الحركة العمالية سنوات 1925-1927 /2/
أيفان علي أيفان علي

الحركة العمالية سنوات 1925-1927 /2/

تواصل «قاسيون» نشر الحلقة الثانية حول الحركة العمالية زمن الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي سنوات 1925-1927.

الدوريات العمالية تقاوم القمع الاستعماري

في أيار 1926 أصدر المفوض السامي الفرنسي القرار 276 الذي يستهدف منع الأحزاب الوطنية والنقابات.
ورغم هذا، وفي أول تموز أعلن عمال الترامواي والكهرباء إضراباً لتحقيق مطالبهم في زيادة الأجور، وتعويضات طوارئ العمل. وكان الإضراب مركز اهتمام «لجنة تنظيم العمال في النقابات». وعرف أعضاء اللجنة كيف يستفيدون من جو الثورة السورية ومن تفاقم وضع الشغيلة. واستطاعوا أن يتواجدوا في مختلف أمكنة تواجد العمال، وأن يطرحوا وجهات نظرهم، وأن يقاوموا، خصوصاً محاولات كَسْر الإضراب، فشكلوا دوريات عمالية لهذا الغرض، وأخذوا يجمعون التبرعات من أجل العمال المضربين، ويتواجدون في طليعة المتظاهرين، ويتصدون لمقاومة رجال الاستعمار الفرنسي.
واستطاع أعضاء اللجنة، رغم أنهم أقلية، دفع قطاعات عمالية أخرى لإعلان إضرابات تحمل المطالب الخاصة للعمال، وتتضامن مع عمال الترامواي، وتقف في وجه الاستعمار الذي يقمع الثورة السورية. وبين 19 و22 تموز (وكان إضراب الترامواي لا يزال مستمراً)، قامت إضرابات في المطابع من أجل زيادة الأجور. فزيدت الأجور. وفي 21 تموز نفسه أضرب عمال الأحذية تضامناً مع عمال شركة الترامواي والكهرباء، وأصدروا بياناً مشتركاً طالبوا فيه بزيادة أجورهم 25%، تدفع على أساس الجنيه المصري، لأن قيمة الفرنك كانت قد هبطت كثيراً.

حملة شعبية للعمال

في 23 تموز، أذاعت لجنة تنظيم النقابات بياناً دعت فيه جميع العمال إلى الإضراب العام تأييداً للمضربين. ولبّى نداء اللجنة عمال المطاعم، والخياطون، وعمال المطابع، والنجارون، والحدادون، وعمال الأفران، وصناعة الأخشاب، وصناعة الدخان. ونظمت اللجنة حملة شعبية واسعة تأييداً للمضربين رافقتها حملة تبرعات. وحقق العمال أكثرية مطالبهم، وانتزعوا 60% من الزيادة التي طالبوا بها. حتى 27 تموز.

مقاومة كاسري الإضراب

اعتباراً من أيار إلى أيلول لم تتوقف الإضرابات العمالية، التي كانت تشتعل بين الحين والآخر، وبلغت أوجها في آب 1926. كان من أشهر تلك الإضرابات: إضراب عمال النسيج، والسكك الحديدية في حلب، وعمال وموظفو الحافلات الكهربائية ومعامل الطاقة، وعمال الميناء، وعمال المطابع، والحذاؤون، وعمال الأخشاب والتبغ في لبنان وحلب وبيروت ودمشق، وعمال الموبيليا في بيروت، وعمال الميناء، وعمال الجلود.
تجلت قوة المضربين بالاصطدامات التي حدثت بينهم وبين كاسري الإضراب والشرطة. ومن أمثلة هذه الاصطدامات: إعلان أحد كاسري الإضراب عن عزمه على خرق قرار الإضراب وإصلاح التمديدات الكهربائية إلى بيت قائد جيوش الاحتلال الفرنسي. وعندما غادر البيت حجزه المضربون، الذين كانوا له بالمرصاد، ولكن الشرطة انقذته واعتقلت ثلاثة من العمال، الذين سرعان ما حررتهم جموع العمال الغاضبة.
كان السبب المباشر للإضرابات المتكررة في سورية، الانخفاض الفجائي لقيمة الأجرة الحقيقية. وهذا مما اضطر العمال للمطالبة بزيادة أجورهم. كما أنهم طالبوا أيضاً بوضع قانون العمل وغيرها من المطالب العمالية.
وبعد حل الإضراب العام الكبير، شنّت سلطات الاستعمار حملة اعتقالات واسعة بين العمال المضربين، والذين حرّضوا على الإضراب. من بين المعتقلين كان ثلاثة من أعضاء لجنة تنظيم النقابات، هم: زهران الغريب. نسيم الشمالي. جورج عيان. وقد أبعدت السلطات هؤلاء الثلاثة بالذات إلى السجن في جزيرة أرواد. وهناك التقوا بفؤاد الشمالي، رئيس «اللجنة»، وقادة الحزب الشيوعي الآخرين.

