ثلاثة أدلّة على ركود العِلم و«الإبداع» في أمريكا
د. روبيرتا نيس د. روبيرتا نيس

ثلاثة أدلّة على ركود العِلم و«الإبداع» في أمريكا

تقول الدكتورة روبيرتا نيس في كتابها الذي تناول «أزمة الإبداع» في الولايات المتحدة (2015) والتي يمكن اعتبارها مشكلات عامة في المراكز الرأسمالية الغربية أو في أيّ مكان بالعالم تابع للنهج نفسه: «هناك ثلاثة خطوط من الأدلة التي تشير إلى أنّ العلم قد أصبح أكثر توجهاً للمكاسب قصيرة المدى، وأقل توجّهاً لاختراقات علمية تأخذ وقتها في النضج». ورغم أنّ الدكتورة نيس ليست «اشتراكية» في توجّهها ولا تظهر انتقادات جذرية للمنظومة الرأسمالية، لكن هذا لا يقلل من أهمية الانتقادات والملاحظات التي قدّمتها، على مبدأ «وشهد شاهدٌ من أهلها».

تعريب: د. أسامة دليقان

أولاً – تراجع الاستثمار الخاص في البحث الأساسي

تقول الكاتبة: «تركَّزَ اهتمام الصناعة بقوّة على تطوير منتجات والعمليات المنفصلة الجاهزة للسوق. فتجاوز إنفاق القطاع الخاص في الولايات المتحدة التمويل الفيدرالي للعلوم والتكنولوجيا في عام 1980 وبات يمثل الآن حوالي 70% من إجمالي تمويل البحث والتطوير. في عام 1964، قرب بداية سباق الفضاء، كانت الحكومة الفيدرالية تساهم بما يصل إلى ثلثي تمويل البحث والتطوير (وإنْ كان الكثير من هذا للدفاع). منذ ذلك الحين انخفضت حصة الإنفاق العام [الحكومي] من الاستثمار في العلوم والتكنولوجيا بشكل مطّرد، بنسبة 25% إلى 30% منذ عام 2000».

ثانياً – تسخير العِلم للأرباح لا للمجتمع

«الدليل الثاني على أنّ العلم أصبح يتعلق بالأرباح أكثر مما يتعلق بحل المشكلات المجتمعية، يكمن في المكان الذي نرى فيه أكبر تقدّم. ففي العقود القليلة الماضية، تجاوزت وتيرة التقدم في تقديم ما يريده الناس وتيرة توفير ما يحتاجه الناس، فالجمهور يتوق للحداثة في الهندسة (الهواتف المحمولة، الحوسبة والاتصال، أجهزة التلفزيون، خدمات التكنولوجيا الفائقة، إلخ)، وهذا هو المكان الذي تمرر فيه الصناعة البحث والتطوير. فمن دون هذه الأجهزة التي تمت ترقيتها، غالباً ما يعاني الناس من التعاسة ولكن نادراً ما يتعرضون للأذى الفعلي». لا بد هنا من تعقيب على هذه الفكرة لدى الكاتبة، هو أنّ «ما يريده الناس» بهذه المعنى هو أولاً انعكاس لثقافة الاستهلاك المفرطة الغربية وبخاصة الأمريكية التي تمّ في الحقيقة «تربية الناس» عليها طويلاً من جانب رأس المال نفسه وإشاعة ثقافة وإيديولوجيا الطبقة البرجوازية السائدة، فهو نوع من فرض ما «يريده رأس المال» ليهيمن على الناس ويتحوّل إلى «ما يريده الناس».
وتتابع الكاتبة: «إنّ المشاريع التي تركز على زيادة فهمنا للأشياء التي تسبب ضرراً فعلياً - ومنها الولادة المبكرة ومرض الزهايمر والسرطان على سبيل المثال لا الحصر - تتلقى تمويلاً خاصاً قليلاً نسبياً وكانت بطيئة التطور... أثّرت الولادة المبكرة على حوالي 15 مليون طفل على مستوى العالم في عام 2010، وتوفي 1.1 مليون طفل بسبب مضاعفات الخداج... ثروة أيّ بلد ليست درعاً ضد الولادة المبكرة، في الولايات المتحدة، حيث ساء الوضع في العقد الماضي، هناك 12% من الأطفال الخدج، وهي ثالث أعلى نسبة (بعد قبرص والبحرين) بين جميع الدول التي تحتفظ بإحصائيات موثوقة... نُشر في مجلة لانسيت عام 2013 أنّ أحد أكبر العقبات هو الافتقار إلى المعرفة الأساسية. ففي نصف حالات الخداج بالكامل، ما زال السبب غير معروف، ودون رؤى ثاقبة للسبب يبقى الأمل محدوداً في الوقاية والعلاج الفعّالين. بالنظر إلى أنّ الخداج يقتل ويخلق تحديات تنموية ستستمر مدى الحياة، فمن اللافت للنظر أنّ العلم لم يحقق سوى القليل من البصيرة الأساسية في هذا المجال. لكن حاجتنا الملحّة للفهم لا تقتصر على الولادة المبكرة فقط، إنها من أعراض الفجوات المعرفية لمعظم الحالات الرئيسية التي تؤدي إلى الوفاة والعجز».
وفي مثال آخر: «مزعج بالقدر نفسه التغاضي عن الإجابات لأنها لا تولّد ربحاً. اقترحت دراسة حكومية نُشرت في المجلة الإلكترونية PLoS One في عام 2012 حلاً لمعضلة ابتليت بها الزراعة الأمريكية لعقود: كيفية تقليل استخدام المواد الكيميائية. وتمت مقارنة تناوب المحاصيل على دورة مدتها أربع سنوات (الذرة وفول الصويا والشوفان والبرسيم) في تجربة كبيرة وجهاً لوجه مع ممارسة الزراعة القياسية لزراعة الذرة في عام واحد وفول الصويا في العام التالي. أدى التناوب التجريبي لمدة أربع سنوات إلى تقليل الحاجة للأسمدة ومبيدات الأعشاب بنسبة 88% ودون تقليل أرباح المزارع وبمساهمة متواضعة فقط من الجهد الإضافي والصبر، يمكن للمزارعين الأمريكيين التوقف عن تسميم الأرض. لكن رفضت مجلتان طبيتان رئيسيتان الورقة، ولم تبذل راعية الدراسة، وزارة الزراعة الأمريكية، سوى القليل لتأمين منابر لنشر هذه النتائج»!
مثال ثالث: «يأتي المثال الأوضح عن تفضيل الأرباح على التقدم، من أكبر تجربة سريرية في العالم لعلاج ارتفاع ضغط الدم، والتي نشرت في عام 2002 في مجلة نيو إنغلاند الطبية... وبتمويل 130 مليون دولار من المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية (NIH)، وجدت أنّ استخدام مدرات البول التي تكلف بضعة سنتات في اليوم أعطت الفعالية نفسها التي تعطيها الأدوية الأخرى الخافضة للضغط التي تكلف ما يصل إلى 20 ضعفاً. ورغم تغيّر الإرشادات السريرية على الفور تقريباً [بعد نشر نتائج التجربة]، إلا أنّ وصفات مدرّات البول لم ترتفع سوى بنسبة 5%... احتشد الآلاف من ممثلي شركات الأدوية على مكاتب الأطباء، بحجة أنّ التجربة كانت معيبة وأنّ الأدوية الخافضة للضغط الأكثر تكلفة التي تم اختبارها في التجربة ظلّت متفوقة. ردّت المعاهد الوطنية للصحة بأن تلك التجربة كانت أكثر التجارب السريرية الكبيرة على الإطلاق التي أجريت بعناية، وأنها أثبتت فعالية وسلامة مدرات البول، وأنه يجب أن يفضّل وصف هذه الأدوية على الأدوية الأكثر تكلفة. ومع ذلك باء هذا الهجوم التعليمي المضادّ بالفشل. ولم تستطع المعاهد الوطنية للصحة التنافس مع قوة مبيعات صناعية كانت قد طوّرت بالفعل علاقة مع الأطباء».

