لا يمكن العودة إلى الوراء (2)
د. مروة صعب د. مروة صعب

لا يمكن العودة إلى الوراء (2)

«ما ذنبنا» «وما ذنبهم» «وما ذنب الأطفال»، تعليقات تردّد كل يوم كتعبيرٍ عن المجازر التي يقوم بها الاحتلال ومن يدعمه. تعليقات لمحاولة أنسنة الضحية وإقناع المعتدي بأنها تشبهه، لماذا؟

كنا تحدثنا في المقال السابق بطريقة عرضية عن التفاعلات التي حصلت بعد السابع من تشرين والمجازر التي ترتكب في فلسطين. سنستطرد في جانبين مما قيل، الأول موقع «المُشفَق عليهم» والثاني الشعور بالذنب.

موقع الضحية

مفاعيل الاستعمار والاحتلال تقدر بالخسائر التي تطال جميع مكونات المجتمع والإنسان. والمكون النفسي المعرفي الإدراكي مهم جداً في صقل وعي من هم تحت الاستعمار أو الاحتلال.
كوّن الاستعمار في إدراك البشر وعياً مرتبطاً بموقعه في حياتهم وموقعهم من خلاله. ووضعت الدعاية الغربية الغرب في مرتبة أعلى من باقي الدول بحججٍ مختلفةٍ لا قيمة لها في اللوحة الكبرى. نتيجة لذلك أصبح الذي يعيش تحت الاستعمار يَعتبر (باللاوعي) نفسه أقل قيمةً من المستعمر ويسعى دائماً للتشبّه به. عرّف مصطفى حجازي، عالم اجتماع لبناني، هذا بآلية دفاعية لا واعية يقوم بها من تحت الاستعمار لكي يخفف من قلقه تجاه الاستعمار. كتابات حجازي تستحق القراءة يمكن مراجعة كتاب التخلف الاجتماعي، «مدخل إلى دراسة سيكولوجية الإنسان المقهور». في تفصيل هاتين النقطتين، تدنّي القيمة هذه والسعي للتشبّه بالمستعمر وضعت حاملها في موقع الضحية. كوّن الاستعمار في عقول من استعمرهم ارتباط وجودهم به وجرّدهم من لقب الإنسان، وهم دائماً ما يسعون لإرضائه عبر عدم الخروج من الموقع الذي وضعه لهم. للمثل وليس للتشابه ما عُرّف بمتلازمة ستوكهولم. لهذا عند أي حدث سياسي وعند كل الحروب التي عاشتها بلدان المنطقة يكون ردّ الفعل الأكثر إبرازاً هو الطلب من المعتدي تخفيف همجيته، الطلب من الآخرين النظر إلى وضعنا والإشفاق علينا، وغالباً ما يتم تصوير الوضع المأساوي الذي نتج عن الحدث لاستعطاف الغرب. قد يفكر البعض أن لهذه الصور دوراً في نشر ما يحدث، صحيح لو كانت هذه الصور تعرض على هذا الأساس. وهذا جزء من الاستغراب المرافق لمعظم الأحداث، هناك استغراب من قدرة الصمود، واستغراب من قوة المقاومة رغم أن المقاومة الفلسطينية واللبنانية (المتمثلة هنا بحزب الله) برهنوا عن قدراتهم في محطاتٍ سابقة. فدور الضحية والموقع المتدني الذي وضعَنا الاستعمار فيه، ووافقنا على أن نظل تحته يعيدنا دائماً إلى نفس النقطة ونفس الجملة ونفس ردة الفعل. على سبيل المثال: هلّل الكثير فرحاً بالمظاهرات في الدول الغربية، وأقاموا القيامة على الدول العربية التي لم تقم بالمثل، هلّلوا على مواقع التواصل الاجتماعي طبعاً، هلّلوا من موقعهم المعزول والعاجز لا أكثر. اعتبروا أنه شيء عظيم أن يتطلع إلينا الغرب الديمقراطي والمتطور ويعتبرنا نستحق الحياة ونستحق التظاهر. لنضع جانباً فرضية أن هؤلاء الذين يتظاهرون في الغرب أغلبهم عرب، إذا كان هؤلاء متعاطفين وغاضبين من أجل ما تقوم به حكوماتهم من القتل والدمار، وإذا كانوا رافضين للأموال التي تسلب من أفواههم لتكريس سيطرة الرأسمالية، فقد نجحوا في اختبار الإنسانية، ولهم الاحترام. إذ هم يختلفون عن باقي دول العالم في أنهم استطاعوا الخروج من الفقاعة التي بنيت حولهم لإعمائهم عن السرقة اليومية لقيمة عملهم.

