«تلويحةُ الصقر لفرخ الكوكو»
طارق عدوان طارق عدوان

«تلويحةُ الصقر لفرخ الكوكو»

تقول الحكاية إن عبد الرحمن الداخل قد عبر النهر واجتهد وبكى واستنتصر بأسه حتى شكّل كينونته في التاريخ؛ ففي قرية من قرى مصياف، تلك المدينة السورية الحمّالة الأوجه والقُبَل والضيوف، والصبايا على احتمالات فتنتهن حصل شيءٌ مشابه: فقيرون مسقط رأس الشاعر ممدوح عدوان على روحه الرحمة والعتب؛ عتب الفراق وعتب المحبة. هناك في قيرون كان نهر القرية يطوف كل شتاء على جسرها الحجري القديم فيشطر القرية إلى ضفتين بل قل إلى زمنين: الماضي الأليف والمستقبل المجهول المخيف.

كان النهر عظيماً مخيفاً، وكان الأطفال وحتى الشبان بما نحت النهر من عضلاتهم وأجسادهم المصقولة يرخي بتحنانه الصيفي عليهم تلك الطلعة الشمسية، فيستوعب يانسون أرواحهم عندما يقفزون فيه تباهياً أمام الحسناوات الفقيرات، فقر القرية من ذياك الجبل العظيم،..كانوا يتراجعون أمام سطوته الشتوية الكحلية..

هناك قرر الطفل مدحت مصطفى (ممدوح عدوان) أن يعبر النهر شتاءً، ليردَ مدينةَ مصياف كما تردُ رشفةُ العرَق شفتي الصّاب، ليتم فيها دراسته الابتدائية، وذلك بعد أن كان نجم القرية الطفل، أو طفلها النجم؛ مؤنس العجائز والشيوخ ممن كانوا يتحلقون حوله ليسمعوا الأخبار من الجرائد؛ فقد أودعه خاله حسن (الفقيه المفوه) حبقةً صغيرة من حبقِ اللغة وتركه للدهر، يصقله ويزرع الدمعَ والغربةَ والعشقَ في روحه التي نتحت شعراً..وصوته الذي نضحَ قهقهةً نبيلةً عاليةً صخبة، بشهادة المدن ونسائها.

من مصياف إلى حماة، التي أتمت سعي النهر في روحه، حيث «العاصي» عمرٌ صمم له ممدوح عدوان نواعيره بعنين الحرف والغربة؛ ليرميه عاصي الأنهار من طفحٍ مجدداً إلى سنديان مصياف التي كانت تحتفل بثانويتها، فينال الثانوية في بيت الشيخ النبيل «أبو النصر- جابر عثرات الكرام». ومنه إلى بردى، حيث المدينةُ تنصبُّ على نهرها الفردوسي انصباب الخمر والنهد على شاعر لا تكفيه محبرة ولا تسعهُ مقبرة..هكذا عبر ممدوح أنهاره فمن نهر «قيرون» المخيف في مخيلة طفل أبحر إلى ضفته الأُخرى مروراً بالعاصي ومنه إلى بردى كانت دمشق وعاء الدمع والقهقهة...مات فيها الشعراء جوىً وصباً وما زال اكتمالها حلماً عصيَّاً على الكَلِمِ .دمشق التي تتبنى النَّجم بعد أن يدفع لها فاتورةً من سعالٍ وعشق، فاتورةً عظيمةً من الحيرة والدهشة. فما بين سماواتٍ تُفتح في هذه المدينة مع كل زقاق وكل فقر وكل بطحة عرق.. قصيداً قصيداً، وامرأةً امرأة، وبين السماء الأصلية العتيقة، التي تقعُ وهي ترقُصُ على هجس العقل ولهفة القلب السريع.. قلبٌ من سنديان على ريحٍ دوماً، ليسَ له إلا أن يرُدَّ عدوان العشقِ لُغَةً لها.

من دمشق انطلق البوح والنوح وانتصار اللغة على الغربة القديمة وعلى وجع الحلم المستدام فكانت (ظلاً أخضرَ) يرعى الرؤيةَ والبصيرة..فلا نساءَ على قد الوجع ولا وجعَ على قدِّ دريئة العينِ والفؤاد يقول عمي ممدوح عن تلك الأيام من قصيدة فرخ الكوكو: (عندما أجهشَ مزراب الحديقة؛ عندما نقر على شباكي البرد؛ لم يكن عندي أحد؛ فدفنت الوجه في ثلجِ فراشي؛ وبكيت..).

