ميشيل شوسودوفسكي ميشيل شوسودوفسكي

الأحكام العرفية وعسكرة الصحة العامة.. وأنفلونزا الخنازير (ج1)

فصل الأنفلونزا يخيم علينا. أي نوعٍ سيقلقنا هذا العام، وأي صنفٍ من الجرعات سنوصى بأخذه؟ هل تتذكرون فزع أنفلونزا الخنازير في العام 1976؟ إنه العام الذي أخبرتنا فيه الحكومة الأمريكية أنّ أنفلونزا الخنازير قد تتحول إلى قاتل يمكن أن يتفشى في صفوف الشعب، وقررت واشنطن أنّ على كلّ رجلٍ وامرأة وطفل من الأمة أن يأخذ جرعةً لمنع تفشي الوباء في البلاد

 ترجمة قاسيون

الوباء.. والأزمة الرأسمالية.. والشركات

اجتمع المسؤولون الفيدراليون وممثلو الصناعة لمناقشة دراسة مقلقة جديدة أثارت أسئلةً تحذيريةً حول سلامة جمهرة من لقاحات الأطفال الشائعة والمعطاة للرضع وصغار الأطفال. وفقاً لعالم أوبئة من مركز مراقبة الأمراض والوقاية منها يدعى توم فيرستيتن، الذي قام بتحليل القاعدة الشاملة لبيانات الوكالة والتي تحتوي سجلات طبيةً لمائة ألف طفل، فقد ظهر أنّ المادة الحافظة التي أساسها الزئبق في اللقاحات ـ (التيمروزال.ت) مسؤولةٌ عن زيادة مباغتة في أعداد المصابين بالتوحد وعن جملة اضطرابات عصبية بين الأطفال.

يقول روبرت كيندي الابن: «يصعب حساب الأضرار التي أصابت بلدنا... وأصابت جهوداً دوليةً لاستئصال الأمراض الوبائية.. إذا حدث وصدّقت بلدان العالم الثالث أنّ المبادرة الأمريكية الرائدة لتقديم المساعدات الخارجية تسمّم أطفالها، فليس صعباً التنبؤ بالكيفية التي سيفسر فيها أعداء أمريكا في الخارج هذا السيناريو».

مرغريت تشان، المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية، ترى: «على أساس تقديرات خبراء في الأدلة، فالمعايير العلمية لوباء الأنفلونزا تنطبق على الوضع، لهذا قررتُ أن أرفع مستوى الإنذار الوبائي للأنفلونزا من الدرجة الخامسة إلى الدرجة السادسة. العالم الآن في بداية تفشي أنفلونزا 2009 الوبائية».

وفي تصريح رسمي للإدارة الأمريكية، نقلته أسوشييتد برس في 24 تموز 2009) ورد ما يلي: «يمكن لأنفلونزا الخنازير أن تصيب ما يزيد عن 40 بالمائة من الأمريكيين خلال العامين القادمين، ويمكن أن يتعرض للموت مئات الألوف إن لم تنجح حملة التلقيح وباقي الإجراءات المتخذة».. تؤكد ذلك منظمة الصحة العالمية: «قد يصاب بالوباء ما يقارب ملياري شخص خلال العامين القادمين ـ حوالي ثلث سكان العالم».

يستطيع صانعو اللقاحات إنتاج 4.9 مليار جرعة من لقاح الأنفلونزا سنوياً في أفضل الحالات. تتوقع الولايات المتحدة أن تكون بحاجة 160 مليون جرعة من لقاح أنفلونزا الخنازير في تشرين الأول. وستدفع البلدان الغنية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا نحو 10 دولار لقاء جرعة من هذا اللقاح، وبالمحصلة هناك نحو 400 مليار دولار ستدخل خزائن شركات الدواء الكبيرة.

