مرفأ اللاذقية  وخدماته مرفق سيادي
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

مرفأ اللاذقية وخدماته مرفق سيادي

فُتح الحديث مجدداً عن محطة حاويات مرفأ اللاذقية من بوابة الاستثمار لها، إدارة وتشغيلاً، وذلك على إثر تداول صورة لأمر إداري صادر عن مدير عام شركة مرفأ اللاذقية، يقضي بتشكيل فريق استشاري بمهمة التباحث مع الجانب الإيراني بخصوص إعداد مُسوّدة عقد لإدارة المحطة من قبل الجانب الإيراني هذه المرة، وذلك استناداً لتوجيه وزير النقل، بحسب ما تم تداوله إعلامياً من صور للكتب الصادرة بهذا الشأن.

إنَّ إعادة فتح الحديث عن إدارة وتشغيل محطة الحاويات في مرفأ اللاذقية، وبغض النظر عن مدى مصداقية ما تم تداوله من معلومات حسب ما ورد أعلاه، مرتبط على ما يبدو مع قرب موعد انتهاء فترة العقد الموقع مع شركة محطة حاويات اللاذقية الدولية، والتي ستكون بنهاية هذا العام.
وبغضِّ النظر عن الشركات والجهات التي من الممكن أن تتقدم بعروضها لهذه الغاية الاستثمارية، أو عن إمكانية استعادة الإدارة والتشغيل للمحطة من قبل الشركة العامة لمرفأ اللاذقية مجدداً، كون المرفأ مع الخدمات المقدمة عبره يعتبر مرفقاً سيادياً لا يجب التفريط بأحد مكوناته أو أنشطته، لا بدّ من إعادة تسليط الضوء على بعض النقاط الهامة بهذا الصدد.

تأريخ

شركة مرفأ اللاذقية محدثة منذ عام 1950، وفي عام 1982 آلت أسهم القطاع الخاص في الشركة للدولة بالشراء، وأصبحت شركة مرفأ اللاذقية شركة عامة، وأصبح اسمها «الشركة العامة لمرفأ اللاذقية»، واستمرت بعملها طيلة السنين تلك، إدارة وتشغيلا لكافة مرافقها كشركة عامة ذات طابع اقتصادي بجهودها وكوادرها وإمكاناتها الذاتية، مع تسجيل قفزات نوعية بعملها خلال هذه الفترة، رغم كل ما يمكن أن يوضع من ملاحظات على عملها بالمقابل، كونها ليست استثناءً عن غيرها من الشركات الحكومية التي تعاني ما تعانيه من صعوبات ومعيقات وأوجه فساد.
مع بداية الألفية الجديدة، وتكريساً لنهج السياسات الليبرالية المعتمدة حكومياً، وعلى أرضية التشاركية كعنوان فرعي أدرجت ضمنه الشركات الحكومية ليدخل إليها الاستثمار الخاص بغاية جني المزيد من الأرباح، واستباقاً لقانون التشاركية الذي لم يصدر حتى عام 2016، تم الحديث عن «تطوير« عمل الشركة العامة لمرفأ اللاذقية من خلال إدخال القطاع الخاص على خط إدارة وتشغيل محطة الحاويات التابعة للشركة، وذلك استناداً للتوصيات والدراسات المدعمة بالوثائق، والتي تم إعدادها من قبل «فريق خبراء برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» بحينه.
فالمحطة من الناحية العملية تديرها الآن شركة محطة حاويات اللاذقية الدولية المعروفة بـ LICT، وذلك استناداً لمناقصة تم الإعلان عنها من قبل وزارة النقل- الشركة العامة لمرفأ اللاذقية لتشغيل المحطة في عام 2007، والتي باشرت عملها، إدارة وتشغيلاً، وفقاً للعقد الموقع بينهما في عام 2009 ولمدة عشرة أعوام تنتهي هذا العام، ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن جرت عدة تسويات على العقد آنفاً، وذلك بعد الكثير من الأخذ والرد حلاً للخلافات على مستوى الإيرادات ونسب توزيعها.

