السينما السياسية عند فرانشيسكو روزي
المخرج المخرج

السينما السياسية عند فرانشيسكو روزي

كان اتساع الصراع الطبقي في إيطاليا خلال الستينات المحدد الرئيس في انقلاب الجماهير ثورياً باتجاه اليسار، وتحديد الثورة البروليتارية كأولويةٍ لدى المناضلين من أجل التقدم، وتطور المجتمع. لقد عمَّت الإضرابات الضخمة أنحاءَ إيطاليا، وواجهت السلطة العمالَ والفلاحين بالنار في شوارع روما والمدن الأخرى خلال صيف 1960. إثر ذلك، دبَّت الفوضى وعمَّت الصراعات أغلب المدن الإيطالية طيلة أربعة أعوام. وساهم ذلك في بلوغ الحزب الشيوعي الإيطالي مستوى جديداً بلورَ الصلة بين أفكار الديمقراطية والاشتراكية لحركة المقاومة، والطبقة السياسية الجديدة الثائرة المرتبطة مع الفلاحين والمثقفين الجدد، على طريق النضال من أجل الاشتراكية في ظروفٍ اقتصادية صعبة واحتدادٍ للمعارك الطبقية.

وهذه الصلة حددت بدورها مسبقاً حركة وبدائل أشكال الفن والتصورات الجمالية، وأدَّت إلى استمرار مرحلتين من السينما الإيطالية بعد الحرب: الواقعية الجديدة والسينما السياسية في الستينات والسبعينات، والتي عكست على نحو أكثر كمَّاً- لا حركةً- الأحداثَ التاريخية وقوى الأمة الحية.
لا يمكن خارج ذلك فهم طبيعة التغيرات التي طالت الفنَّ التقدمي الإيطالي، والإنجازات التي حققها المخرج فرانشيسكو روزي (كتب وشارك في كتابة جميع أفلامه) في مجال صياغة السينما السياسية والاجتماعية. فمنذ انطلاق فيلمه الأول «التحدي»، حاول روزي دمجَ الإشكالية «الإنسانية» الخاصة، بالتاريخ الاجتماعي الذي يحدد حياة أبطاله. وفي سبيل تعميق هذه المسألة بالذات، بحث عن إمكانات جديدة للاستحواذ على المتفرج، وعن طرق جديدة للاستعراض المرئي وشعبية السينما الاجتماعية، واتَّبع تحطيم وكسر «الحاجز الذهني» بين الفيلم والجمهور، والبحث الدائب عن معادلة خاصة للصلة مع القاعة وخصوصيتها.. تلك هي الميزة التي تطبع أفلام روزي، الباحث المستميت عن الأجوبة الزئبقية عن الأسئلة الجذرية حول وجود الإنسان في عالمنا المعاصر.
بعد فيلمه الأول «التحدي» أخرج عشرة أفلام أخرى، حصدت سبع عشرة جائزة دولية: الدب الذهبي في مهرجان برلين 1962 عن فيلمه «سالفاتوري جوليانو»- الأسد الذهبي عن فيلمه «الأيدي فوق المدينة» في مهرجان البندقية 1963- غصن النخلة الذهبية عن فيلمه «قضية ماتي» في مهرجان كان 1972- الجائزة الذهبية في مهرجان موسكو السينمائي عن فيلمه «المسيح توقف في إيبولي» 1974.. سنتوقف عند فيلمه الثالث «سالفتوري جوليانو» الحائز على جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين الثاني عشر، وجوائز الشريط الفضي لأفضل إخراج، وأفضل موسيقا، وأفضل صورة بالأبيض والأسود..