 

التضليل بالرعب والأوهام

حربٌ بلا حدود، كساد هائل، مغامرة عسكرية في الشرق الأوسط، تركيز كلي على الصحة نتيجة إعادة هيكلة النظام المالي العالمي.. العالم على تماس مع أخطر أزمة في التاريخ المعاصر. إفلاسات المصارف، البطالة الشاملة، انهيار البرامج الاجتماعية..
لكن يتوجب أن يبقى الرأي العام جاهلاً بمسببات الأزمة العالمية، فـ«ما هو أسوأ من الكساد صار خلفنا»، «هنالك مؤشرات متنامية على تعافي الاقتصاد»، «حرب الشرق الأوسط (عادلة)»، قوات التحالف تتدخل في «حفظ السلام»، نحن «نحارب الإرهاب بالديمقراطية». «علينا أن ندافع عن أنفسنا في مواجهة الإرهاب». يتم التلاعب بأعداد وفيات المدنيين. جرائم الحرب مخفية. يتم تضليل الناس بطبيعة النظام العالمي الجديد وتاريخه..

الأسباب الحقيقية وعواقب هذا الانهيار الاقتصادي والاجتماعي على مستوى العالم يظل معروفاً. تقلب الوقائع رأساً على عقب، ينبغي تمويه «الأزمة الحقيقية» بالأكاذيب السياسية والتزييف الإعلامي.
من مصلحة سماسرة السلطة السياسية والفاعلين الماليين المهيمنين حرف انتباه الرأي العام عن فهم الأزمة العالمية. ما هي الوسيلة الأمثل لتحقيق هذا الهدف؟

بخلق مناخ مفبرك من الخوف والإحساس بالتهديد يساهم في إضعاف المعارضة المنظمة في مواجهة النظام السياسي والاقتصادي القائم ونزع أسلحتها. والهدف هو تقويض كل أشكال المعارضة والمقاومة الاجتماعية.
نتعامل مع مخطط شيطاني. يجب ألا يبقى الرأي العام جاهلاً بينما الأزمة تتفاقم والناس يزدادون فقراً، يجب استبدال الأسباب الحقيقية بمجموعة علاقات زائفة.

الأزمة القائمة على أسباب زائفة هي أزمة معلنة: «الحرب العالمية على الإرهاب» مركزيةٌ في تضليل فهم الرأي العام لحرب الشرق الأوسط، وهي معرقلةٌ للسيطرة على الاحتياطيات الهائلة من النفط والغاز الطبيعي.
تمّ إضعاف الحركة المناهضة للحرب. الناس غير قادرين على التفكير. وهم يقبلون دون نقاش الإجماع على «الحرب على الإرهاب» ويبتلعون الأكاذيب السياسية. ففي وعيهم الباطن أنّ الإرهابيين يهددون حياتهم.
في هذا الإطار، يلعب حدوث «كوارث طبيعية» و«أوبئة» و«كوارث بيئية» دوراً سياسياً مفيداً، ما يشوّه الأسباب الحقيقية للأزمة ويسمح بإعلان حالة طوارئ صحية عامة على مستوى العالم.. وعلى خلفيات إنسانية.
يستخدم وباء أنفلونزا الخنازير واسع الانتشار في تضليل الرأي العام. فوباء العام 2009 الذي بدأ في المكسيك في نيسان حدث في الوقت المناسب. فقد تزامن مع كساد اقتصاديّ معمق، ترافق مع تصعيد عسكري.
تمت فبركة البيانات الوبائية والتلاعب بها وتزييفها. فوفق منظمة الصحة العالمية، فإنّ وباءً واسع الانتشار يتفشى ويهدد حياة ملايين البشر.

