تحذير
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 177
سوريون يحاولون خلق حياة جديدة على أرضهم

سوريون يحاولون خلق حياة جديدة على أرضهم

لازالت الحرب مستمرة في السماء وعلى الأرض السورية، لكن الشمس لم تغير فعلها وها هي تشرق من جديد على السوريين، كما لازال بإمكانك أن تشتم رائحة الخبز الطازج، وكذلك رائحة قهوة الصباح ستعلق بثيابك كلما مررت بحارة دمشقية، كذلك الأطفال لازالوا يلعبون ولو تغيرت قواعد اللعبة وقوانينها. هي ليست صورة وردية لحياة السوريين، لكنها نظرة من زاوية صغيرة يفضل عدد كبير من السوريين استراق النظر من خلالها على حياتهم اليومية، بعد أن تدمرت منازلهم واختفت حارتهم وذبل ياسمينهم وغابت ضحكات أطفالهم، لكنها الحياة تأبى أن تموت على الأرض السورية، فما زال العديد من السوريين يحاولون ابتكار طرق ونشاطات يبعثون من خلالها الأمل في نفوس من هجروا وتشردوا وفقدوا أحبة وبلاد.   

صباح مختلف

تغيرت معظم عادات السوريين الذين كانوا لا يبدأون يومهم إلا بعد سماع الأغاني الفيروزية، حيث باتوا اليوم يتتبعون الأخبار من محطة إلى أخرى. إلا أن مقدمي البرامج الإذاعية الترفيهية في إذاعة «شام إف إم» ديالا حسن وعطية عوض يقولان: بعد حوالي ثلاث سنين من الحرب التي نعيشها، نجد أن الشعب السوري تعب من الأخبار والسياسة، و صار يبحث عن شيء ترفيهي ليسمعه علّه يعدّل مزاجه ويخرجه من الواقع الذي يعيشه.

أكثر من مجرد ترفيه

وهنا تأتي مسؤوليتنا نحن مقدمي برامج المنوعات، على أن يكون في مقدورنا تقديم برامج ترفيهيّة تحمل في الوقت ذاته «معلومة» للمستمع وأهم شيء أننا كثيراً ما نتناول المواضيع التي تهم الشارع السوري في حياته اليومية من اقتصاد وفعاليات ثقافية وأخبار محليّة .

ويتابع عطية: أشعر بسعادة كبيرة عندما يتمكن رجل من «رجال الجيش» من التواصل معنا ليخبرنا أننا نزرع البسمة على وجهوهم في الوقت الصعب، وتزداد سعادتي أكثر عندما يتمكن أحد المستمعين من بعث رسالة لنا يخبرنا فيها أننا سر تفاؤلهم، أو عندما يخبرنا المغتربون السوريون أنهم يطمئنون على أخبار البلد من خلال برامجنا، وأنهم يعيشون أجواء البلد الحقيقية «يمكنك القول أننا البسمة « التي تتخلل نشرات الأخبار». 

من جهتها تقول ديالا: لقد وجدنا تفاعلاً كبيراً مع برامجنا من كل فئات المجتمع كباراً وصغاراً. وهذا يدل على أن الشعب السوري يحب الحياة حتى وسط الحرب والدمار.

ظرف يضغط وضحكة تقاوم

وعن الانتقادات التي توجه إلى البرامج الترفيهية يقول عطية «لن أنفي وجود انتقادات تُوجه للبرامج التي نقدمها فهذا أمر طبيعي، فهناك آراء تقول أن الأوضاع التي نعيشها لا تسمح بمثل هذه البرامج، وأن علينا تقديم برامج تهتم بقضايا الشارع السوري، وأريد القول هنا أن« شام إف إم» تقوم ببث العديد من البرامج التي تُعنى بمشاكل الناس كبرنامج «استوديو الشام» وفقرة «أصوات الناس» التي تقدم خلال نشرات الأخبار، والتي ننقل من خلالها أصوات المستمعين ومشاكلهم إلى الجهات المعنيّة.

دائماً ما أقول أن الشعب السوري يحب الحياة وهي تليق به، ونحن نريد مواصلة حياتنا». وتضيف ديالا ««بدنا نضحك.. بدنا نعيش» فجميعنا مشتاقون لسماع ضحكة تزرع فينا شيئاً من التفاؤل لنشعر بوجود جزء جميل في الحياة علينا أن نعيشه».