«سالفتوري جوليانو» مجرمٌ وقاتلٌ لعشرات الضحايا، نال لقب العقيد بسبب دعم أمريكا وقوى التحالف والمافيا له، إذ تلقَّى منهم أمراً سرَّياً مفاده «اقتل من الشيوعيين بقدر ما تستطيع»، وقد نفَّذ بإخلاصٍ الأمرَ وأوامر أخرى، وأصبح رجلَ عصاباتٍ وقاتلاً سياسياً بعد تمكنه من جمع الجزء الأكثر تخلفاً وفقراً من الفلاحين حوله.
وبسبب عداء ذلك التحالف للمناضلين التقدميين، واستخدامه المافيا وأخطر المجرمين للتخلص منهم، بالإضافة إلى ابتزازه الفقراء من الفلاحين، قَلَبَ المخرج فرانشيسكو روزي الطاولة، كي يحطم ويقضي على كسل المشاهد.
إن روزي إذ يطلق على فيلمه اسم الشخصية الرئيسة التي تدور الأحداث من خلالها، لا يجعل جوليانو بطلاً رئيساً؛ فشعب صقيلية، المكون من الفلاحين المفقرين بسبب الخداع السياسي والجريمة السياسية، سيصبح بطلَ الفيلم، جنباً إلى جنب السيرورة التاريخية حين يجد مئات من الناس أنفسهم متورطين في الحبكة المعقدة للتناقضات الاجتماعية والطبقية!
لم يحل دخول الحلفاء 1943 إلى صقيلية المتعبة والمنهكة بالحرب تناقضاتِها، بل زاد حدتها؛ فمُلَّاك الأراضي فيها وجدوا من الحلفاء دعماً قوياً في صراعهم ضد الشيوعيين والقوى اليسارية.
ويجد الصقيليون أنفسهم مفيدين مرة أخرى بعد مأساة الحرب! إنهم يدفعون للحلفاء والمافيات الحبوب، الزيوت، والحرير.. من أجل صناعة مظلَّات الطائرات. كما أنهم يدفعون مكرهين للدولة التي تحمي وتحتمي بالقوى المعادية للثورة، والساعية لتوظيف حركة الانفصال في صقيلية التي بدأت في الأربعينات لصالحها.
فهذه الحركة التي أطلقت في بدايتها شعارات الدفاع عن مصالح الفلاحين وتطور صقيلية المستقل، وضمت بشكل كبير الفئات الأقل تطوراً والأكثر فقراً من الفلاحين، سرعان ما انقلبت لتصبح سلاحاً في أيدي القوى الطبقية الرجعية.
يبدأ المخرج فيلم «سالفتوري جوليانو» من النهاية: الجسد الميت للمجرم (جوليانو) مصوَّراً من زاوية عالية، متكوماً على الأرض في باحة صغيرة في جمهرة كالسيالفيترانو. السكان الصامتون المخدرون، المهتاجون والمساهمون زمناً طويلاً في إخفاء جوليانو عن أعين البوليس ورجال الجيش، وموظف الشرطة الذي يتفحص الجثة دون رغبة. إنَّ هاتين القوتين منذ اللقطات الأولى للفيلم تقفان متواجهتين، تضمران- إضافةً إلى العداءَ لبعضهما- منابعَ المشاكل الاجتماعية العميقة التي سيظهرها (روزي) خلال الفيلم بعناءٍ بالغ.
ينتشر إذاً في اللقطات الأولى ضوءٌ ساطعٌ مبهرٌ يبدو أن جموع الناس تغرق فيه، وهناك ميت! ثم يعود بنا الفيلم إلى الوراء.. إلى الأحداث التي عصفت بالبلاد وخاصة في صقيلية، وصوتُ معلِّقٍ يتلو مقتطفاتٍ من جرائد ووثائق تلك السنوات الدامية: «باليرمو 1945، كل الصيقليين يؤيدون انفصال صقيلية، الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا تدعمان الحكومة الانفصالية. الإنكليز يصرّحون: لقد خضعت صقيلية خلال سبعةٍ وثلاثين عاماً لسلطة الحكومة الإيطالية.. كفى!».