يتم خلق «حالة طوارئ كارثية». منظمة الصحة العالمية ومركز مراقبة الأمراض والوقاية منها التابع للحكومة الأمريكية هيئتان سياديتان. فلماذا تكذبان؟ لا يمكن للمعلومات التي سربتها هاتان المنظمتان، ومع أنها عرضةٌ لأخطاء إحصائية، أن يتم تزييفها أو التلاعب بها مهما جمح الخيال.
يعتقد الناس أنّ أزمةً صحيةً عامةً على مستوى العالم هي أمرٌ حقيقي وأنّ مسؤولي الصحة الحكوميين «يعملون للمصلحة العامة».

أكدت تقارير الصحافة أنّ الحكومة الأمريكية منكبةٌ على تطبيق برنامج تلقيح شامل ضد أنفلونزا الخنازير في خريف ـ شتاء 2009. إذ تم التعاقد مع شركات الدواء الكبرى على إنتاج 160 مليون جرعة من اللقاح تكفي نصف سكان الولايات المتحدة. وهنالك برامج مشابهة تعمل عليها بلدان الغرب الأخرى مثل فرنسا وكندا والمملكة المتحدة.
تم تجنيد متطوعين لاختبار لقاح أنفلونزا الخنازير خلال شهر آب، في إطار تطبيق برنامج تلقيح على نطاق الأمة في الخريف.

 

التلاعب بالبيانات

هنالك أدلةٌ وافرة، موثقة في تقارير عديدة، على أنّ إنذار منظمة الصحة الوبائي من الدرجة السادسة قائمٌ على أدلّة مفبركة وعلى التلاعب بأرقام الوفيات ونتائج التشريح  المرضي لإصابات أنفلونزا الخنازير.

كانت البيانات المستخدمة أساساً لتسويغ إنذار الدرجة الخامسة الذي أطلقته المنظمة في نيسان 2009 غير كافية. وقد جزمت المنظمة دون دليل كاف أنّ «تفشي المرض عالمياً هو أمرٌ وشيك». كما شوهت البيانات المتعلقة بالوفيات الناتجة عن وباء أنفلونزا الخنازير. وفق تصريح المديرة العامة للمنظمة الدكتورة مرغريت تشان في مكتبها في 29 نيسان، فإنّه «توفي حتى اللحظة 176 إنساناً في المكسيك». ما هو السبب؟ ومن أين استقت تلك الأرقام؟

من أصل 169 وفاة بسبب الأنفلونزا، كانت هنالك سبع وفيات بسبب سلالة أنفلونزا الخنازير، بناءً على التحاليل المخبرية، وفق وزير الصحة المكسيكي.
على نحو مشابه، وفي مدينة نيويورك في نيسان، صنف عدة مئات من الأطفال في خانة المصابين بأنفلونزا الخنازير لم تتأكد إصابةٌ واحدةٌ منها مخبرياً.
قال الدكتور فرايدن: «توصل مسؤولو الصحة إلى استنتاجهم الأولي بعد إجراء اختبارات فيروسية على لطاخات من الأنف والحنجرة من ثمانية تلاميذ، سمحت لهم بإزاحة بقية سلالات الأنفلونزا».
أجريت الاختبارات على تلاميذ مدرسة كوين، لكنها لم تكن حاسمة. من بين «مئات من تلاميذ المدارس»، لم تكن هنالك تقارير عن تحاليل مخبرية تؤكد وجود فيروس الأنفلونزا. في الواقع، كانت التقارير متعارضة: وفقاً لها، فمركز مراقبة الأمراض والوقاية منها الواقع في أطلنطا هو «المختبر الوحيد في البلاد الذي يستطيع تأكيد وجود السلالة الجديدة من أنفلونزا الخنازير ـ التي أطلق عليها: N1H1.

أكاذيب سياسية وتضليل إعلامي بخصوص الوباء.. فالأنفلونزا مرضٌ شائع. وما لم يكن هنالك فحصٌ مخبري شامل، لا يمكن تعيين هوية الفيروس. هنالك إصاباتٌ كثيرةٌ سنوياً بالأنفلونزا الموسمية في أمريكا. وفق مجلة الجمعية الطبية الكندية، تتسبب الأنفلونزا بوفاة 2500 كندي وحوالي 36 ألف أمريكي سنوياً. أما على صعيد العالم، فتتراوح الوفيات المرتبطة بالأنفلونزا بين 250 ألف إلى 500 ألف وفاة سنوياً».