ثالثاً – تحوّل أشدّ رجعية للشركات

تلاحظ الكاتبة أنه حتى الشركات التي كانت ذات يوم تقدّر الثورة العلمية، إمّا غيّرت أولوياتها أو لم تعد تعمل. وتذكر كمثال مختبرات بيل، والشركة الأم AT&T التي كانت أقل طلباً للمكاسب السريعة ومعروفة «بتقديم منتجات وخدمات جديدة بعد عملية اكتشاف وتطوير بطيئة ومكلفة. وكانت الشركة العملاقة قادرة على تمويل الاكتشافات الأساسية في الفيزياء والرياضيات وعلوم المواد والهندسة لأن نظام بيل أصبح ضخماً - أحد أكبر أرباب العمل في الولايات المتحدة مع عائدات تفوق تلك الموجودة في العديد من البلدان». وأنها كانت تستثمر عائداتها «في البحث الأساسي الذي بنى مستقبل الاتصالات». وتؤرخ الكاتبة تراجع هذه الشركة عن توجهاتها السابقة منذ العام 1974 وصولاً إلى العام 2008 «عندما أعلنت شركة Alcatel-Lucent، التي استحوذت عليها شركة Bell Labs في ذلك الوقت، عن انسحابها تماماً من العلوم الأساسية للتركيز بدلاً من ذلك على مساعي الربح السريع مثل الإلكترونيات وتطوير البرامج».

روبرتا نيس Roberta B. Ness: دكتورة وخبيرة دولية في الطب والصحة العامة. عميدة كلية الصحة العامة بجامعة تكساس، وأستاذة مساعدة في قسم علم الأوبئة في مركز أندرسون للسرطان بجامعة تكساس وجامعة بيتسبرغ، وأستاذة مساعدة في أقسام الطب والتوليد وأمراض النساء في كلية الطب بجامعة تكساس في هيوستن. قدمت إسهامات في مجال الصحة العامة وطب النساء والسرطان وتنظيم وتشجيع الابتكار في هذه المجالات، ولها أكثر من 290 منشوراً محكَّماً وأكثر من 20 منحة ممولة فيدرالياً، وهي مستشارة للمعاهد الوطنية للصحة، ووزارة الدفاع (البنتاغون). المقتبسات في هذا المقال من كتابها الصادر عام 2015 بعنوان «أزمة الإبداع، إعادة ابتكار العلم لإطلاق الإمكانيات»، ص33–37.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1094

تابعونا على الشبكات التالية!

نظراً لتضييق فيسبوك انتشار صفحة قاسيون عقاباً لها على منشوراتها المتعلقة بالقضية الفلسطينية، ندعوكم لمتابعة قنواتنا وصفحاتنا الاخرى على تلغرام وتويتر وVK ويوتيوب وصفحتنا الاحتياطية على فيسبوك