تعرض الكاميرا بحركة بانورامية بطيئة سهلاً وتلالاً قديمةً جافة، ثم تتوقف، لتستعرض سريعاً لقطاتٍ عدة للصدام بين الفلاحين الانفصاليين والشرطة والجيش، وإطلاق نارٍ من كل مكان، من الجبال، ومن خلف زوايا المنازل،..، ثم أخيراً (جوليانو) بقوامه الطويل مراقباً من بعيد بمنظاره العسكري. ولكن المخرج الحاذق يخفي وجه (جوليانو) عن المُشاهد طيلة الفيلم، هذا التهميش.. اجتماعياً وفنياً وفكرياً. وخلال عدة مشاهد يبتعد (جوليانو) من الخلف، أو يُصوَّر (سلويت) فتظهر ملامحه معتمة. وبالمقابل، فإن الكاميرا تركز على ملامح الانفصاليين، ووجوه العجائز المجعدة، والفتية الرعاة، الذين التحقوا (بجوليانو) أملاً بالحصول على الحرية الكاذبة.
يغني عجوزٌ للأرض البائسة على وقع الإيقاعات الحزينة: يا أزهار صقيلية البيضاء.. دمنا الأحمر سيجعلك حمراء.. وأطفالنا سيعيشون أحراراً فوق أرض حرة. وقد كرَّر (روزي) تصوير هذا المشهد عدة مرات بتأثرٍ بالغ بالعجوز الذي انتحب حزناً على الأماني الميتة والآمال المدفونة كلما غنى. يلي ذلك، مظاهر الاحتفال الصاخب للفلاحين مع عائلاتهم بالأول من آيار 1947، فهذا اليوم هو عيد للعمل الحقيقي. لقد كان عددهم أكبر هذا العام؛ إذ شاركت فيه الجبهة الشعبية المنتصرة في انتخابات 20 نيسان 1947، والتي ضمنت الشيوعيين والاشتراكيين بمناسبة أول استفتاء جرى بعد الحرب رغم محاولات اتحاد المسيحيين الديمقراطيين مع قوى الملاكين والمافيا الفاشلة. وقد بدا واضحاً أنهم لن يقبلوا بالهزيمة، ولن يخضعوا للمطالب الشعبية، وبسبب ذلك تلقى (جوليانو) الأمرَ بالانتقام من الشيوعيين.
وتبلغ الأحداث ذروتها، لدى قيام (جوليانو) وجماعته باستهداف الاحتفالية المقامة لتلك المناسبة في قرية (بورتيلا جينينسي) الصغيرة. وهناك جرت إحدى أكبر المجازر ضد مناصري الجبهة الشعبية والتقدميين من اشتراكيين وشيوعيين.
صور فرانشيسكو روزي هذا المشهد بعد تعمُّقٍ في دراسة نفسية الجنود والفلاحين المضطَهَدين الذين يصبحون سلاحاً بيد الثورة المضادة التي تمارس العنف. وذهب أبعد من ذلك بكشفه الشروط الاجتماعية التي تؤدي إلى الوضع الذي يمارَس القمع فيه بلا عقاب. وتختزل شخصية (سالفاتوري جوليانو) كل تعقيد المشهد.
إنَّ فكرة التأثير المجازي على الفن متطورةٌ إلى درجة كبيرة في سينما فرانشيسكو روزي. وهو لا يتخلَّى عن كشف الوقائع على مستوى الحُكم الاجتماعي والأخلاقي، وبهذا يبقى مخلصاً للمبادئ الرئيسة للواقعية الجديدة، ومقيْماً للصلات مع المتفرج انطلاقاً من مستوى نوعي جديد، لا يقتصر دور المشاهد فيه على التعاطف والمشاركة الوجدانية مع المشاهد المصورة، بل على العكس! فهو ينحِّي المواد المصورة، ويعيد تكوين الواقع المفتوح أمامه، ويصوغ مفهومه الخاص حول مشاكل الحياة الواقعية التي تحتاج إلى حل.

معلومات إضافية

العدد رقم:
953
آخر تعديل على الإثنين, 17 شباط/فبراير 2020 13:12

قد يهمك قراءة إحدى المقالات التالية