ما قامت به منظمة الصحة العالمية ومركز مراقبة الأمراض هو تصنيف أعداد كبيرة من إصابات الأنفلونزا الشائعة بوصفها أنفلونزا الخنازير.
«ازدياد عدد الإصابات في بلدان عدّة وانتقال الناس المنتظم يجعل الأمر بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً، بالنسبة للدول اختبارها وتأكيدها مخبرياً. علاوةً على ذلك، فإحصاء الإصابات الفردية لم يعد أساسياً اليوم في مثل هذه البلدان لرصد سوية أو طبيعة الخطر الذي يطرحه فيروس وبائي أو لتوجيه تطبيق الإجراء المناسب». (منظمة الصحة العالمية، مؤتمر صحفي، 2009).

تقرّ المنظّمة أنّه في بلد يفتقر إلى الفحوص المخبرية، في حين يتمّ التشديد على أنّ التأكيد المخبري ليس مطلوباً لجمع البيانات، من وجهة نظر التحقق من تفشي المرض.

 

التضليل المخبري

استراتيجية التركيز على تحري كل الإصابات والتحقق منها وتأكيدها مخبرياً، يتضمن ذلك الأمراض المتعددة، هي مصدرٌ بالغ الأهمية. تستنفد هذه الاستراتيجية في بعض البلدان معظم استطاعة المختبر الوطني وقدرة الاستجابة، تاركةً القليل منها لمراقبة الحالات الحادة والتحقق منها، إضافةً للحوادث الاستثنائية... لهذه الأسباب مجتمعة، لن تصدر منظمة الصحة العالمية جداول شاملة تظهر عدد الإصابات المؤكدة لكل البلدان. مع ذلك، وكجزء من الجهود المتواصلة لتوثيق التفشي العالمي لوباءH1N1، سنقوم بتقديم تجديدات منتظمة تصف وضع البلدان التي تتعرض للإصابة. ستواصل المنظمة مطالبة هذه البلدان بتقديم تقارير عن أولى الإصابات المؤكدة وأن تقدّم، قدر المستطاع، عدد الإصابات المتراكمة أسبوعياً، والوصف الوبائي للإصابات المبكرة.

في مؤتمر المنظمة الصحفي في حزيران 2009، أثيرت مسألة الفحوص المخبرية، وفي جواب على سؤال: كيف تميزون بين الأنفلونزا الموسمية وبين هذا النوع من الأنفلونزا؟ أجاب د. فوكودا من منظمة الصحة العالمية: حين يصاب الناس بمرض يشبه الأنفلونزا، فمن المهم بالنسبة إلينا معرفة إن كان سببه فيروسٌ وبائي أو فيروسٌ موسمي. ما نشير إليه أنّه إذا انخفض مستوى الاختبار، سيظل في وسعنا إجراء التعداد وهكذا.. لا نحتاج لاختبار كل شخص!!

نستنتج من هذه التصريحات التالي:

1- لا تجمع المنظمة بيانات عن تفشي N1H1، قائمة على تأكيدات مخبرية منهجية.
2- تشجّع المنظمة في الواقع مسؤولي الصحة على إجراء التأكيدات المخبرية، في حين تضغط على سلطات الصحة العامة لتسليم المنظمة بيانات عن الإصابات أسبوعياً.
3- تشير المنظمة في تقاريرها فقط إلى «الإصابات المؤكدة»، لكنها لا تميّز بين الإصابات المؤكدة وتلك غير المؤكدة. ما يظهر أنّ «الإصابات غير المؤكدة» تصنّف على أنها «إصابات مؤكدة»، وبالتالي تستخدم المنظمة تلك الأرقام للبرهنة على انتشار المرض.

