مستوى البطالة قبل عام 2011 ودور السياسات الليبرالية في تفاقمها
هذا طرح تحليلي يضع ظاهرة البطالة في سياقها التاريخي، ويبين أن ما جرى بعد عام 2011 لم يبدأ من فراغ. فقبل اندلاع الأزمة عام 2011 لم تكن البطالة ظاهرة طارئة أو هامشية، بل كانت مشكلة بنيوية آخذةً في التوسع، وإن بقيت أقل حدة وظهوراً مما أصبحت عليه لاحقاً. فعلى الرغم من وجود استقرار نسبي في مؤشرات الاقتصاد الكلي آنذاك، فإن سوق العمل كان يعاني من اختلالات عميقة تجلت في عجزه عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين الجدد، ولا سيما من فئة الشباب وحملة الشهادات الجامعية.
دور السياسات الاقتصادية الليبرالية في تعميق البطالة
وخلال العقد الذي سبق الأزمة، تبنت الدولة مجموعةً من السياسات الاقتصادية ذات الطابع الليبرالي، تمثلت في تقليص دور القطاع العام وتحرير الأسواق تدريجياً، وفتح المجال أمام القطاع الخاص والاستثمار تحت شعار «اقتصاد السوق الاجتماعي»، غير أن التطبيق العملي لهذه السياسات جاء منقوصاً وغير متوازن، حيث جرى الانتقال نحو الليبرالية الاقتصادية دون بناء شبكة أمان اجتماعي حقيقية، ودون إصلاح موازٍ في سياسات التشغيل والأجور.
أحد أبرز آثار هذه السياسات تمثل في تراجع دور الدولة كصاحب عمل رئيسي، بعد أن كان القطاع العام يشكل لعقود صمام أمان للتشغيل، خاصةً لحملة الشهادات. فقد تقلص التوظيف الحكومي بشكل كبير، في حين لم يكن القطاع الخاص قادراً أو راغباً في تعويض هذا التراجع، بسبب اعتماده على أنشطة خدمية وتجارية منخفضة الكثافة العمالية، أو على عمالة غير مستقرة ومنخفضة الأجر.
كما ساهمت سياسات الخصخصة الجزئية ورفع الدعم عن بعض القطاعات في إضعاف الصناعات الصغيرة والمتوسطة، ولا سيما في الريف والمناطق الطرفية، ما أدى إلى فقدان فرص عمل تقليدية، ودفع أعداداً من العمال إلى الهجرة الداخلية نحو المدن، حيث واجهوا منافسةً حادةً على فرص عمل محدودة، فارتفعت البطالة المقنعة واستفحل القطاع غير المنظم.
في الوقت نفسه، استمر التوسع في التعليم الجامعي دون ربط فعلي بسوق العمل، ما أدى إلى تخريج أعداد كبيرة من حملة الشهادات في اختصاصات لا يقابلها طلب حقيقي. وبدلاً من أن تشكل هذه الطاقات رافعةً للتنمية، وجدت نفسها محاصرةً بين تقلص التوظيف العام وضعف التشغيل الخاص، ما أسس مبكراً لظاهرة البطالة بين المتعلمين حتى قبل عام 2011.
وبذلك يمكن القول إن السياسات الليبرالية كما طبقت في سوريا قبل الأزمة أسهمت في تفشي البطالة بشكل غير مباشر، لأنها افتقرت إلى التوازن والعدالة الاجتماعية. وعندما انفجرت الأزمة عام 2011 كانت البطالة قائمةً أصلاً كجرح مفتوح في الجسد الاقتصادي، فجاءت الحرب والعقوبات والانكماش لتعمقها وتحولها من مشكلة هيكلية قابلة للاحتواء إلى ظاهرة شاملة تهدد الاستقرار الاجتماعي ومستقبل التنمية.
أزمة البطالة بعد انفجار الأزمة عام 2011
منذ انفجار الأزمة السورية عام 2011 دخل الاقتصاد الوطني في واحدة من أعنف مراحله التاريخية، انعكست آثارها بشكل مباشر على سوق العمل ومستوى الدخل، حيث شهدت البلاد تفشياً واسعاً للبطالة وتراجعاً حاداً في الأجور، ما أدى إلى تدهور غير مسبوق في مستوى معيشة السوريين.
ففي السنوات الأولى للأزمة تضررت البنية الإنتاجية بشكل مباشر نتيجة توقف آلاف المنشآت الصناعية والتجارية، خاصةً في المناطق الصناعية الكبرى، إضافةً لتراجع النشاط الزراعي بسبب النزوح ونقص المحروقات وارتفاع تكاليف الإنتاج. هذا التراجع الحاد في القدرة الإنتاجية أدى إلى فقدان مئات الآلاف من العمال لوظائفهم وارتفاع معدلات البطالة، ولا سيما بين فئة الشباب والخريجين الجدد.
بطالة مقنعة وأجور منخفضة
ومع استمرار الأزمة وتوسع رقعتها، لم تعد البطالة مقتصرةً على العاطلين الجدد، بل امتدت لتشمل العاملين أنفسهم عبر ما يمكن تسميته بالبطالة المقنعة، حيث استمر كثير من العمال في وظائفهم بأجور متدنية لا تكفي لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية، أو بساعات عمل متقطعة وغير مستقرة في ظل غياب الضمانات الاجتماعية والحماية القانونية الفعلية.