الشعور بالذنب

الأغلبية الساحقة من الأفراد المرتبطين بما يحدث في فلسطين يشعرون بالذنب. منهم من يشعر بالذنب لأنه لا يتعرض لما تتعرض له غزة، ومنهم من يشعر بالذنب من القلق الناتج عن الحرب، ومنهم من يشعر بالذنب لأن غيره يدفع ثمن حريته، ومنهم من يشعر بالذنب لأن المجتمع يوبخه إذا لم يشعر بذلك. بالعام، الشعور بالذنب في هذه الحالة طبيعي جداً، إلا بسبب الخوف الاجتماعي.
لأننا كائنات اجتماعية ولأننا نعيش في نظام رأسمالي، فالشعور بالذنب والخوف طاغيان على ردّات فعلنا ومحركان أساسيان لها. طبعاً في حالة الحرب ومشاهد الموت والمجازر اليومية الشعور بالذنب طبيعي. أمّا جلد الذات فهو غير الطبيعي، جلد الذات هو مشهد آخر من مشهدية اللا قيمة. من يقوم بجلد الذات تربى على استرضاء الآخرين الذين غالباً ما يكونوا معتدين، قد يكون هذا المعتدي أباً يعامل أولاده بقسوة وقد يكون استعماراً أو احتلالاً. وتربى على أنه لا قيمة له ولمشاعره إن لم يوافق عليها المعتدي.
الوجه الآخر لجلد الذات هو جلد الآخرين الذين لا يقومون بما يجب لوقف ما يحدث. المشكلة مع هذا ليس المنطق بحد ذاته بل الفكرة الضامنة له. المنطق يقول إن هناك فرقاً بين من لا يكترث بما يحدث ومن هو قلق ويشعر بالذنب. ولكن هل هناك جدوى بإقناع غير المكترث بجدوى الاكتراث؟! الفكرة الضامنة من وراء من يقوم بجلد الآخرين هي أنهم أولاً يقومون بهذا لتخفيف شعورهم بالقلق، ثانياً، أنهم متطرفون من دون إدراك، فإن لم تكن مثلي فأنت ضدي، ثالثاً يطالبون الجميع بنفس الشعور ونفس الفعل مثلهم وهذا أيضاً تطرف، رابعاً جلد الآخرين مثل التحدث مع الأفراد على أنهم غير مدركين. يمكن لِمن لا يعيش في هذه المنطقة أن يكون غير واعٍ لما يحدث، وهذا لا يستحق الجلد بل التوضيح، ومن غير الممكن لمن يعيش في هذه المنطقة أن يكون غير واعٍ لما يحدث فيها. فالتحدث معهم بهذه الطريقة كأنهم غير مدركين يضعهم في خانة الأطفال الذين لا يدركون أن غيرهم أيضاً يفكر ويشعر.
يقول ماركس: التاريخ (إذا أعاد نفسه) يعيدها في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة. إذا ما تعلمنا شيئاً من الذي يحصل، فهو أن موضع الضحية هو أحد أسباب تحكم الغرب بنا وأحد أسباب فقدان قيمتنا لأنفسنا. وإذا تعلمنا شيئاً فهو أن القيمة الكبرى للإنسان، لأنفسنا أولاً، ولوجودنا، ولطموحنا، وإدراكنا، وحياتنا، فالحق في الوجود ينتزع ولا يطالب به.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1158