قاسيون نبهت من النهج التدميري لليبرالية

للتذكير فقد تم الوقوف على موضوع الإعلان عن المناقصة لإدارة وتشغيل محطة الحاويات في مرفأ اللاذقية من قبل القطاع الخاص بحينه، وتم تسليط الضوء على واقع العمل في المحطة، وعلى الآثار السلبية الناجمة عن التوجه بإدخال القطاع الخاص إليها كمفصل من مفاصل العمل الحكومي السيادي.
فقد أفردت قاسيون بتاريخ 5/2/2008 مادة بعنوان: «الاتحاد العام لنقابات العمال: لا للتفريط بمرفأ اللاذقية»، أوردت خلالها مضمون المذكرة التي أعدها الاتحاد العام لنقابات العمال حول «مُسوّدة عقد إدارة وتشغيل محطة الحاويات في شركة مرفأ اللاذقية» بحينه، والذي تم اعتباره «خارج إطار القوانين والتشريعات المعمول بها حالياً في الشركة المذكورة»، نقتطع منها الفقرات التالية:
لا يمكن النظر للمرافئ كمناطق حدودية فقط، ومن وجهة نظر اقتصادية بحتة، بل كجزء أساسي يمثل السيادة الوطنية، وتحقق جانباً اجتماعياً كبيراً، وكأي منفذ حدودي يطّل على الخارج، من غير المحبذ أن يسلم لشركة خاصة أو أجنبية، ونرى أن يبقى، تشغيلاً وإدارةً، للجهات العامة.
يمكن تطوير آلية العمل القائمة وبالتعاون، من خلال فريق العمل الواحد ورفع الإنتاجية وتحسين الأداء وتطويره، خاصة مع بداية تطبيق النظام المالي الأساسي في العام الحالي 2008، والذي أعطى صلاحيات واسعة لإدارة الجهات الاقتصادية، للعمل والتطوير، ولدى شركة مرفأ اللاذقية الإمكانات الذاتية الكاملة لذلك، خاصة وأن أرباح المرفأ السنوية بحدود /3/ مليارات ل.س.
يقترح الاتحاد العام لنقابات العمال، عدم الإعلان عن المحطة المذكورة والسير بهذا الاتجاه، لما له من منعكسات سلبية مستقبلاً، بما فيها وضع العمالة، والأفضل العمل باتجاه إصدار التشريع الذي يمكن شركة المرفأ من تحقيق الغاية المطلوبة، بدون اعتماد شركات إدارة خاصة، وغيرها من هذا القبيل.
وقد خُتمت المادة بالتالي: «إننا في «قاسيون» نشد على يد الاتحاد العام لنقابات العمال، ونضم صوتنا إلى صوته، ونطالب جميع الشرفاء في هذا الوطن بالتكاتف لصد الهجمات المتتالية التي يشنها الساعون لتمزيق الاقتصاد الوطني، وخاصة الفريق الاقتصادي المبهور بالليبرالية الجديدة ومناهجها التدميرية.. ».

رؤية بإلغاء عقد محطات الحاويات

ورد عبر إحدى الصحف الرسمية بتاريخ 24/3/2018، التالي: «أكدت مصادر خاصة لدى وزارة النقل: أن الشركة العامة لمرفأ اللاذقية قدمت رؤية خاصة بها لتطوير آلية العمل في الشركة وللتخلص من الصعوبات والمعوقات الأساسية التي تعوق العمل.. ومن بنود رؤية الشركة لتطوير آلية عملها، ضرورة العمل على إعادة الإنشاءات كما كانت في السابق (مديرية الإنشاءات) للحفاظ على خصوصية العمل فيها وعدم خلط المشاريع المدنية مع غيرها, أيضاً الإسراع في إعادة توزيع شرائح كتلة الأجر المتحول, والعمل على إلغاء عقد محطات الحاويات وإعادة إدارتها للشركة لتوحيد نظام الإدارة وتحديد المسؤولية, والأهم امتلاك الشركة الكفاءات الإدارية في إدارة محطة الحاويات».
والواقع يقول: إن الشركة العامة لمرفأ اللاذقية تسعى لتطوير عملها، فقد كشف مدير عام الشركة عبر إحدى الصحف الرسمية بتاريخ 29/1/2019، عن «إنشاء أرصفة جديدة بأعماق 17م مع ساحات خلفية، بالإضافة إلى تعميق قناة الدخول حتى 18م، وإطالة المكسر الرئيس لإنشاء محطة حاويات جديدة بطاقة سنوية لا تقل عن 1,5 مليون حاوية».
وفي ظل هذا التزاوج بين الرؤية والتطوير المزمع آنفاً، ومع اقتراب انتهاء الفترة التعاقدية مع الشركة الخاصة، لا بدّ من التأكيد على أن النقاط المثارة بالمادة القاسيونية أعلاه ما زالت تمتلك راهنيتها وضرورتها، بل ربما تزايدت أهميتها الآن أكثر مما سبق، خاصة ونحن مقبلون على مرحلة إعادة الإعمار.
فالسياسات الليبرالية المعتمدة حكومياً منذ عقود لم تجلب لنا إلا البؤس والشقاء والفقر والتشرد، واستمرار الرهان عليها لن يستجلب إلا المزيد من البؤس المعمم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
906
آخر تعديل على الأربعاء, 27 آذار/مارس 2019 14:52