خريج الأدب الانكليزي المتفوق؛ والنجم الخارج إلى حيوات دمشق مملوءاً بوقودٍ علميٍّ أدبيٍّ أصيل، نبت فيما بعد في مسرحياته وأعماله، ووُلِدَ من جديد في عُبِّ ترجماته، وفي الكل كان الشاعرُ يتحرك ويشاغب ويعشق فيه، ويعبث بأمد الجملة حتى تُرضي زفير الروح؛ تلك الروح المشكومة بالوطن ربوعاً ودياراً ونساءً وخمراً، تلك الروح المياسة على (دماءٍ تدق النوافذ).. النافذة الرائحة، العميقة الامتصاص.. تلك الروح التي تواجدت في وطنٍ محترفٍ باختراع الحروب وفرسان الحروب، موهوبٍ بتواجد النساء خطوةً خطوة..غصَّةً غصَّة على درب الشِعر، الشعر الذي لم ينسَ «العدوان الممدوح الوحيد في الوطن العربي» ــ كما وصف نفسه مرةً على أثير إذاعة «مونتي كارلو» مع الرائعة «هيام الحموي»ــ أنَّهُ حربُّ طويلةٌ معَ القلب ومع السماء فكانت خطوته على ذياكَ الدرب نفحة الطاقةِ الكبرى التي قد تلِدُ عازفاً أو راقصاً أو مقاتلاً أو بكَّاءً طفلاً؛ فكان الشاعر الذي يحُثُّ ذئابَ الروح التي تجرُّهُ شوقاً إلى (جنونٍ آخر)..فيستجدي النسيمَ ليدعوه إلى طيرانٍ خفيفٍ بلا ظِل ثقيلٍ ثِقَلَ الحرف..إلى (طيران نحو الجنون) كتابه الذي يقول فيه: «ولأن الجسد يرفرف منتشياً من ذكراك، طفتُ القلب؛ وأخليتُ بأعماقي الأفلاك، أفرغت الروح وعطّلت حواسي، ليليق القلب بسكناك، أنا صرت الناي، لأني ضقت بذكراك، فتعال اعزفني وانفخ روحك، كي تسكب فيّ أريج حنانك؛ وتروِّب كل حناني لجنانك سأغني، أو أترنم؛ أو أترنح كي لا يفهم أحدٌ؛ حجم هواني بهواك؛ وكَوْني طوع بنانك؛ فأعنّي إذ ينحفر بقلبي مسراك..تعالَ اسكنّي..كلّمني لأراك..أطلق ما حبست دنياي من كلمات تعترض لساني كالأشواك».

 

المرجل

ممدوح عدوان الذي طفا وتمايل على وجه الجغرافيا، كما تطفو أعشاب الغوطة على ضفتي بردى سكرانةً من جاذبية النهر الآسرةِ من جهة؛ ومن ارتباطها الوثيقِ العتيقِ بالتراب من جهةٍ أخرى، لم يكن لديه إلا أن يتماهي مع وطنه العربي بكل حالاته وهمّه الفلسطيني؛ ممهوراً بإيقاع القصيدة بقيَ على قيد الحياة والشعر وأنجبَ من القصائد والدواوين ما لم يكفِهِ حينها لشرح الخيبة، فاللغة لا تحب الهزيمة، لنجد أن الدماءَ عنده أخذت تدق نوافذ الروح، التي أعلنت معركتها معَ (الزمن المستحيل) الذي أقبل وما زالت وتزال فلسطين وجع الوجدان وجرح القصيدة النازف؛ فبعد خيبة الـ67 ما كان منه إلا أن تطوع في الفدائية الفلسطينية، نازلاً بأغوارها كما تنزل الشوكةُ في حلقِ الخندق، وبعدها عمل كمراسل صحافي في الفدائية الفلسطينية، وبعدها مراسل حربي في الجيش العربي السوري في حرب تشرين، الحرب التي أنعشت الوجدان العربي، فكانت الحرب التي يُشار إليها كحدٍ فاصل إيجابي في حياة العنفوان العربي بمليكتيه دمشق والقاهرة، كانت الحرب هذه المرة نصراً على دربِ نصرٍ أكبر. إلا أن الجرح العربي ظل مرابطاً ملازماً كلَّ من صح انتماؤه، هنا أذكر كلام عمي من مسرحية «لو كنتَ فلسطينياً» إذ يقول: «لو كنت فلسطينياً ماذا تفعل؟.. لو صودرت الدمعة في عينيك؛ وقالوا: كن عاقل؛ لو جروك لتقبيل يد القاتل؛ لو قطعوا حبل الذاكرة مع الماضي؛ ماذا تفعل؟ لو منعوا عنك حياتك في الحاضر.. ماذا تفعل؟ لو سدوا في وجهك أبواب المستقبل؛ لم يسمح لكَ أن تسأل؛ لم يبقَ أمامك إلا أن تتحمل أو تتعقل؛ أو في صدرك ينفجر المرجل.. لو كنت فلسطينياً... ماذا تفعل؟).

