من يسرق أعمارنا؟
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

من يسرق أعمارنا؟

هل تعلم عزيزي المواطن، أن نمط الحياة المفروض عليك بتفاصيله اليومية المنهكة يستهلك عمرك، بحيث ينخفض معه متوسط عمرك المتوقع؟

 

وهل تعلم بأن هذا الانخفاض على متوسط عمرك المأمول يذهب بالمقابل ليزيد من متوسط أعمار القلة التي تستغلك؟
عوامل تحدد العمر والمصير
يرتبط عمر الفرد بشروط الحياة التي يعيشها وظروفها، وهي جملة من العوامل المتشابكة والمترابطة والمتغيرة، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.
كما يتم تحديد متوسط العمر المتوقع للفرد استناداً للكثير من العوامل المتشابكة والمركبة، منها: (العمر_ الجنس_ النظام الغذائي_النظام الصحي_ الحروب والنزاعات_ نظام التعليم_ الوراثة_ المكان_ البيئة_ العوامل الاجتماعية ..).
فمتوسط عمر الإناث أعلى منه عند الذكور، ويتأثر متوسط العمر المتوقع بمدى توفر نظام رعاية صحية جيد، كما أن للتعليم أثره في رفع متوسط عمر الفرد المتوقع، كذلك هي حال الحروب والنزاعات التي تخلف الكثير من الضحايا والإعاقات، مما يخفض من متوسط العمر المتوقع في البلدان التي تعاني منها، وأن تعيش في إحدى البلدان الغنية يعني: أن متوسط عمرك المتوقع أعلى منه مما لو كنت تعيش في إحدى البلدان الفقيرة، وهكذا على مستوى بقية العوامل الأخرى، ومدى تأثيرها المباشر والمركب على متوسط العمر المتوقع للفرد بناءً عليها.
انخفاض متوسط عمر السوريين
حسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية، الواردة على موقعها، فإن متوسط العمر المأمول عند الميلاد في سورية، هو 60 عاماً للذكور، و 70 عاماً للإناث، واحتمال الوفاة بين سن 15 عاماً وسن 60 عاماً هو بنسبة 38,3% للذكور، و 19% للإناث، وذلك استناداً لمعطيات عام 2015- 2016، التي لم يتم تحديثها بإحصاءات بعد ذلك على الموقع.
وفي شهر تشرين الثاني 2016، قالت مدير عام صندوق النقد الدولي، كريستين لاغارد، في مقالة نشرت بالتزامن مع تقرير الصندوق المعنون: «الأثر الاقتصادي وأزمة اللاجئين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا»، إن: «معدلات التسرب من المدارس في سورية وصلت إلى 52% في عام 2013، وانخفض متوسط العمر المتوقع إلى 56 عاماً بدلاً من 76 في سنوات قبل الحرب السورية».
أي: أن المواطن السوري خسر بحدود 20 عاماً من متوسط عمره المتوقع خلال سنوات الحرب والأزمة، وبسببها.
وبناء عليه وبالحسابات، فإن العمر المسروق من السوريين حتى الآن يقدر بحدود 400 مليون سنة، وذلك بتقدير أن المنهوبة أعمارهم يقدرون بـ 20 مليون سوري.
40 عاماً فجوة عمرية
حسب صندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن متوسط العمر المتوقع ارتفع من سن ٦٤,٨ (١٩٩٠-١٩٩٥) إلى ٧٠ عاماً (٢٠١٠ -٢٠١٥). والارتفاع كان من نصيب الدول المتقدمة التي زاد متوسط العمر فيها بنسبة ٨,٩ سنة، وذلك استناداً للدراسة الإحصائية التي تصدرها منظمة الصحة العالمية كل 5 سنوات.
ووفقاً لهذه الدراسة، يظهر الفارق في العمر المتوقع للفرد بين الدول الغنية والدول الفقيرة، والذي وصل لأكثر من 40 عاماً تقريباً.
فعلى سبيل المثال:
في اليابان، التي احتلت المركز الأول، العمر المأمول للذكر هو 79 عاماً، وللأنثى 86,1 عاماً، وبوسطي 82,6 عاماً.
وفي السويد، التي احتلت المركز السابع، العمر المأمول للذكر هو 78,7 عاماً، وللأنثى هو 83 عاماً، وبوسطي 80,9 عاماً.
بينما في سورية، التي احتلت المركز رقم 69، فإن العمر المأمول للذكر هو 72,3 عاماً، وللأنثى هو 76,1 عاماً، وبوسطي 74,1 عاماً.
وفي السودان، التي أتت في المرتبة 156، فإن العمر المأمول للذكر هو 57,1 عاماً، وللأنثى هو 60,1 عاماً، وبوسطي 58,6 عاماً.
وقد احتلت موزمبيق المرتبة 194 قبل الأخيرة، وبعمر مأمول للذكر هو 41,7 عاماً، وللأنثى 42,4 عاماً، وبوسطي 42,1 عاماً.
ولكم أن تتخيلوا مقدار الفجوة الكبيرة بين متوسط الأعمار المتوقعة في الدول الغنية، عنها في الدول الفقيرة والمستغَلة، وكم من السنين المنهوبة من الفقراء من أجل أن تحسن من معيشة الأغنياء.
العمر المنهوب استغلالاً
الإحصاءات أعلاه، تبين الفجوة العمرية بين الدول الغنية والفقيرة، وربما ووفقاً لنفس المقاييس والمعايير، لنا أن نتوقع الفجوة العمرية بين الأغنياء والمترفين في كل بلد بالمقارنة مع فقرائها وجائعيها.
