تسريح العقود السنوية: سياسةٌ لا تحلّ الأزمة بل تعمّقها
ميلاد شوقي ميلاد شوقي

تسريح العقود السنوية: سياسةٌ لا تحلّ الأزمة بل تعمّقها

صدر القرار رقم 2533 تاريخ 12/8/2025 عن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، والذي ينص على ترشيد استخدام الموارد البشرية المتاحة بما يحقق معالجة ظاهرة الترهل والإنتاجية لدى الجهات العامة عموماً، وعلى مستوى كل جهة على حدة. وجاء القرار بعدة بنود تنص على عدم الإعلان عن إجراء المسابقات أو التعاقد أو التوظيف بأشكاله كافةً، إلا في حالات الضرورة، وعدم تجديد العقود المؤقتة وعدم رفع طلبات تمديد الخدمة لمن بلغ سن التقاعد، وعدم رفع طلبات الإعادة إلى العمل لحالات الصرف من الخدمة، استقالةً ومن اعتبر بحكم المستقيل، إضافة إلى عدد من البنود التي تقتضي تشديد العقوبات المسلكية والتشديد على مراقبة دوام العاملين وعدم إصدار قرارات الندب والتكليف.

الأخطر في القرار أنه جاء على ذكر عدم التجديد للعقود المؤقتة بأشكالها كافة في حال انتهاء مدتها، إلا في ضوء الحاجة الماسة وبموافقة الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية حصراً. ومع بداية العام الجديد أصدرت مؤسسات القطاع العام بغالبيتها قراراً بعدم تجديد العقود السنوية، وبهذا القرار وَجد عشرات الآلاف من العمال أنفسهم مطرودين من أعمالهم (بعد مضي سنوات طويلة على استخدامهم)، وتم الاستغناء عنهم في لحظة تاريخية تتسم بتفاقم الانهيار المعيشي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وغياب أي أفق اقتصادي واضح. وفي ظل ذلك، يبرز قرار الحكومة بتسريح وإنهاء عقود العاملين السنوية كأحد أكثر السياسات إثارةً للقلق، ليس فقط لآثاره المباشرة على عشرات آلاف الأسر بل لما يحمله من دلالات سياسية واقتصادية واجتماعية خطيرة على مستقبل البلاد والاستقرار فيها.


قرار إداري أم خيار سياسي


تحاول السلطة تقديم تسريح العمال بوصفه إجراءً إدارياً يهدف إلى ترشيد الإنفاق أو إعادة هيكلة القطاع العام، إلا أن هذا التوصيف يتجاهل حقيقة جوهرية؛ هي أنّ إنهاء عقود العمال في ظل غياب فرص بديلة وشبكات حماية اجتماعية هو قرار سياسي بامتياز، لأنه يحدد من يدفع ثمن الأزمة ومَن يعفى من مسؤولياتها. فبدلاً من معالجة الخلل البنيوي في الاقتصاد أو مكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة يجري تحميل الفئات الضعيفة من العمال وأسرهم عبء العجز المالي، في إعادة إنتاجٍ لسياسات التقشف القاسي دون أي بعد اجتماعي.


الاقتصاد يدفع ثمن التسريح


اقتصادياً يؤدي تسريح أصحاب العقود السنوية إلى ضخِّ أعداد جديدة في سوق عمل متضيِّق أصلاً، ما يرفع معدلات البطالة ويقلص الطلب الداخلي ويعمق حالات الركود، فالعامل المسرح لا يفقد راتبه فقط، بل يفقد قدرته الشرائية، ما ينعكس مباشرةً على الأسواق المحلية والمهن الصغيرة، ويؤدي إلى سلسلة خسائر تمتد من الأسرة إلى المجتمع.
كما أن الدولة تخسر في الوقت ذاته خبرات راكَمَها هؤلاء العمال عبر سنوات طويلة من الخدمة دون تثبيت أو ضمانات، في مشهد يعكس استهتاراً برأس المال البشري الذي يفترض أن يكون حجرَ الأساس لأي عملية نهوض اقتصادي.


تمزُّقٌ اجتماعي صامت


اجتماعياً يحمل القرار آثاراً مدمرة على الاستقرار الأسري والنسيج الاجتماعي، ففقدان العمل يعني فقدان الأمان والدخول في دوامة الفقر والعوز، ويزيد من حالات التوتر الأسري والانهيار النفسي، ويغذِّي موجات الهجرة الداخلية والخارجية التي تُفرغ البلاد من قواها العاملة الشابة.
الأخطر من ذلك هو ما يولِّده هذا القرار من شعور اجتماعي بالظلم والتهميش ويقوِّض ما تبقى من الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، حين تتحول الوظيفة العامة من مساحة أمان نسبي إلى هشاشة دائمة.