محكومون بالأمل

ويتابع مقدما البرامج «الرسالة التي نريد توجيهها هي أن الحياة مستمرة ولن تتوقف رغم كل ما حدث، فنحن شعب قوي ولن يستسلم رغم الصعاب.. نحن نحب الحياة». أما الصحفي والمخرج الشاب ماهر المؤنس فيقول «الحرب ربما تطول لسنوات وسنوات، لكن الحياة تنتهي عند أي منا عندما يموت بشكل مباشر، أو عندما يقرر إنهاءها بنفسه، فيبدأ حياته أو يستمر بها على نحو مخالف للموت ومشابه أو مطابق لأي من وجوه النشاط الإنساني، ثقافياً كان هذا النشاط أم فنيا أو حتى سياسيا. أما بالنسبة للناس، فأنا بكل صراحة أخجل من إطالة النظر إلى عيونهم المتعبة، والمحكومة بالأمل. لا مفرّ للدمشقيين من أملهم بالحياة، فالظلام يحيط بهم من كل جانب ولا بدّ من فسحة نور كي يتنفسوا من خلالها المستقبل. الناس من حولي مصرون وبشكل استثنائي على العيش، إلى درجة ارتفاع نسب الخطوبات والزيجات بشكل لافت وملموس، فرغم ازدياد العوائق، إلا أن التسهيلات من الأهل والرغبة بإتمام الأمور أصبحت أكثر بكثير. 

سينما الأزمة.. في أزمة!

وعن تجربته في الإخراج يقول ماهر «فيلم «عشر دقائق بعد الولادة» الذي يُعرض حالياً ضمن فعالية «أفلام الشباب»، هو الفيلم الثاني الذي أخرجه بعد فيلم «بذرة المشمش»، ولكن البيروقراطية الشديدة أخّرت عرضه عامين كاملين، وقد صُّور هذا الفيلم وأنتج خلال الحرب بطبيعة الحال، والصعوبات التي واجهتنا لا تذكر مقارنة بالصعوبات التي لقيتها الأفلام الأخرى، حيث انحصرت في تحصيل الموافقات الأمنية، والبحث عن مناطق «هادئة» لا تُسمع فيها أصوات القصف والاشتباكات، إضافة للحصول على الدعم المادي، الذي دائماً ما يكون عائقاً أساسياً أمام أي مشروع فكري.  ويتابع ماهر «الفكر السلبي ووضع العصي في العجلات أمر موجودٌ دائماً، حتى قبل اندلاع الحرب، لكنه في هذه الأيام  يأخذ منحى ادعاء الوطنية والمزاودة على دماء الشهداء وأوضاع البلاد، إلا أن «سوريي الداخل» إن صح التعبير، اعتادوا على هذا النمط من الخطاب لدرجة «القرف» فما عاد يؤثر بهم. الحرب تعني الموت، والحياة هي أبرز أدوات مواجهة هذه الحرب، فالثقافة والعلم واستمرار العيش أقوى من كل أسلحة العالم وهي الكفيلة بإنهاء الحرب.”  

سباق الحرب والحياة

وعن الأمل الذي يبحث عنه السوريون يقول ماهر «شاهدت في صالة العرض مخرجين وإعلاميين «صغار» وصحفيين وعيون تحلم بالصورة، ورأيت أني وأصدقائي قد كبرنا قبل أواننا وربما هرمنا، لكن لا بأس أن أكون مخرجاً وكاتباً وأنا لم أبلغ الثلاثين بعد، فبعض الشهداء ارتقوا وهم أطفال، ويحقّ لنا أن نتجاوز بعض السنوات ونحرقها لنلعب أدوار المخرجين والإعلاميين، لأن غدر الحرب قد يحرمنا منها فعلياً في المستقبل إذا لم تُكتب لنا أيام إضافية.  

