محمود عبد الكريم محمود عبد الكريم

صباح الخير.. أيّتها الحكومة!

جنون في الأسعار، تفلّت غير مسبوق للفساد والمفسدين، صمت غريب ومريب لأعضاء الحكومة، عن الأزمات المرّة التي تسحق المواطن، صرخات تلو صرخات، (ولا حياة لمن تنادي):

«فقد أسمعت لو ناديت حياً             ولكن لا حياة لمن تنادي»

في الصحف ومواقع الانترنت الرسمية والخاصة، في الاجتماعات والمؤتمرات والجلسات، والدوائر العامة والخاصة، الحديث يتوالى بأرقام وحجج وصخب عالٍ، وكل أشكال الاجتماع (المقامة) ومفادها أن الكيل طفح، والأمور بلغت بالمواطنين (العاديين) درجة تقترب من فقدان الأمل، وبدلاً من أن يخرج ولو مسؤول واحد، ليطمئن الناس، (باعتبار مسؤوليته المعنوية والقانونية)، تفاجئنا الأخبار أن أسعار المحروقات، ولاسيما المازوت منها، ستضرب بأربعة، أي أن الغلاء الذي تجاوز التصورات في سورية سيضرب بأربعة، وطبعاً لا يمكننا بأي حال، التعويل على ضمائر التجار وأصحاب الأعمال، فإذا كانت الحكومة تقرع الطبول والصنوج، فلمَ لا يتبعها (أهل البيت بالرقص والدبكة الشعبية لإكمال العرس)؟!

كلنا نعرف البطالة، هذه الداهية الدهياء، التي تضرب بمراراتها حياة الناس، والتي وصلت حداً غير مسبوق، خاصة في المحافظات التي يتوقف قطار التنمية فيها، ورفعت الدولة يدها عن البحث في إيجاد فرص عمل في منشآتها، وضاقت الحياة بأبنائها إلى حالة غير مسبوقة من اليأس والإحباط وملحقاتهما، بما لا نستطيع البوح به (كي لا نُتَّهم، والصوفة حمراء بما يكفي لكيل الاتهامات المركزة والعشوائية).

إن الذي لا نعرفه حقاً، هو جواب هذا السؤال:

لماذا رفعت الحكومة يدها بالكامل عن البحث، ولو بالإشارة إلى هذه الظاهرة المدمّرة؟ أي البطالة، وكفّت حتّى عن الحديث ولو الهامس، عن هذه المأساة الصامتة المتفاقمة؟ لا يمكن تفسير هذا إلا بحالة واحدة: وهي أنّ الحكومة اقتنعت تمام الاقتناع أن العاطلين عن العمل، قد وجدوا أعمالاً، والباقين في طريقهم ليصبحوا من رجال الأعمال.

وحول هذه الظاهرة كان هذا السؤال يؤرقني دوماً:

كيف تجد الحكومة عشرات المليارات من القروض شديدة التيسير لكبار رجال الأعمال، الذين يملكون عشرات المليارات؟! بحجة استثمارها في المجالات السياحية والعقارية والإعلامية، ولا يجدون بالمقابل ليرة سورية واحدة لتوظيفها في مجال «مكافحة البطالة» التي شكلت لها هيئات ومؤسسات شغلت أهل الحل والربط والإعلام، بالحديث عنها سنوات، ثم فجأةً، يسقط الحديث عنها إلى النسيان الكامل، وتخلص إلى صمت القبور.

وبالمناسبة، إن السكوت عن ظاهرة البطالة، هو من أسوأ أنواع الفساد!!

وبالمناسبة أيضاً، إن إيجاد المال الذي يطلبه رجال (كل الأعمال) بالمليارات كقروض ميسرة، الكثير منها تمّ نهبه إلى غير رجعة، كما حصل لقرض قناة (شام الفضائية)، التي يستحق قرضها كتاباً مفصلاً، لا يمكن أن يجد عنواناً آخر غير (الفظاعة). والانفعال الذي يصل إلى درجة الحمق بوجه من يتحدث عن ضرورة محاربة البطالة، يجعلنا نتساءل: إلى من تنتمي هذه الحكومة؟! وأين هي من قضايا شعبها؟! وماذا قدمت له؟ ولماذا هي مرشحة للاستمرار إلى ما لا نهاية؟! مع أن الكل يشكو منها، من الأسفل إلى الأعلى، وما بينهما.