البعد الإنساني الغائب


إن تسريح العمال دون تعويض عادل أو بدائل تشغيلية أو ضمان اجتماعي هو مساسٌ مباشر بالحق في العيش الكريم، فالعمل ليس امتيازاً تمنحه الدولة متى شاءت وتسحبه متى أرادت، بل هو حق إنساني واقتصادي، وأي سياسة تتجاهل هذا المبدأ تدفع المجتمع نحو مزيدٍ من التفكك والاحتقان. في ظل هذا الواقع يتحول العامل المسرح إلى رقم زائد في معادلة الفقر، وتتحول الأسرة إلى وحدة مهدَّدة من حيث بقائها، في وقت تتآكل فيه منظمات الدعم التقليدية وتغيب أي سياسة حماية حقيقية.


نحو أيِّ دولة نسير؟


سياسياً يكشف القرار عن نموذج إدارة أزمة يقوم على إدارة الفقر لا معالجته، وتحميل العامل مسؤولية الأزمة الاقتصادية، إضافة إلى تقليص دور الدولة الاجتماعي أيضاً بدل إصلاحه، وهو مسار ينسف العدالة ويؤدي إلى زعزعة الاستقرار العام، لأن المجتمعات التي يُدفَع أبناؤها نحو اليأس لا يمكن ضبطها إلى ما لا نهاية.
وإنّ بناء دولة قادرة على الصمود لا يبدأ بتسريح عمالها بل بحماية العمل وإصلاح الأجور وربط الإنتاج بالحوافز وتوزيع أعباء الأزمة بعدالة، لا عبر تحميلها لمن لا صوت لهم.
إن تسريح أصحاب العقود السنوية في سوريا ليس حلاً للأزمة بل تعميقٌ لها، وهو خيارٌ سياسي يعكس غياب رؤية اقتصادية واجتماعية شاملة، ويهدد بإنتاج أزمات أشد قسوة في المستقبل القريب، فالدول لا تقاس بقدرتها على خفض النفقات فحسب، بل بقدرتها على حماية مواطنيها في أوقات الشدة، وإلّا تحوَّلت السلطةُ إلى عبء إضافي على المجتمع بدلاً من أن تكون سنداً له.


النقابات المتفرِّجة


حين تتخلَّى النقابات العمالية عن دورها في مواجهة قرار تسريح أصحاب العقود في مؤسسات الدولة السورية، لا يعود الصمت النقابي مجرد تفصيل هامشي بل يتحول إلى موقف سياسي قائم بذاته، فبينما فقد آلاف العمال مصدر رزقهم الوحيد وقفت النقابات في موقع متفرج، لا تعترض ولا تفاوض ولا حتى تعبِّر عن رفضٍ رمزي يليق بدورها المفترض كحارسٍ لحقوق العمال.
وإنَّ محاولة تبرير هذا الصمت بحججٍ من قبيل الظروف العامة أو المصلحة الوطنية أو العجز عن التأثير لا تصمد أمام أبسط معايير العمل النقابي، فالدور النقابي لا يقاس بالنتائج فقط بل بالموقف وبالقدرة على التعبير عن صوت العمال، حتى في أكثر الظروف تضييقاً.


التواطؤ السلبي وخطورته


الخطير في هذا المشهد ليس الصمت في حد ذاته، بل ما يمكن تسميته بالتواطؤ السلبي، بالامتناع عن الفعل حين يكون الفعل واجباً، فصمت النقابات منح القرار شرعية ضمنية، وأرسل رسالة واضحة للسلطة مفادها أن كلفة تسريح العمال منخفضة سياسياً واجتماعياً، وفي المقابل أوصل هذا الصمت رسالة معاكسة للعمال؛ أنَّ لا سند لهم وأنهم يواجهون مصيرهم فرادى في لحظة هم بأمس الحاجة فيها إلى التنظيم والتضامن.


من الصمت إلى المسؤولية


إنّ أخطر ما تواجهه المجتمعات في الأزمات ليس القرارات القاسية وحدها، بل غياب القوى التي يفترض أن تعارضها، فالنقابات التي تكتفي بدور المتفرج تساهم عن قصد أو دون قصد في تعميق الظلم الاجتماعي.
إنّ استعادة الدور النقابي يبدأ بكسر الصمت وتبنِّي موقف واضح ينحاز للعمال، ودون تحويل الغضب الفردي إلى فعل جماعي منظَّم ستبقى النقابات شاهدة على تفكيك حقوق من يفترض أنها وجدت للدفاع عنهم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1259