أعراض أنفلونزا الخنازير هي نفسها أعراض الأنفلونزا الموسمية: حمى، سعال، التهاب بلعوم. ما يحدث هو أنّ الانتشار الواسع للأنفلونزا الشائعة يستخدم لإصدار تقارير سلّمت إلى المنظمة على أنها إصابات بأنفلونزا الخنازير. ومع ذلك، ففي الجداول التي أصدرتها المنظمة حول بيانات البلدان تستخدم عبارة «عدد الإصابات المؤكدة مخبرياً»، في حين أنّها تقرّ أنّ الإصابات غير مؤكدة في حالات عديدة.

تضع المنظمة اتجاهات لانتشار المرض، مستخدمةً أساساً بيانات غير مؤكدة.

 

اختلاق أزمة وعسكرة الصحة

القصد السياسي الضمني هو استخدام إنذار منظمة الصحة العالمية من الدرجة السادسة لتحويل انتباه الرأي العام عن أزمة اجتماعية وشيكة وبعيدة المدى، وهي على الأرجح عاقبة كساد اقتصاديّ عالميّ متأصّل.
ما هي الوسيلة الأمثل لتدجين مواطني الأمة وكبح جماح استياء الناس في مواجهة البطالة المتصاعدة؟

خلق وباء عالمي، إشاعة جوّ من القلق والخوف، يزعزع العمل المنظم والهام في مواجهة الإثراء المبرمج لأقلية اجتماعية، كما يستخدم وباء الأنفلونزا لكبح المقاومة المنظمة في مواجهة السياسات الاقتصادية الحكومية التي تدعم النخب المالية. يقدّم ذلك ذريعةً وتسويغاً لتبني إجراءات الطوارئ. في ظلّ التشريع القائم في الولايات المتحدة، تعلق الأحكام العرفية ضمناً الحكم الدستوري، يمكن أن نشهد حالة «طوارئ كارثية من الدرجة الأولى»، ومن ضمنها وباء أنفلونزا الخنازير.

ثم هناك الأحكام العرفية، وهي تشريع موروث من أيام إدارة كلينتون، ناهيك عن قانوني باتريوت الأول والثاني بعد 11 أيلول، والذي يسمح للقوات المسلحة بالتدخل في تدابير تطبيق القوانين المدنية والقضائية. في العام 1996، تمّ إقرار تشريع يسمح للقوات المسلحة بالتدخل في حالة طوارئ وطنية. في العام 1999، وسّع قانون تفويض وزارة الدفاع المرتبط بكلينتون هذه السلطات (وفق تشريع 1996) بخلق «استثناء» لقانون بوس كوميتاتوس، الذي يجيز للقوات المسلحة التدخل في الشؤون المدنية «بغضّ النظر عن وجود حالة طوارئ».

قضية الوباء، أو حالة الطوارئ المتعلقة بالصحة العامة، لم تكن مع ذلك ملخصةً بوضوح في تشريع عهد كلينتون.
تشكّل كارثة إعصار كاترينا (2005) خطاً فاصلاً، يؤدي واقعياً إلى عسكرة حالات الإغاثة الطارئة:

الكارثة التي ضربت نيو أورليانز وشاطئ الخليج الجنوبي سببت أكبر تعبئة عسكرية في التاريخ المعاصر على الأرض الأمريكية. إذ ينتشر الآن في منطقة الكارثة أكثر من 65 ألف عسكري أمريكي، محوّلةً المدينة المنكوبة إلى منطقة حربية. وقد ساهم إعصارا كاترينا (آب 2005)، وريتا (أيلول 2005) في تسويغ دور الجيش في الكوارث الطبيعية. كما ساهما في تشكيل صياغة التعليمات الرئاسية والتشريع اللاحق. دعا الرئيس بوش الجيش ليكون «الوكالة الرئيسية» في عمليات الإغاثة لحالات الكوارث:
تمّ تقديم أزمة أنفلونزا الطيور في العام 2005 التي أعقبت إعصار ريتا بعد شهر من حدوثه إلى الرأي العام في الولايات المتحدة، بوصفها مسألةً تتعلق بالأمن القومي. بعد اندلاع أزمة أنفلونزا الطيور في العام 2005، أكّد الرئيس بوش أنّ الجيش سيتدخل بفاعلية في حالة تفشي الوباء، وسيخول بسلطة احتجاز أعداد كبيرة من الناس..
إذاً، أحد الخيارات هو استخدام القوات المسلحة، التي باستطاعتها التخطيط والتحرك بالاستناد إلى قانون الاستعداد للكوارث والتصدي لها.

 

قانون جون وورنر لتخويل الدفاع

تمّ وضع تشريع جديد، وضع فيه مصطلحا «وباء» و«طوارئ الصحة العامة» صراحةً. أصبح التشريع قانوناً بعد توقيع الرئيس بوش عليه في تشرين الأول 2006.

ضائعاً وسط مئات الصفحات، يتضمن القانون العام 109-365 المعروف باسم قانون جون وورنر، قسماً خاصاً حول دور القوات المسلحة في حالات الطوارئ الوطنية. يسمح القسم 1076 من هذا التشريع، وعنوانه «استخدام القوات المسلحة في حالات الطوارئ العامة الكبرى» لرئيس الولايات المتحدة بنشر القوات المسلحة والحرس الوطني في أرجاء الولايات المتحدة لـ«إعادة النظام العام وفرض قوانين الولايات المتحدة» في حالة «كارثة طبيعية أو وباء أو أية حالة طوارئ تتعلق بالصحة العامة».

هذه التدابير بعيدة المدى تسمح للقوات المسلحة بالسيطرة على سلطات الحكومة الفدرالية وحكومات الولايات والحكومات المحلية، متدخلةً في عمليات الإغاثة والصحة العامة. كما أنها تمنح الجيش تفويضاً بالقيام بالأعمال السياسية المدنية. أي أنه تشريعٌ يتضمّن عسكرة تطبيق القانون في حالة طوارئ وطنية.

وتزامناً مع قانون جون وورنر، صدر الأمر الرئاسي في أيار 2007، وهو جمعٌ لتوجيه الأمن القومي الصادر عن البيت الأبيض ووزارة الأمن الداخلي، ويتضمّن تدابير تسمح بفرض الأحكام العرفية في حالة الكوارث الطبيعية، ومن ضمنها وباء الأنفلونزا. وهو يحدّد وظائف وزارة الأمن الداخلي في حالة طوارئ وطنية وعلاقتها بالبيت الأبيض والجيش. كما أنّه يزوّد الرئيس بسلطات مطلقة لإعلان حالة طوارئ وطنية، دون موافقة الكونغرس، وبالتالي يمنح هذا الأمر المشترك سلطات غير مسبوقة للرئاسة ووزارة الأمن الداخلي، تهيمن فيها على مؤسسات الحكم الدستوري. سيؤدي تبني هذا الأمر واقعياً إلى إغلاق المجلس التشريعي وعسكرة العدالة وتطبيق القانون.

يمكن للأمر الرئاسي و/أو قانون جون وورنر بعد فترة قصيرة تلي إعلان وضع صحي قومي أن تستدعي حالة طوارئ وبرنامج تلقيح إلزامي في عموم البلاد.

يتضمّن جدول الأعمال السري استخدام خطر وباء و/أو محنة كارثة طبيعية كذريعة لقيام حكم عسكري، في ظلّ واجهة «ديمقراطية فاعلة».


 

 

 

ميشيل شوسودوفسكي: أستاذ الاقتصاد بجامعة أوتاوا كندا