كلمة «المرجل» الواردة في المقطع الشعري السابق، قد تقود بشكل أو بآخر نحو مزيدٍ من الكلام عن ممدوح عدوان، عندما يُضيِّعُك بغناه وتعدده، ويجعلك تحيد عن الخط الموضوع للحديث عنه؛ نعم المِرجل هو أقرب إلى ما كان يسكن صدره أو حفرةً متكئةً على يسار الصدر..هذا المرجل الذي جعله يتمدد على عرض الحياة والقليل من طولها وضمن له أن يكبر من دون أن يشيخ...هذا المرجل الذي أحسنَ «عدوانُ» إعادةَ إنتاجهِ سلوكاً وعشقاً وهاجساً وطاقةَ عملٍ مدهشةٍ استمرت حتى الثانية الأخيرة من عمره الذي كلله نزق الشباب، مما لا يجعلك تنتبه إلى شعره الأبيض أو جفنيهِ المنتفختين، وإلا وأن تضحك معه، على أنه حليق الرأس «على الموضة» بعد أن كلفته معركته مع السرطان فقدانَ غُرَّتَهُ النبيلة الرشيقة التي ترشحُ خمراً ونساءً ومدناً أتعبها الاحتفال بحضوره الشقي البهي.

المرجل الذي يلِدُ في كل لحظةٍ منسفاً جديداً من الأحلام، فتمل الروح من مائدةِ العمرِ المكتظَّة، لتنفجر انفجار الطلعِ على القصيدِ قارعةً النجمَ كأساً، مكملةً مدارَ العمرِ على شباب، خفيفة كثيفةً ملآنةً.. ترنو إلى ما خلفتهُ وراءها من وطنٍ يلوِّحُ بأيدٍ مُتعَبَة، مترفةً مترفعةً.. تبسمُ إلى عاشقاتٍ وكؤوسَ كُنَّ يُؤنسنَها في ذياك الخضم، التي أنسنتهُ يمَّاً عن سبق إصرارٍ وشعر.

ممدوح عدوان الذي خانه الجسد بعد أن نذر نفسهُ عُكازاً للحياة والفرح، عكازاً من صخبٍ ونزقٍ وعمل قال لها: «تسنَّدي وأَثقلي يا قاسيةُ يا فاتنة، والألفِ.. إني لمغادِرُكِ يوماً على حينِ غدر؛ سأكون اليوم حراً وبعيداً .. ما أرى في العتم مما لا يراه الناس ملكي .. ولذا أنفرد الآن بنفسي علّني أحكي وأحكي... وعلى نول ظلام القلب والوحشة ..أبقى مفرَداً أنسج أهلاً ورفاقاً ونساء ..وبهم أبدأ ما أحسبه ليلاً جديداً؛ أبدأ العمر الذي يبدو جديداً؛ أبدأ الليل كما أُنهيه وحدي؛ لستُ أخشى أن يوافيني البكاء؛ ثم لن يخجلني أن أدفن الرأس على أي غطاءٍ.. ثم أبكي. غَدَرَ الجسد.. فغادرت الروح انتقاماً لنجواها...بكى لها الصَّفصاف ولوَّحَ لها السنديانُ ثم نخَّ كناقةٍ استشعرتِ الفّقد..في قيرون مصياف».

 

*(سينمائي سوري)

المصدر: السفير

آخر تعديل على السبت, 26 نيسان/أبريل 2014 20:37