الحركة في حلب وحمص

انتقلت عدوى الإضراب إلى مدينة حلب، حيث أضرب عمال الخطوط الحديدية. وقد نفذت السلطات، كما في بيروت، حملة اعتقالات واسعة وتسريحات شملت القائمين على الإضراب لكي تمنع نهائياً عدوى الإضرابات.
ولكن ذلك لم يحد من عدوى الإضرابات، ولم تثمر سياسة التوازن الاقتصادي المتبعة بين المستثمِرين والمستثمَرين. إذ سرعان ما قرر مالكو مصانع النسيج في حمص في 4 تشرين الأول 1926 تخفيض أجور عمالهم بنسبة كبيرة. ولم تجد نفعاً تهديدات أصحاب مصانع النسيج بإغلاقها، إذا ما استمر العمال في الإضراب. كما حاولوا إرهاب العمال عن طريق تشغيل العاطلين عن العمل، حتى يخاف العمال المضربون ويعودوا الى عملهم.
حققت حركة الإضراب نصراً ملحوظاً في حلب. فإن عمال النسيج المضربين في أوائل تشرين الأول نالوا معظم مطالبهم، بعد أن تشكلت محكمة من قبل السلطات كانت مضطرة لأخذ واقع الوضع السياسي والثورة المندلعة في الجنوب بعين الاعتبار. ولكن حكم المحكمة بزيادة الأجور 17,5% ساري المفعول لمدة شهر ونصف فقط، ومكّن أصحاب المعامل من سرقة هذا النصر، الذي حققه العمال، والعودة إلى الوضع السابق بعد انقضاء شهر ونصف.
وإن سبب الأزمة الاقتصادية في سورية الكامنة في السياسة الاقتصادية التخريبية للمستعمرين الفرنسيين، جعل من الضروري اتخاذ كل حركة اقتصادية في ذلك الحين طابعاً سياسياً موجهاً ضد الاستعمار الفرنسي. وهذا الطابع السياسي برز على العموم أيام النضال المسلح زمن الثورة السورية.

إضراب عمال الغزل والحرير في دمشق

لم يؤد تراجع الكفاح الوطني المسلح إلى تراجع النضال الطبقي للعمال. فقد استمرت الإضرابات العمالية بامتناع عمال الحرير في حزيران 1927 عن العمل لمدة عشرين يوماً.
فقد وجد في دمشق ما يزيد عن 2000 عامل اشتغلوا في غزل الحرير ونسجه على الأنوال الفنية. وتوزع هؤلاء العمال إلى أقسام: فمنهم الغزال والحائك والمسدي والملقي كما يسمونهم بلسان الحرفة. فالغزّال كان يأخذ مياومة قدرها 20 قرشاً فضياً. وقد اجتمعت آراء الغزّالين على رفع احتجاجهم الضروري، ولو بالتقتير. وعندما لم يلقوا أذناً صاغية من قبل معلميهم بادروا إلى الإضراب عن العمل. وسرعان ما سرت روح الإضراب إلى عمال الحياكة وقسم من عمال السدي الذين تقاضوا أجوراً وصلت إلى 40 - 45 قرشاً فضياً. وتوقفت بذلك تجارة الأقمشة الوطنية.
ومع أن هذا الإضراب أدى إلى توقف تجارة الأقمشة الوطنية، إلّا أن المعلّمين ظلوا متمسكين بعدم منح العمال الزيادة المطلوبة، وأصروا على احتكار الربح بمفردهم وحرمان العمال من جزء منه. فاحتج السواد الأعظم من المعلّمين على الإضراب وعللوا قلة الأجور بركود الأسواق وقلة الطلب إلى مصر. ثم أعلنوا بأسلوب ديماغوجي أنهم لا يخافون من إضراب العمال، لأن البضائع المكدسة في مستودعهم تكفي لتغذية السوق لمدة سنة. ولكن أقلية من المعلمين اعترف بشرعية مطالب الغزّال دون الحائك والمسدي. وكان انقسام تجار النسيج في صالح العمال، الذين انحازوا إلى الفريق المؤيد لهم لتعميق شقة الخلاف بين التجار.
لم تستطع السلطات تجاهل الأمر، وخشيت من سوء العاقبة وتعقد الأمور، لاسيما ولعلعة رصاص الثورة السورية كانت لا تزال ترن في الآذان، وهي أحوج ما يكون إلى الهدوء. فطلبت من التجار إيجاد الحل اللازم لإضراب العمال.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1014