أبناء العاملات.. أطفال بلا حقوق
غزل الماغوط غزل الماغوط

أبناء العاملات.. أطفال بلا حقوق

لم يعد عمل المرأة في المجتمع السوري يحتل حيزاً واسعاً من البحث والنقاش فقط، إذ بات ضرورة ملحة تفرضها الأوضاع الاقتصادية المتردية التي تواجهها الأسرة السورية عموماً، مع الانحدار المتسارع في قيمة الدخل والارتفاع الهيستيري غير المسبوق للأسعار.

ولا شك أن الموضوع الأكثر إلحاحاً بالنسبة لأية أم عاملة اليوم هو: أين تذهب بأطفالها خلال ساعات عملها، فإقبالها على العمل لتأمين قوت أسرتها لا يمكن أن يجعلها تغفل عن اهتمامها بالأطفال، ولا سيما ممن هم دون سن المدرسة، وليس في وسعهم الاعتناء بأنفسهم لحين عودة والدتهم من العمل.  

العاملة السورية بالأرقام

تشير الإحصائيات إلى أن معدل النمو السنوي لقوة العمل النسائية قد بلغ نحو 9% خلال سنوات ما قبل الأزمة، أي حوالي 800 ألف امرأة عاملة في سورية، (ولنا أن نتخيل كم تضاعفت الأعداد اليوم تحت وطأة الحرب وفقدان آلاف الأسر لمعيلها)، وتصل نسبة النساء المتزوجات منهن إلى نحو 43%، ومعظم هؤلاء المتزوجات هنّ إما أمهات أو مقبلات على الأمومة، وذلك تبعا للتركيبة الاجتماعية للمجتمع السوري الذي يرى في إنجاب الأطفال ضرورة طبيعية، ما يعني أن ثمة شريحة واسعة من الأطفال في فترة ما قبل المدرسة هم في أمس الحاجة إلى جهة ترعاهم لمدة تصل إلى ثماني ساعات يومياً، وبشكل منتظم باستثناء أيام العطل. 

التفاوت الطبقي بين الرياض!

إذن، هي فترة عمرية أساسية بالنسبة لكل طفل، فيها يبدأ تكون وعيه الاجتماعي وإدراكه للبيئة المحيطة، ونظراً لأن جودة رياض الأطفال الحكومية الملحقة ببعض جهات القطاع العام تتفاوت بين جهة وأخرى، تحجم كثير من الأمهات عن إرسال أطفالهن إلى هذه الرياض، لما تتسم به من اكتظاظ وإهمال أو قلة في التجهيزات، ويفضلن الرياض الخاصة حيث توفر خدمات أفضل وبيئة أكثر سلامة من حيث التدفئة والتهوية ومناطق اللعب وشروط التعليم، لكن الأغلبية الغالبة تعجز عن الإيفاء بمستحقات هذه الرياض وأقساطها المرتفعة، لذلك يفضلن ترك الطفل في عهدة أحد أفراد العائلة أو إحدى النساء المتفرغات لهذا الغرض.

بين الورق والواقع

ويشير القرار /156/ لعام 1976 إلى طلب افتتاح حضانة خاصة بأطفال العاملات في منشآت الدولة كافة، والوزارات والإدارات العامة والمؤسسات، تنفيذا للقانون رقم /91/ لعام 1959 والقاضي بإلزام كل إدارة فيها خمسة أطفال أو أكثر بافتتاح حضانة خاصة بهم مع تعيين مشرفة وتأمين المواصلات.

كما يطالب القانون ذاته القطاع الخاص الذي يشغل أكثر من 100 عاملة بتوفير روضة  قريبة من مكان العمل مجاناً.

لكن..

لكن هذه القرارات لا تجد طريقاً إلى التطبيق، ففي كثير من الأحيان تبقى محض حبر على ورق، إذ ليست الجهات العامة المذكورة كلها في نص القرار مزودة برياض أطفال، كما أن وجود هذه الرياض يندر في القطاع الخاص، الذي يمارس ضغوطاً مجحفة على النساء العاملات، ويحرمهن من العناية المثلى بأطفالهن، حيث يعاملن كآلات إنتاج تعمل بأجر بخس، ويمكن استبدالها بسهولة إن طالبت بمزيد من الإجازات لصالح أطفالها.

أين اتحاد العمال؟

تختلف الرياض الحكومية في تبعيتها إلى جهات مختلفة، فمنها مثلاً: ما يتبع لوزارة التربية والاتحاد النسائي ونقابة المعلمين والوزارات، في حين يغيب على نحو شبه كامل الاتحاد العام لنقابات العمال ممثلاً بنقاباته المختلفة، إذ لا يطرح نفسه كراعٍ لرياض الأطفال في المعامل والورشات التابعة للقطاع الخاص، حيث النسبة الأكبر من النساء العاملات المعرضات للاستغلال، والمحرومات من حقّ الاعتناء بأطفالهن، ومن حق تأمين مكان لائق ومجاني لهؤلاء الأطفال الذين سيعرفون منذ نعومة أظافرهم معنى الاستغلال الذي يمارسه القطاع الخاص على عماله.