عيسى مهنا عيسى مهنا

الجامعة على طريق الخصخصة؟

واجهت سورية كغيرها من البلدان، تحديات تنموية بمختلف المجالات فرضت عليها بعد الاستقلال، كان أهمها صعوبة إيجاد الحلول للمشاكل الموجودة على الأرض، وعدم القدرة على تحقيق ما تطمح إليه تنموياً في المجالات المختلفة، فاعتمدت على ثروتها البشرية كعنصر فاعل متوفر للخروج من الصعوبات ومواجهة التحديات، وعملت على تأهيلها وتدريبها متبعة جملة من الإجراءات متعلقة بسياسات تبنتها، كان أهمها مجانية التعليم في كل مرحلة، واعتباره حقاً لكل مواطن.

واقع فرض تصورات كان لها على الأرض آليات للتنفيذ متناغمة مع حال راهن سائد في المراحل الأولى عملت على أثره الحكومات المتعاقبة على تأهيل أعداد كبيرة من الكفاءات العلمية في مختلف الاختصاصات للنهوض بالأعباء والتحرر من القيود المختلفة وذلك عبر زيادة الجامعات والمعاهد وتوسيع الاختصاصات على مستوى كل من الجامعة والكلية. خطوات كانت نتيجتها ملموسة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي وفق كل حقبة زمنية كانت نتائجها على الأرض بين التعثر والنجاح.
تغيرات اقتصادية اجتماعية طرأت مؤخراً على أرض الواقع فرضت نمطاً جديداً لآليات التعليم مع الحفاظ على مجانيته شكلاً وغياب القدرة لدى الجامعات على استيعاب التحولات الطارئة مما أدى لجملة من الظواهر الملموسة على الأرض:
أعداد متزايدة من الطلاب الجامعيين في الاختصاصات والكليات المختلفة تعتبر أكبر بكثير من طاقات الجامعات المكانية والعلمية والإدارية، نتج عنها أعداد كبيرة في الاختصاص الواحد، حيث سيتواجد هؤلاء بكثافة في المحاضرات ويصل عدد التواجد في بعض الكليات إلى أكثر من 300 طالب في المحاضرة الواحدة، هذه الكثافة في الحضور يترتب عليها خلل في التفاعل والتواصل بين طرفي العلاقة طالب أستاذ والتي غالباً ما تكون على حساب الطرف المتلقي (الطالب) من ناحية المعلومة التي يجب أن يحصّلها كهدف أولي، وعلى حساب نجاحه كهدف نهائي يجب تحقيقه.
تحت ضغط هذا الازدحام المكاني والمعنوي والفكري يصبح الرسوب مرجحاً يظهر رجحانه في التدقيق في الواقع الجامعي المعاش الذي يعكسه مثلاً نسبة الرسوب العالية في بعض المواد الجامعية والتي تتجاوز أحياناً 88%.
جملة من الوقائع الصعبة كالرسوب، وصعوبة التواصل وغيرها.... تدفع باتجاه الحل والموجود غالباً في إعلانات المعاهد الخاصة والمدرسين الخصوصيين من خارج ملاك الجامعة والمعلنة في كل الأماكن العامة ولكل الاختصاصات والسنوات، وبالطبع في المواد الأكثر صعوبة والأعلى نسبة في الرسوب... حال يفرض على الطالب أعباءً في اتجاهين:
- مادي :متعلقة بكلفة الدروس الخاصة (مدرس /معهد) والتي تكلف عادة 2000 ل.س /طالب للمادة الواحدة في الأدب الانكليزي- جامعة دمشق مثلاً ووسطي تلقي الطالب للدروس الخاصة هي 3 مواد بالفصل وفي السنة فصلين ومدة الدراسة 4 سنوات فتكون الكلفة:

 (عدد المواد)× 8 (عدد الفصول من دون رسوب)×2000ل.س = 48000 ل.س.

