«انترادوس» الاستثماري وأشباهه..  تعدٍّ على الحقوق وخرق للقانون
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

«انترادوس» الاستثماري وأشباهه.. تعدٍّ على الحقوق وخرق للقانون

أعيد ملف مشروع «انترادوس» طرطوس الاستثماري للواجهة مجدداً، ففي منتصف الشهر الماضي جرى عقد اجتماع في مدينة طرطوس بشأن الاستثمارات الواقعة على الأملاك البحرية، وقد ترأّس الاجتماع وزير الإدارة المحلية والبيئة بحضور وزير الداخلية ووزير النقل ومحافظي كل من طرطوس واللاذقية، ومما رشح عن الاجتماع بحسب إحدى الصحف المحلية شبه الرسمية بتاريخ 18/8/2019، أن الاجتماع تناول ملف مشروع «انترادوس» للتطوير السياحي المتوقف عن التنفيذ منذ أكثر من عِقد من الزمن، وملف شاليهات الأحلام.

ومع إعادة فتح هذا الملف ربما من المفيد إعادة تسليط الأضواء على واقع الاستثمارات القائمة على الأملاك البحرية بشكل عام، فقد ورد عبر إحدى الصحف الرسمية بتاريخ 20/8/2019، حول عقود استثمارات الأملاك البحرية في اللاذقية، والتي تبين أن عددها يبلغ 52 استثماراً، موزعة على مدينتي اللاذقية وجبلة وبلديتي البسيط وبرج القصب، إضافة إلى الأملاك العائدة للمديرية العامة للموانئ، وقد «أنجزت معالجة عقود 26 استثماراً منها وزيادة بدلاتها، ليرتفع العائد المالي منها مجتمعة من 62 مليون ليرة سنوياً إلى أكثر من 267 مليون ليرة، وشملت 11 عقداً في مدينة اللاذقية و2 في مدينة جبلة و11 عقداً للمديرية العامة للموانئ، وعقداً لكل من بلدية البسيط وبرج القصب».
اجتماعات ومتابعة سابقة
يُشار بهذا الصدد إلى أن اللجنة الوزارية المكلفة دراسة واقع الأملاك البحرية على الساحل السوري، وفي اجتماعها بتاريخ 4/5/2017 في طرطوس قررت: «تكليف وزارة النقل معالجة كل الإشغالات على الأملاك البحرية في طرطوس، وتحصيل الحقوق إدارياً خلال أقصر مدة ممكنة بما يتناسب مع الواقع الراهن، واستناداً للقانون النافذ، إضافة إلى تكليف الوحدات الإدارية في المحافظة تصويب كل الاستثمارات لديها وزيادتها بشكل يتوافق مع الواقع، مع مراعاة تكاليف إقامة الاستثمارات التي ستعود للوحدة الإدارية بعد انتهاء مدة الاستثمار، وموافاة اللجنة بالنتائج المتحققة كل أسبوع»، وذلك بحسب ما تم نقله عبر سانا بتاريخ 5/5/2017، وبين وزير الإدارة المحلية والبيئة رئيس اللجنة: «أنه تم حصر وجرد كل الإشغالات والأملاك البحرية بشكل دقيق، سواء المرخَّصة أو غير المرخصة ووضع دراسة ومقترح من شأنه تصويب الاستثمارات وزيادة العائد للوحدات الإدارية في مدينة طرطوس، مع زيادة الخدمات لها، وهذه الإجراءات سيتم اعتمادها في المحافظات كافة مؤكداً ضرورة الانتقال من التوصيف والإحصاء إلى مرحلة القرارات والأفعال التي من شأنها معالجة الخلل والفساد وتصويب واقع الاستثمارات بما يحقق التوازن المطلوب فيها، ويزيد العائدات للجهات العامة، وينعكس بالمحصلة على الخدمات المقدمة للمواطنين وعلى الخزينة العامة».
وقد توالت اجتماعات اللجنة ومتابعتها خلال السنين الماضية، ومع ذلك ما زالت بعض الملفات معلقة دون حل، بدليل ما رشح عن الاجتماع الأخير أعلاه حول ملف «انترادوس» طرطوس وغيره، الأمر الذي يدعونا للتساؤل حول حقيقة وجدوى ما يتم الإعلان عنه من نتائج خلال هذه الاجتماعات والمتابعات بشأنها؟.
تصنيف وبدلات استثمارية
مع التحفظ على كل ما يجري على مستوى استثمار الأملاك البحرية أو سواها في ظل طغيان أشكال المحاباة للمستثمرين وأصحاب الأرباح، توافقاً مع السياسات الليبرالية المتبعة حكومياً منذ عقود، على حساب حقوق المواطنين والحقوق العامة والمصلحة الوطنية. تجدر الإشارة إلى أن الحكومة سبق وأن أصدرت قراراً مطلع عام 2018 يقضي بتصنيف الأملاك البحرية إلى مناطق الدرجة الأولى وتتضمن الأملاك المواجهة للمدن الرئيسة (اللاذقية، طرطوس، بانياس، جبلة)، والدرجة الثانية:وتشمل الأملاك الواقعة في مناطق (كفر سيتا، وادي قنديل، ومتن الساحل)، والدرجة الثالثة وتشمل الأملاك الواقعة ضمن المناطق التي لم تذكر في الدرجتين الأولى والثانية، مع تحديد قيمة البدلات الخاصة بكل تصنيف من هذه التصنيفات وبحسب نوعه (فنادق- شاليهات- مطاعم- مسابح- مراكز خدمات- حدائق..).
ولعل ما جرى الحديث عنه من رفع بدلات الاستثمار للأملاك العامة البحرية في كل من اللاذقية وطرطوس مؤخراً يأتي ضمن هذا السياق، علماً أنه إجراء متأخر لمدة عام تقريباً على تاريخ القرار الحكومي القاضي بالتصنيف أعلاه مع بدلاته، ولم يُستكمل بعد، حيث ما زالت بعض الاستثمارات بالقيم القديمة.
«انترادوس» امتيازات واستثناءات على حساب من؟
بالعودة لملف «انترادوس»، تجدر الإشارة إلى أن المشروع تم الإعلان عنه مطلع عام 2006، وتم توقيع عقده من قبل وزارة السياحة، ومما رشح عن العقد عبر وسائل الإعلام حينه أنه يتضمن إنشاء مجمع سياحي ضخم بكلفة تقديرية تصل إلى (200 مليون دولار) منها 140 مليون دولار رأس مال استثماري و60 مليون دولار قيمة مساهمة مجلس مدينة طرطوس العينية، وسيقام المشروع على مساحة تقدر بنحو 186 ألف متر مربع، وتنفذه شركة «غوانادا إنترناشونال ليمتد» البريطانية وشريكاتها شركة «كيروود انفستمنت كومباني ليمتد» وشركة «وحود غروب ليمتد» إضافة إلى رجل الأعمال السوري محمد علي وحود ومجلس محافظة مدينة طرطوس. وينص العقد على إنشاء فندق فئة خمس نجوم يحتوي على200 غرفة كحد أدنى، وفندق فئة أربع نجوم بطاقة 150 غرفة وفندق شقق إقامة من الدرجة الممتازة بطاقة 100 غرفة وشاليهات سياحية بطاقة 250 غرفة ومراكز تجارية ومكاتب إدارية ومرفأ زوارق ويخوت، وملاعب رياضية وأماكن تسلية، ودار للسينما وحدائق عامة ومسرح مكشوف, إضافة إلى تطوير المباني الأثرية ضمن السور الخارجي لمدينة طرطوس القديمة. ويؤمن المشروع حوالى 1500 فرصة عمل.
وقد حظي المشروع وقتها بالكثير من الدعاية والبهرجة كمشروع استثماري سياحي كبير، كما حظي بالكثير من الامتيازات والاستثناءات الحكومية، وقد تم وضع حجر الأساس للمشروع في عام 2010 من قبل رئيس الحكومة حينها، مع الإعلان أن المرحلة الأولى للمشروع أُنجزت، وبأن مدة إنهاء المشروع تصل إلى نحو أربع سنوات ونصف السنة.
المشروع تبعه لاحقاً الكثير من المشاكل التي سُلّطت عليها الأضواء عبر وسائل الإعلام المحلية والعربية أيضاً، بما في ذلك دعاوى قضائية، وملابسات كانت شبه مغيبة عن الإعلام، وخاصة على مستوى عدم تحقق المنفعة «الاستثمارية» المرجوة بالنسبة لمدينة طرطوس، وصولاً لتوقفه الكامل لاحقاً.
وخلال الاجتماع الأخير المشار إليه أعلاه بتاريخ 18/8/2019 قررت اللجنة، بحسب ما تم نقله عبر الصحيفة المحلية: «رفع اقتراح للحكومة يقضي بمعالجة ملف مشروع «انترادوس» طرطوس من خلال نقل الملكية لاسم المدينة، وهي تنقلها للشركة بعد ذلك حسب الأصول».
بمعنى آخر، إنّ جزءاً من الأملاك العامة البحرية، والبالغة 186 ألف متر مربع بحسب العقد، ستصبح بملكية الشركة الاستثمارية الخاصة بالمشروع، ولا ندري وفقاً لأية صيغة قانونية سيجري ذلك، ولمصلحة من، والأهم من المسؤول عما آل إليه هذا الملف؟