فإذا كان نموذج الاستغلال الرأسمالي المهيمن دولياً، يستنفذ ويستهلك أعمار الأفراد في البلدان الفقيرة، استغلالاً ونهباً وحروباً، كي يزيد من أعمار الأفراد في البلدان الغنية عبر تحسين حياتهم وفقاً لمفردات العوامل المؤثرة في رفع معدلات الأعمار، فإن هذا النموذج من الاستغلال يفعل فعله داخل كل بلد على حدة، بحيث يستهلك ويستنفذ أعمار الفقراء ليزيد من فرص زيادة أعمار الأغنياء فيها، وأيضاً وفقاً لنفس شروط الاستغلال والنهب السائدين، لكن مع غياب الإحصاءات الرسمية عن ذلك، أو تغييبها إن صح الأمر!
نهب مزدوج محلي ودولي
بالعودة لشروط الحياة وظروفها التي يتم تحديد متوسط الأعمار المتوقعة استناداً إليها، في ظل واقعنا السوري، فإن عمرنا المأمول بلحظة الولادة يتشارك في نهبه واستغلاله طرفان:
الطرف الأول: يتمثل بالدول الغنية التي تستهلك جزءاً من أعمارنا وفقاً للنموذج الرأسمالي المهيمن دولياً وأدواته.
الطرف الثاني: يتمثل بالمستغلين المحليين من أصحاب المال والثروات، الذين يستهلكون جزءاً إضافياً من عمرنا، استغلالاً ونهباً وفقاً لنفس النموذج الرأسمالي المهيمن.
والنتيجة هي أن 20 عاماً مفقودة من عمرنا المأمول، حسب ما ذكر أعلاه، ويتشارك في سرقتها ناهبو الداخل والخارج معاً.
فإذا كانت السياسات الدولية المتبعة تجاهنا تفعل فعلها في نهبنا واستنزاف أعمارنا، فإن السياسات المحلية المعتمدة ليست بأفضل حال منها، خاصة وقد زاد تأثير مفاعيلهما المزدوجة علينا خلال سنوات الحرب والأزمة.
بدون مواربة
بكل مباشرة ووضوح، فإن السياسات الليبرالية، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، المعتمدة والمقرة والمنفذة من الحكومات المتعاقبة منذ عقود، هي المسؤول الأول والأخير عن سرقة أعمارنا، محلياً ودولياً، لمصلحة، وحساب، المستغلين من أصحاب المال والثروات هنا وهناك، والتي تزيد من فرص زيادة أعمار هؤلاء، عبر تحسين مستويات معيشتهم ورفاههم على حساب معيشتنا وأعمارنا، وهي المسؤولة عن التوحش الذي وصلت إليه هذه السرقة المباشرة خلال سنوات الحرب والأزمة، وصولاً لما آلت إليه توقعات أعمارنا انخفاضاً منذ لحظة الولادة، بسبب الموت والتشرد والنزوح.. وغيرها من الأسباب المرتبطة بالحرب والأزمة.
ولعل الأمثلة الحية على ذلك كثيرة بشكل يتعذر سردها جميعاً، اعتباراً من قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1990، وما تلاه من قوانين كثيرة مشابهة والتي كان آخرها قانون التشاركية والقوانين التي صدرت باسم إعادة الإعمار كبوابات مشرعة للنهب المنظم والمقونن مؤخراً، مروراً بتخفيض الإنفاق المستمر على الخدمات العامة، وخاصة على مستوى الرعاية الصحية والتعليم التي لها الأثر الأكبر على الحياة ومستواها، وليس انتهاءً بسياسة تجميد الأجور في ظل الاستمرار بارتفاعات الأسعار وعلاقتها المباشرة بالغذاء وضرورات المعيشة والحياة، ناهيك عن سياسة الإسكان المفتقدة والتي جعلت من حياة الغالبية المقيمة في العشوائيات أشبه بالجحيم لغياب شروط الصحة والسلامة فيها، مع عدم تغييب السلبية المفرطة رسمياً تجاه الكثير من النتائج السلبية لكل ذلك، على مستوى المزيد من التهميش وزيادة معدلات البطالة وتزايد معدلات الفقر والعوز والمرض بين عموم المواطنين، ناهيك عن جملة الظواهر السلبية التي انتشرت واستفحلت وزادت مفاعيلها وتأثيراتها على حياتنا اليومية، كالفساد والتهريب والمخدرات وتجارة الأعضاء والخطف والسرقة و..، مع منعكساتها الاقتصادية الاجتماعية الأكثر عمقاً، وكل ذلك على حساب أعمارنا المستنزفة ومستقبلنا ومستقبل الوطن وأبنائه، كنتيجة ومآل.
السياسات العقيمة تجاهنا
على ذلك، ومن أجل منح فرصة أكثر عدالة على مستوى العمر المأمول لحظة الولادة مستقبلاً، ومن أجل زيادة معدلات العمر المتوقع للسوريين، فإنه من الضروري والواجب، أن يتم منع ناهبي أعمارنا، داخلاً وخارجاً، من الاستمرار بهذا النهب المدمر، من أجل أن يزيدوا من فرص زيادة أعمارهم ورفاههم على حسابنا.
ولعل الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي: القطع مع السياسات الليبرالية التمييزية والمتوحشة، العقيمة تجاه احتياجاتنا ومتطلباتنا وأعمارنا، والتي تفسح المجال أمام الناهبين وأصحاب الثروات والمستغلين والفاسدين لسرقتنا وسرقة أعمارنا واستنزافها، فكل من هؤلاء لنا حصة وحق من عمرنا المنهوب في أرصدتهم المالية والعمرية، وقد آن أوان منعهم من سرقة المزيد منه.