وصلت إلى أكثر من 100% لبعضها.

أما عن أسعار شركات الخليوي فقد أصبحت دقيقة الاتصال الخليوي للخطوط مسبقة الدفع بـ27 ليرة، بعد أن كانت بـ18 ليرة، أي بزيادة نسبتها 50%، ودقيقة الاتصال للخطوط لاحقة الدفع بـ23 ليرة، بعد أن كانت بـ15 ليرة، أي بزيادة نسبتها 53.3%، فيما أصبح سعر الميغا بايت خارج الباقات بسعر 17 ليرة.
ويشار بهذا الصدد أن الزيادة الأخيرة على أسعار الاتصالات والإنترنت دخلت حيز التنفيذ اعتباراً من مطلع تشرين الأول لعام 2021، أي منذ ثمانية أشهر فقط، وكانت بنسبة معلنة بحدود 40% بحينه، وقد ترافقت مع الحديث عن خطط ومشاريع لتحسين جودة الإنترنت وخدمات الاتصالات الخليوية والأرضية، الأمر الذي لم يتم عملياً بدليل الاعتراف الرسمي بتردي وتراجع الخدمات.
فهل من كوميديا مكررة الفصول السوداء أشد قتامة من ذلك؟!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1072
آخر تعديل على الإثنين, 30 أيار 2022 00:50