مفاجأة الميادين الأميركية
الفضل شلق الفضل شلق

مفاجأة الميادين الأميركية

يحتار المرء بشأن شعب انتخب منذ ثماني سنوات رئيساً أسود، أو نصف أسود، وهو ما يزال يعاني من العنصرية تجاه السود وغيرهم من الذين ليست لديهم بشرة بيضاء. ويتفاجأ المراقب إذ يرى قراراً قضائياً له ردة فعل سلبية واسعة في الولايات المتحدة؛ وفي غيرها، إذ شملت التظاهرات بلداناً أوروبية وأميركية جنوبية عديدة. قرار محكمة في قضية فردية أدى إلى الاحتجاجات الواسعة. لا بد وأن ما يبدو على السطح السياسي لا يعبر عن الحقائق الاجتماعية والنفسية. لا بد وأن هناك إحباطاً بل يأساً يشبه ما هو موجود في بلدان أخرى نزلت شعوبها إلى الميادين.

المواجهة بين الملونين، خاصة السود منهم، والبوليس هي مواجهة بين الفقراء وبين النظام. احتجاج ضد نظام يدعي ان لديه الحلول لكل مشاكل العالم، ويقترح الوصفات لإعادة هيكلة الاقتصاد والمجتمع في كل قارات الأرض. في هذا العالم المعولم، كانت هناك بلدان متخلفة متدنية الدخل تحاول اللحاق بالبلدان المتقدمة عالية الدخل. لكن الهوة بين الفقراء والأغنياء تزداد. الهوة بين الخمسين في المئة الأدنى دخلا والعشرة في المئة الأعلى دخلاً ازداد بضعة أضعاف في العقود الأخيرة، أما الهوة بين الخمسين في المئة الأدنى والواحد في المئة الأعلى فقد ازدادت بضع مئات الأضعاف في الفترة عينها. أما عشر الواحد في المئة الأعلى فهم يشكلون نخبة النخب في العالم. وهؤلاء يكثرون في الولايات المتحدة واليابان وأوروبا، وبعضهم في البلدان الفقيرة. أما الطبقة الوسطى، وهي بين الطبقات العليا والطبقات الأدنى، فهي وإن تبلغ 4٠٪ من السكان في البلدان المتقدمة، إلا ان وضعها المادي يتراجع.

نزل السود إلى الميدان احتجاجاً على قرار المحكمة بتبرئة شرطي أبيض قتل رجلاً أسود غير مسلح. وهناك أسباب عديدة لذلك. بعضها يتعلق بارتفاع مستوى البطالة بين السود، حتى أصبح الاعتقاد منتشراً بين أهل السلطة من البيض والشرطة ان السود يرتكبون الجرائم بسبب كونهم ذوي بشرة سوداء، إذ يعتبرونهم ذوي مرتبة إنسانية أدنى وليس فقط مرتبة طبقية أدنى. يجر الفقر إلى البطالة، وهذه إلى ارتكاب الجرائم. هم الأعلى نسبة بين العاطلين عن العمل والمسجونين. لذلك يعمم عليهم انهم كلهم لديهم استعداد للجريمة بسبب جيناتهم. تبادر الشرطة إلى اعتقالهم لأسباب تافهة، ويسجنون، حتى أصبح عدد السجناء في الولايات المتحدة قريباً من الثلاثة ملايين أي واحد في المئة من السكان.
تشكل الطبقات الدنيا من المجتمع في البلدان المتقدمة نصف السكان، وهؤلاء لا يملكون شيئاً، كما هي الإحصاءات الواردة في كتاب توماس بيكيتي عن رأسمالية القرن الواحد والعشرين، الصادر هذا العام. هؤلاء يعيشون على بيع قوة عملهم، في بيوت مستأجرة، تكون أحياناً مدعومة من الدولة. وإذا تعطلوا عن العمل فانه يحق لهم، لفترة وجيزة تقاضي تعويضات زهيدة. مناطق عيشهم يكتنفها البؤس والتلف. الفتيان منهم يقضون معظم وقتهم في الشوارع والحانات وينتسبون إلى عصابات تتعاطى أو تبيع المواد غير الشرعية. تلاحقهم الشرطة، ويصير وجودهم غير شرعي أو خارج القانون. يضاف إليهم الملايين من المهاجرين غير الشرعيين، وأغلبهم من بلدان أميركا اللاتينية، ويتقاضون نصف الحد الأدنى للأجور، ويعيش بعضهم في حظائر يملكها أصحاب المزارع ومواقع تشييد الأبنية.
تعيش هذه الطبقة التي تشكل نصف السكان من البيض والسود واللاتينو حياة قلقة. فالعاطل عن العمل يعاني، والمهاجر لا يعرف متى يُبعد خارج البلاد، والذي يعمل لا يعرف متى تنهى خدماته. وهذه أزمة مزمنة تعود إلى عقود مضت، وعلى الأرجح منذ بداية السبعينيات. لكن الأمر تفاقم بعد العام 2008 حين انفجرت الأزمة المالية. منذ ذلك الحين، أي منذ الأزمة الأخيرة وبسببها، ازدادت مداخيل الأغنياء الذين يشكلون 10% من السكان، خاصة الفئة العليا التي تشكل أقل من 1% من السكان. وهؤلاء ظهر منهم عدد كبير من البليونيرية. تبلغ ثروات هؤلاء البليونيرية حوالي 3400 مليار دولار، وهذا يساوي موجودات الصناديق السيادية التي تملكها السعودية والإمارات وقطر والنروج وغيرها. وكانت حركة الاستيلاء على وال ستريت احتجاجاً من الطبقة الوسطى على هؤلاء وعلى اتساع الفجوة.
يقول بعض الناشطين في فيرغسون وغيرها، الذين أجريت معهم مقابلات على التلفزيونات الأميركية انها أزمة نظام. عندما يقال النظام الأميركي فان ذلك يعني نظام العالم. هناك نظام عالمي يعاني أزمة اقتصادية منذ السبعينيات، وهي تظهر بشكل انفجاري أحياناً، كما حدث في العام 2008. وهناك أزمة اجتماعية تتفاقم مع ازدياد الفجوة الاقتصادية بين الطبقات حول العالم، لا الفجوة بين الدول وحسب. أما الأزمة السياسية فإن بوادرها تظهر بين الحين والآخر. وهذه يُقضى عليها بالعنف الذي تمارسه القوة العسكرية الكبرى في العالم.
مفاجأة الميادين الأميركية، كما مفاجآت الميادين في المدن العربية قبل أربع سنوات لا يمكن فهمها إلا بالإقرار ان إرادة الشعوب مغايرة لسياسات حكوماتهم. يتعمق التناقض بين الشعوب ونظام الحكم في العالم في اتجاه الخيار بين تغيير الشعوب وإلغائها وبين تغيير النظام.
مسكين الرئيس الأميركي عندما وقف واعظاً بتطبيق القانون حيال ما يحدث في فيرغسون وغيرها. لا بد وأنه يعلم ان القانون ليس العقبة بل هي السياسة ورجحانها نحو الطبقة العليا في هذا العالم، فهو لا يستطيع اتهام مخالفي القانون الأميركيين بالإرهاب.

 

المصدر: السفير