عن الغباء والجوع الكافر
إيمان الأحمد إيمان الأحمد

عن الغباء والجوع الكافر

«لا يستنير المرء بتخيل أشكال النور، بل بإدراكه الظلام» - كارل يونغ. ربما لا يوجد أصدق من كلمات أغنية «الجوع الكافر» لزياد الرحباني للتعبير عن الحال التي وصل إليها الناس مؤخراً، عندما اجتمعت «كل الأشيا الكافرين» من الجوع والمرض والفقر والذل، في الإنسان ووصلت به إلى درجة الصراخ.

تنشر بعض منصات التواصل فيديوهات قصيرة للقاءات مع مواطنين سوريين يُسألون فيها عن أحوالهم، خاصة بعد دخول شهر رمضان. وبوضوح يتحدث الناس عن ظروف معيشتهم السيئة والمستمرة في الانحدار يوماً بعد آخر. ليس ثمّة ما يخجل منه الناس، بعد أن دفعوا فاتورة باهظة خلال السنوات الماضية، ولكنهم اكتشفوا أن الحال لم يتغير كثيراً عن السابق، خاصة في وضعهم المعيشي وتفاصيل الحياة اليومية، وأنهم ما زالوا يدفعون الفواتير رغم كل الأحاديث والشعارات عن «السقوط» و«الحرية» وغيرها التي ملأت أجواء عام كامل مضى.


الشيطان والتفاصيل


تحتل الصدارة صرخة النساء، وعلى وجه التحديد الأمهات، وذلك لكونهن الأكثر احتكاكاً مع التفاصيل اليومية ومع «شياطين تكاليف المعيشة الباهظة» التي تختفي فيها. تشرح إحدى الأمهات خيبة أملها بعد عودتها من اللجوء في تركيا: «كنت في تركيا، قالولنا: وينكم يا مهاجرين؟ تعالوا، جينا. بس ما لقينا شي، لا لقينا وظيفة ولا عناية، وأولادنا ما لقوا شي كمان، ابني مصاب بالثورة، ما حدا تعرَّف عليه؟ ليش؟» وتكمل حديثها عن عجز بقية أولادها عن إيجاد فرصة عمل: «ما في شغل، شو نعمل؟ نصير حرامية ولا نشالين؟ نخلي ولادنا يسرقوا مشان يطعمونا؟ ما بنسرق وبنأكل نحنا بالحرام. بدنا كهربا، وين الكهربا؟ أغلبية البيوت في حي الصاخور ما فيها كهربا... بتقولوا بدنا نعمل وبدنا نسوي... بس كلو حكي، ما في أكتر منو، حكي حبر على ورق. بدنا نحنا فعل».


أزمات متعددة الطبقات


يؤكد رجل آخر من مدينة دمشق: «كيلو الفاصوليا بعشرين ألف، وأنا شوفير تكسي شاغل بخمسين ألف، ليش هالغلا برمضان، شو نعمل بحالنا؟» وتتوالى الأحاديث التي يشارك فيها أناس من شرائح مختلفة، بينهم أصحاب مهن وحرف وبيّاعون ومعلمون وموظفون… إلى آخر القائمة، لسان حال الجميع واحد: غلاء معيشة، فرص عمل تكاد تكون معدومة، أزمات متعددة الطبقات تعاني منها طبقة واحدة فقيرة من غالبية السوريين، إضافة إلى المشاكل الأمنية والسياسية والاجتماعية.
يستخدم الناس تعابير اعتادوا عليها في توصيف ما يرونه من مظاهر. في أحد الفيديوهات يجري إعادة استخدام مصطلحات غابت عن الاستخدام لفترة، مثل «الشبيحة»، مرة أخرى: «الشبيحة صارت معبِّيَة الساحات، وين المسؤولين؟ ولا صرتم شبيحة علينا. الحرامي صار له سلطة علينا والنشال صار له سلطة علينا؟» ويؤكد آخر عدم ثقته بالمسؤولين: «نشكوا أمرنا لله. المسؤولين ما بيحبوا يسمعوا أصوات غير أصواتهن».


بلد العجايب!


تجتاح المنصات ووسائل الإعلام تصريحات عجيبة وغريبة لمسؤولين في مراكز هامة ومختلفة. يستخدم هؤلاء في خطاباتهم لهجة تأديبية ضد الناس ومطالبهم. على إحدى الشاشات يوبخ أحدهم الناس قائلاً: «إن انتشار روح السلبية يؤدي إلى قتامة في نفوس المسؤولين، فيكرهون عملهم»، جاء هذا الحديث على لسان المتحدث باسم مؤتمر الحوار الوطني وعضو اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في رده على مطالب المتضررين من الفيضانات التي حدثت مؤخراً وأدت إلى كوارث في المخيمات ونقلتها وسائل الإعلام مباشرة، ويظهر في اللقاء نفسه وزير الكوارث مندهشاً من هذا التصريح الغريب. يكمل المتحدث بلغة واثقة: «فأنت بدك تجي لحكومة في مرحلة انتقالية، ما بيجوز تسلط عليها الهاشتاغ والترند».


الخطاب الغبي


غالباً ما يتم استخدام اللهجة التأديبية هذه لترويض الناس ومنعهم من التعبير عن غضبهم واعتراضهم على مسائل وقرارات تخص واقعهم المعيشي: غلاء أسعار، فواتير الكهرباء، الحديث عن الجوع والمرض وغيرها من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وانتهاء بالمطالب السياسية كالمطالبة بمؤتمر وطني والمشاركة السياسية والعدالة الانتقالية وغيرها. يُستخدم خطاب التأديب والاستغباء هنا بشكل أوسع للتهرب من الاستحقاقات الوطنية والأساسية التي يطالب بها الرأي العام أولاً، ولضبط المساءلة الشعبية والنقد الشعبي وإسكات الناس عن المطالبة بحقوقهم. وتستخدم في هذا السياق وسائل متنوعة لتحديد من يحق له الكلام والمشاركة. ولا يظهر خطاب الترويض هذا في بيانات رسمية، لكنه ما زال يصدر عن مسؤولين بمواقع هامة ومختلفة ويحاول أن يترسخ بشكل «شبه رسمي» في وجه كل اعتراض على ما يُقرر ويُنفَّذ من سياسات، حتى وإن أوصلت الناس إلى الحافة وجعلتهم ضحايا للجوع والمرض والذل والفقر. ويكفي هنا التذكير بفشل سياسات السلطة السابقة في كَمِّ أفواه الناس المطالبة بحقوقهم. إذ ثمّة غباء واضح في محاولة استنساخ تجربة باءت بالفشل والحصول على نتائج مغايرة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1266