والسؤال ليس فيه ذرة انفعال، حقاً وصدقاً:

ما هي الأعمال اليومية التي يقوم بها وزراء الخدمات والتنمية في حكومتنا العتيدة؟!!

إن مشروعية السؤال تنطلق مما نراه على أرض الواقع، فلا نجد لقرارات الحكومة وسلوكياتها وأفعالها، إلا ارتداداً كارثياً على حياة الناس اليومية والإستراتيجية، والتي تتجلى في كل شيء، وعلى سبيل المثال لا الحصر:

1 ـ ضربت أسعار المساكن إلى ما يقارب الخمسة أضعاف، وكان المستفيد الوحيد، مَن ضارب بالعقارات وَسَكنِ المواطنين وملاذاتهم.

2 ـ ارتفعت أسعار السلع الغذائية بشكل غير مسبوق، وبعضها ضرب بخمسة أضعاف. وبالتأكيد أخذ هذا في طريقه، عشرات الآلاف من العائلات إلى ما دون خط الفقر، وهذه جريمة اجتماعية موصوفة.

3 ـ صمتت الحكومة صمتاً مطلقاً عن البطالة وشرورها، وخطط محاربتها، أو بالأحرى، أخرجتها من دائرة اهتمامها (التكتيكي والاستراتيجي)، في إشارة مباشرة للمواطنين أن (دبروا رؤوسكم)، فلم يعد لها أهمية لدينا.

4 ـ صمتت الحكومة عن الفساد صمتاً مطبقاً، وكأنه انتهى، والواقع أنه استشرى إلى درجة لا تصدّق. وبات الحاكم الوحيد (والشرعي) للعلاقات في معظم مؤسسات الدولة، ولو أخذت المكان الذي أعمل فيه (التلفزيون والإذاعة)، لما أمكنني وصف الفساد المستشري إلا بكلمة واحدة، (الهول). وكان قبل فترة يمر بشيء من الكياسة، ولكنه الآن يمارس (بأكثر الأشكال فظاظة). ترى هل انتهى الفساد من مؤسسات الدولة؟! الخبر لم يصلنا بعد، ربما...

إذا كان الأمر كذلك فلا تؤاخذونا..

5 ـ هذه الحكومة، على ما يبدر منها، كأنها لم تسمع أن بلادنا يوجد فيها عمال وفلاحون وطلبة وموظفون، وعاطلون عن العمل ومياومون، وإذا ما تتبعنا خطاها، ولو لأيام، فإننا نستنتج: أن حكومتنا لا ترى في البلد إلا رجال الأعمال والمستثمرين والمصدرين والمستوردين ورجال العقارات والنفط والاتصالات... وهذا يتضح من تصريحات رجالات الحكومة، الذين يستهلك حديثهم عن الاستثمار وفوائده في البلد ما نسبته 99 % مما يدلون به. لدرجة يمكن أن نطلق عليها (حكومة تشجيع الاستثمار ورجال الأعمال) والشيء الوحيد الذي يمكن أن نخرج به! إن الحكومة صادقة مع نفسها، لأنها، كما يبدو، لا تهتم إلا بهذه الشريحة (الحاسمة) في المجتمع..

ـ من صفات هذه الحكومة (التطنيش) عن مطالب الناس وهمومهم، ووصل التطنيش إلى درجة الصمم الكامل عن صراخ الناس ورغباتهم، وعلى سبيل المثال، منذ سنة ونصف، فيكون الرد: رفع كل الأسعار (بلا رقيب أو حسيب).

وفي النهاية..

هذه الحكومة باقية.. صامدة.. مستمرة.. فهي مسنودة بقوة.. من رجال الأعمال والمال والاستيراد والتصدير والاستثمار والسياحة... وإن لله وإنّا إليه راجعون..