محاولات ثقافية

تحدى عدد كبير من محبي القراءة الأوضاع الأمنية وقرروا الاجتماع لقراءة كتبهم ورواياتهم في مكان عام، حيث اجتمع 114 شخص في أحد منتزهات مدينة دمشق ضمن فعالية «السيران الثقافي» لمجموعة «معاً نقرأ» التي، ورغم الحرب الدائرة، نجحت بضم عددٍ كبير من الشباب السوري الذي يحب القراءة. وفي هذا السياق، يقول معن الهمة أحد مؤسسي مجموعة «معاً نقرأ» «نحن شباب سوري يحب الحياة وقد بدأت مبادرة «معا نقرأ» في عام 2010 بهدف تشجيع الشباب على القراءة كما تعدت نشاطات المجموعة قراءة الكتب إلى حضور الأفلام السينمائية القصيرة والأفلام الوثائقية والمسرحيات وإقامة المسابقات.”  

وللشعر فضائه 

أقام عدد من محبي الشعر والقصيدة مهرجان «يا مال الشام» الشعري في أحد أحياء دمشق القديمة، حيث استضاف المهرجان طيلة أيامه عدداً كبيراً من الشعراء السوريين والعرب، على أمل إحياء هذه المدينة بالحب والشعر، بعد أن نقلت فعاليات هذا المهرجان من بيروت في العام الماضي إلى دمشق. وفي تعليق له، قال المسرحي أحمد كنعان مدير مهرجان «يا مال الشام» «أردت العودة إلى دمشق بعد أن تعبت من الغربة». 

حارات تعود للحياة

من وسط الدمار، تلملم حارات حمص القديمة جراحها بعد أن توقفت آلة الحرب فيها، وتعمل على إنعاش الحياة في شوارعها من جديد، حيث امتلاءت صفحات التواصل الاجتماعي بصور أبناء الحي الكبار والصغار وهم ينظفون حاراتهم ويعيدون ترميم المنازل والكنائس فيها، وخاصة حي «الحميدية» الذي يعمل أبنائه دون ملل كي يعود الجميع إلى منازلهم، هذا وقد رسم أطفال الحي كلمة «سلام» بعدة لغات على جدار كنيسة «سيدة السلام». كما ينتظر أهالي الحي إقامة أول حفل زفاف بعد عودتهم إلى حيهم ليكون هذا العرس «فاتحة خير» عليهم .

رأي علم الاجتماع

وأدلى باحث اجتماعي «فضّل عدم ذكر اسمه» برأيه في مظاهر الحياة السورية هذه قائلاً «تميّز السوريون عبر التاريخ بالقدرة على التأقلم مع الظرف الناشىء، وإبداع الحلول مهما كانت القضايا معقدة، وأعتقد ان ذلك يعود الى الثقافة الجمعية السورية المستمدة من مخزون تاريخي حضاري مركب، واذا كان التأقلم والتكيّف بحد ذاته، بمعنى القبول بالأمر الواقع، يشكل مظهراً سلبياً من وجهة نظرعلم النفس «السياسي» إذا صح التعبير، فإن ما نقصده هنا هو التأقلم الإيجابي والتكيف الفعال، بمعنى القدرة على التفاعل مع المشكلة وحلها، وفي هذا السياق يجب التدقيق بطبيعة هذه الأنشطة وشكل التأقلم والتكيف، وفي الظرف الراهن علينا الانتباه إلى مسألة أعتقد أنها هامة وهي خروج هذه المظاهر من إطار الصراع الدائر في البلاد لتصبح نشاطاً سورياً عابراً للاصطفاف السياسي القائم في المجتمع، وعليه فإن كل نشاط يأخذ ذلك بعين الاعتبار يندرج في إطار بحث السوريين عن الحياة، هو محل تقدير ولكن جزءاً من هذه النشاطات يصنف للأسف في خانة «خلصت» وهذا يقلل فرصة توظيف بعضها بالاتجاه المطلوب.  كانت مثل هذه المظاهر والنشاطات عاملاً هاماً في تجربة الشعوب، وخطوة باتجاه إنتاج ثقافة ما بعد الأزمات، فأروع الأعمال الفنية والإبداعات المختلفة، بما فيها قصص حب وزواج، ولدت من رحم الأزمة وكتحدٍ لما هو قائم في إطار البحث عن الخيارات البديلة، وأعتقد أن هذه الأخيرة هي الشرط الذي لابد منه لتكون هذه الأنشطة بالفعل معبراً عن ضمير ووعي «سيزيف» السوري».