ولصعوبة الدخول في أعداد الطلاب الذين يتلقون الدروس الخاصة، نكتفي بالنتيجة التي تشير أن كل طالب يعتمد هذا الحل يكلف في قسم اللغة الانكليزية خلال 8 فصول دراسية 48000 ل.س         (بفرض عدم وجود رسوب)، وأن عدد الأساتذة المقدر حوالي 15 (العدد قابل للزيادة) موزعون بين أساتذة بالمعاهد الخاصة وأساتذة يعملون لحسابهم الخاص وحصة كل أستاذ من الطلاب هنا تقديرية لمن يشاء أن يحسب... ويضرب  بـ 48000 ل.س ليحصل على الكلفة التقديرية لهذه الدروس. والحال مماثل في الكليات الأخرى ومنها كلية الاقتصاد – جامعة دمشق مع اختلاف الآليات لاختلاف الاختصاص ونوعية المواد المعطاة (ذات الطابع الرياضي) وتصل كلفة المادة هنا إلى 3800 ل.س  وكما في السابق نحسب كلفة الطالب المعني فتكون:
(عدد المواد)× 8 (عدد الفصول من دون رسوب)×3800 = 91200 ل.س

- معنوية: إن النسب المتدنية في النجاح بالنسبة لبعض المواد في كل الكليات والاختصاصات يعكس بدوره صعوبة النجاح إلى السنة التالية وصعوبة أخرى في التخرج من الكلية المعنية وخاصة إذا ما نظرنا إلى النسب المتدنية للنجاح في بعض المواد، ومثال عليها مادة الشعر في السنة الثالثة قسم اللغة الانكليزية - جامعة دمشق التي تصل نسبة النجاح فيها 12-22% ، أي أن نسبة الرسوب 78- 88%من الطلاب المتقدمين في كل مرة وبمتابعة النسبة السابقة للنجاح نستنتج أن الطلاب يحتاجون للنجاح في هذه المادة إلى 4.5- 8.3 دورة جامعية أي بين 2.25- 4.15 سنة حتى يتخرجوا تضاف للسنوات الثلاث الأولى لأن مادة الشعر في السنة الثالثة, وبافتراض أن هؤلاء الطلاب يواجهون هذه النسبة المتدنية في النجاح في مادة واحدة خلال أربع سنوات تصبح مدة الدراسة الإجبارية للنسبة الأعلى من الطلاب في هذه الكلية بين 5.25- 7.15 سنة (سنة ثالثة + 2.25=5.25  أو سنة ثالثة +4.15 = 7.15 سنة) وسيزداد عدد سنوات الدراسة حكماً لو أن الطلاب واجهوا هذه النسبة في الرسوب في السنة الرابعة وتصبح النتائج وفق العملية الحسابية السابقة (سنة رابعة+ 2.25= 6.25 أو سنة رابعة+ 4.15 = 8.15 سنة المدة اللازمة للتخرج ). وبهذا تصبح المدة الدراسية للغالبية العظمى من الطلاب هو بين 6.25 – 8.15 سنة وهذا ما يزيد من التكاليف الإضافية لإعداد الطالب الجامعي المقدرة وفق الاختصاصات وعلى التوالي (طب، هندسة، اختصاص نظري: 28366، 28423، 25739  دولار أمريكي)، وبدوره يؤدي إلى حالة إحباط وإعادة النظر في التعليم الجامعي من قبل طالبيه.
وبمتابعة تفصيلية لما ورد سابقاً من نتائج كمية نلمس من زاوية ثانية النسبة العالية للطلب على التعليم في الجامعات السورية (دمشق، حلب، تشرين، البعث) وأن المعروض لا يلبي مستوى الحاجة الفعلية المطلوبة، مما يؤدي لخلل في علاقة العرض والطلب  والتي تنحرف لتحقيق التوازن باتجاهات متعددة منها الموازي والمفتوح ومؤخراً التعليم في الجامعات الخاصة والتي بدأت تستقطب الجزء الفائض من هؤلاء الطلاب، لتنتقل في مرحلة لاحقة للمنافسة على استقطاب المزيد إذا ما استفادت من الثغرات الموجودة في آليات التعليم العام، أهمها تضييق قناة المسير لنيل الشهادة الجامعية والمبينة أعلاه كمياً بنسب الرسوب المرتفعة من الناحية المادية والمعنوية، وسيعمم هذا بالتالي لآليات من الخوف الاجتماعي الطلابي بعد حين ليكون مبرراً عفوياً وحسابياً للتوجه لبديل جامعي  ليس بالضرورة أرخص اقتصادياً، ولكنه أوفر زمنياً، والوفرة هنا لها بعد مادي واقتصادي كبير جداً لن يعمل أحد على تفويته.