أما الأجور فقد شهدت تراجعاً حقيقياً وقاسياً عند قياسها بالقوة الشرائية، فعلى الرغم من صدور عدة زيادات اسمية على الرواتب خلال السنوات الماضية، إلا أن هذه الزيادات لم تواكب الارتفاع المتسارع في مستوى الأسعار، ولا سيما أسعار الغذاء والسكن والطاقة والنقل. ومع الانخفاض الكبير في قيمة الليرة السورية، أصبحت الرواتب الشهرية لغالبية العاملين لا تغطي سوى جزء بسيط من تكاليف المعيشة، ما دفع شرائح واسعةً من المجتمع إلى الاعتماد على الديون أو التحويلات الخارجية أو العمل الإضافي غير المنظم.
كما أسهمت الهجرة الواسعة للكفاءات واليد العاملة الماهرة في تعميق الأزمة، حيث فقد سوق العمل السوري جزءاً كبيراً من طاقته البشرية، في حين بقيت فرص العمل محدودةً وغير قادرة على استيعاب الداخلين الجدد إلى السوق. وأدى ذلك إلى اختلال واضح بين العرض والطلب على العمل، وإلى زيادة المنافسة على وظائف منخفضة الأجر، ما منح أصحاب العمل قدرةً أكبر على فرض شروط عمل مجحفة.
ولم تكن تداعيات البطالة وانخفاض الأجور اقتصاديةً فحسب، بل امتدت إلى آثار اجتماعية خطيرة تمثلت في ارتفاع معدلات الفقر واتساع الفجوة الطبقية وتراجع التعليم وانتشار عمالة الأطفال، إضافةً إلى الضغوط الاجتماعية والنفسية التي أصابت الأسر السورية وأضعفت القدرة على التخطيط للمستقبل.
البطالة المقنعة لدى أصحاب الشهادات: أزمة كفاءات معطلة
من أخطر أشكال البطالة التي تفشت في سوريا خلال سنوات الأزمة هي البطالة المقنعة، ولا سيما بين أصحاب الشهادات الجامعية كالمحامين والمهندسين، وهي حالة لا يظهر فيها الفرد كعاطل عن العمل بشكل رسمي، لكنه عملياً بلا دخل حقيقي أو بلا ممارسة فعلية لمهنته التي تأهل لها علمياً.
وتكمن خطورة البطالة المقنعة في أنها لا تظهر في الإحصاءات الرسمية، لكنها تؤدي آثاراً عميقةً على المدى الطويل، منها تآكل المهارات المهنية بسبب عدم الممارسة، وفقدان الدافع لدى الشباب المتعلم، وتحول الشهادة الجامعية من أداة ارتقاء اجتماعي إلى عبء نفسي واقتصادي. كما تسهم هذه الظاهرة في تعزيز الهجرة؛ إذ يسعى أصحاب الكفاءات إلى البحث عن فرص عمل خارج البلاد، ما يفاقم نزيف العقول ويضعف فرص التعافي مستقبلاً.
إن معالجة البطالة المقنعة بين أصحاب الشهادات لا تقل أهميةً عن معالجة البطالة الظاهرة، وتتطلب سياسات واضحة لإعادة ربط التعليم بسوق العمل وتنشيط الاستثمار وتوسيع فرص العمل المهني الحقيقي، إضافةً إلى دعم النقابات المهنية وتمكينها من لعب دور فاعل في حماية أعضائها وتنظيم المهنة بما يضمن الحد الأدنى من الدخل والكرامة المهنية.
البطالة المقنعة وانهيار العمود الفقري للمجتمع
البطالة المقنعة، ولا سيما بين أصحاب الشهادات والكفاءات المهنية، لا تمثل مجرد خلل عابر في سوق العمل، بل تشكل أحد أخطر المؤشرات على الانهيار البنيوي الذي أصاب الطبقة الوسطى في سوريا. فهذه الطبقة التي كانت تاريخياً العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، والقوة الأساسية في تحريك الإنتاج وحمل قيم التعليم والعمل والانتماء، تعرضت خلال سنوات الأزمة لاستنزاف تدريجي أفقدها القدرة على الاستمرار والقيام بدورها الطبيعي.
ولا تتوقف آثار هذا الانهيار عند الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع. فضعف الطبقة الوسطى يعني تراجع الاستثمار في التعليم، وانخفاض القدرة على نقل الخبرات والقيم المهنية بين الأجيال، وازدياد الشعور بالإحباط وفقدان الثقة بالمستقبل. كما يؤدي ذلك إلى اختلال التوازن الاجتماعي، حيث تتسع الفجوة بين أقلية قادرة على الصمود اقتصادياً وأكثرية تكافح من أجل تأمين أساسيات الحياة.
إن استمرار البطالة المقنعة يعني عملياً تعطيل الرأسمال البشري، وهو أخطر ما يمكن أن يواجه أي مجتمع يسعى إلى التعافي. فالدول لا تنهض فقط بالإعمار المادي، بل بإحياء الإنسان المنتج وتمكينه من العمل الكريم، وربط عمله وجهده بعائد يضمن له حياة مستقرة. فمن دون معالجة جذرية لهذه الظاهرة، ستبقى محاولات النهوض الاقتصادي جزئيةً ومؤقتة؛ لأنها تقوم على أرضية اجتماعية متآكلة.
وعليه، فإن إعادة بناء الطبقة الوسطى تبدأ من الاعتراف بحجم البطالة المقنعة، ووضع سياسة واضحة تعيد الاعتبار للعمل المهني، وتخلق فرصاً حقيقيةً لأصحاب الشهادات، وتربط الأجور بالقيمة الفعلية للعمل. فإما أن يستعاد دور هذه الطبقة كقوة توازن واستقرار، أو يستمر المجتمع في الانزلاق نحو مزيد من المخاطر على الحاضر والمستقبل معاً.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1264