مخالفة صريحة للقانون
في هذا السياق لا بدَّ من إعادة التذكير بالحقوق العامة، التي وردت بقانون الأملاك العامة البحرية رقم 65 لعام 2001:
الأملاك العامة البحرية أموال عامة تسري عليها أحكامها المنصوص عليها في القوانين النافذة فيما لا يخالف أحكام هذا القانون.
تشمل الأملاك العامة البحرية: شاطئ البحر إلى المسافة التي يصل إليها المد أو الموج أيهما أبعد- شطآن الرمل والحصى المحاذية لشاطئ البحر‌- البرك والغدران والبحيرات المتصلة بالبحر- الألسن الملحوظة في الأملاك البحرية والخلجان والرؤوس البحرية- المياه الإقليمية وقعرها والجزر ضمنها، وتستثنى من ذلك الأملاك الخاصة في جزيرة أرواد- الأراضي المكتسبة للشاطئ بطريق الالتصاق أو الردم- السدود البحرية- محطات الاتصال ومنشآت التنوير والعلامات البحرية- الموانئ والأحواض البحرية.
تخضع الأملاك العامة البحرية للقوانين المتعلقة بالأملاك العامة في ما لم يرد عليهِ نص خاص، وهي معدة للمنفعة العامة، واستعمال الجمهور, ولا يجوز التصرف بها أو تملكها بالتقادم أو الحجز عليها.
فإذا كانت مجريات الاستثمار بالأملاك البحرية من خلال حيثياتها التنفيذية، المقوننة والمخالفة، فيها الكثير من التعدي والتجاوزات على الحقوق أعلاه، فإن مشروع «انترادوس» وفقاً لما ورد أعلاه، وخاصة مع اقتراح «نقل الملكية» هو خرق فاضح لهذه الحقوق.

معلومات إضافية

العدد رقم:
929
آخر تعديل على الإثنين, 02 أيلول/سبتمبر 2019 09:05