وإعادة النظر بناء على ذلك في هذه الثغرات تصبح عملياً ضرورة ملحة وأولها النسبة العالية للرسوب (المكلفة زمنياً) والتي من المفترض أن تعالج بين طرفي العلاقة طالب أستاذ وضمن إطار الجامعات نفسها وإعادة النظر في معايير وآليات النجاح وصولاً إلى الأستاذ الذي تتكرر عنده باستمرار النسب العالية للرسوب دون محاولة لتقييم أداء الأستاذ أو محاولة  النظر في آليات إعطائه وتفكيره والأسباب المجهولة الدافعة  لهذه النسب العالية للفئة الأقدر اجتماعياً للوصول للجامعة وفق مقاييس تايلور ولجنة كارينجي للتعليم العالي والتي من المفترض نظرياً عدم رسوبهم بهذه النسبة العالية جداً علماً أن من وصل للسنة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة يكون قد اجتاز 30- 50 مادة امتحانية في حياته الجامعية وهذا يشير لقدرته على تجاوز الامتحان وقدرته على استيعاب  وبالتالي يجب إعادة النظر في وضع العناصر الأخرى الفاعلة في الآليات التعليمية للوصول للهدف الحقيقي للتعليم من خلال الهدف الحقيقي للامتحان المتمثل بتقييم محصلة المعلومات وتراكمها خلال الفصل الدراسي والعمل على وضع معايير ومقاييس واضحة للنجاح على أساس كم المعلومات وحجم المعارف المحصلة كمقياس للنجاح لتكون على حساب المزاحمة في الكم وعدد الصفحات والتعجيز في الأسئلة الامتحانية  والعمل بإلحاح لتغيير الآليات الامتحانية والانتقال من ثقافة التكتيك الامتحاني بين الطالب والأستاذ على حساب الممكن من معلومات وصولاً إلى تغيير في آلية أداء المدرس نفسه أو إلى تغيير إسلوبه وأخيراً تغيير المدرس مما يعيد التواصل ويقوي الترابط المفقود بين طرفي العلاقة طالب جامعة والناتجة عن جملة من الأسباب السابقة مضافاً إليها الابتعاد المكاني للطالب عن كليته بسبب انشغاله بتلقي العلوم والدروس في غير مكانها والتي تقطع تواصله معها وتفوت عليه فرصة التواصل مع المكان والتفاعل معه والذي عادة ما يؤدي لفتح أفق جديدة لا يمكن أن يجده بغير هذا المكان من خلال تفاعله وتواصله مع زملائه وأساتذته وما يحتاجه من غير ذلك. ويؤدي بالنتيجة لفكفكة هذه العلاقة لصالح كل منهما باتجاه الابتعاد عن الخصخصة المادية والمعنوية للتعليم والذي يواجه وينافس في هذه الحالة الجامعات الخاصة، وتصبح المنافسة هنا متوازنة عبر إعادة عناصر القوة ومقومات المنافسة والنجاح للجامعات العامة، وإنهاء التداخلات بين العناصر الموجودة الآن، وتحويلها لنجاح يصب لصالح أهداف الجامعة نفسها على حساب تناقضاتها الداخلية كخطوة لإعادة تحقيق التوازن للجامعة بعناصرها المتكاملة، وإعادتها كقاعدة ونواة لبناء المعرفة، وتجديدها بما يتوافق مع متغيرات العصر ومتطلباته المتزايدة والمتسارعة .