الحدباء.. الطنبورجي في بيت الله
سومر وحيد سومر وحيد

الحدباء.. الطنبورجي في بيت الله


من سومر وأكاد إلى المندائية والمانوية صنع أهل منطقتنا تشكيلة من الطقوس الدينية التي تتوافق مع معتقداتهم المتنوعة والمتغيرة، بما يتناسب مع تغير معطيات الحياة وتنوع النظرات.

لكن هذا التنوع والتناوب بحد ذاته فرض احتراماً لجميع تلك القناعات والمعتقدات، لأنها بتشكيلتها وتجاورها وتماسها اليومي أثبتت وحدة هذا النظام المتكامل، بإرضاء كل طرق التفكير، وأصبح هذا المنهج التكاملي التفاعلي بحد ذاته طريقة يمكن اعتبارها مدرسة في سبل العيش الإنسانية.
ولإن كانت الحدباء ككثير من الرموز التراثية واحدة من شواهد هذا النهج، فليس من المستغرب أن تكون هدفاً للتدمير بما تعنيه من رمزية واضحة لهذا النهج المستهدف خصوصاً من طرفي النقيض المتصلين (في نهاية المطاف) ألا وهما الأصولية والتغريب.
منارة الحدباء رمزٌ تاريخي
تعد منارة الحدباء رمزاً تاريخياً وحضارياً لمدينة الموصل، ويعد جامعها النوري الكبير من جوامع العالم القديمة، بناه الأمير نور الدين زنكي في عام 1172- 1173م، وقد فجّرت يوم 21 حزيران الجاري، وقد أعيد إعمار الجامع النوري عدة مراتٍ، كانت آخرها عام 1363هـ/ 1944م. واتّهم تنظيم داعش بتفجيرها وإزالتها، يتوّسط الجامع النوري الكبير، بمنارته الطويلة ومآذنه العديدة، قلب الموصل القديمة.
خلافة «أبي بكر البغدادي»
أعلن زعيم تنظيم داعش الملقب «أبو بكر البغدادي»، الخلافة من على منبر هذا الجامع، وخطب الجمعة في 4 تموز 2014 م. وبعد ثلاثة أسابيع، بدأ تنظيم «داعش» بنسف جوامع النبي يونس والنبي شيث والنبي جرجيس وغيرها من الأضرحة والمقامات والنصب، وأقدم على تفجير الجامع النوري ومنارته الحدباء، لكن بعض أهالي الموصل تصدّوا لهم، ومنعوا المسلّحين من القيام بذلك، باعتصامهم في الجامع الكبير، الذي تعرّض للقصف مرات في معركة الموصل (2016–2017)، ما هدّد بانهيار المنارة، وفي يوم 21 حزيران 2017 م دُمر الجامع ومنارته الحدباء بعد تفجيرها.
وصف الرحالة ابن بطوطة الجامع الكبير ومنارته وصفاً دقيقاً، وهو أول من سماها الحدباء، في القرن الرابع عشر، إذ كتب إثر زيارته الجامع: «بداخل المدينة جامعان، أحدهما قديم، والآخر حديث. وفي الصحن الحديث منهما قبةٌ في داخلها خصة رخام مثمنة، مرتفعة على سارية رخام، يخرج منها الماء بقوة وانزعاج، فيرتفع مقدار القامة ثم ينعكس، فيكون له مرأى حسن».
ميلان نحو الشرق
كان هذا الجامع قد دمّره المغول عام 1260م، ولكن المنارة بقيت شاهقة وصامدة، وقد رمّم الجامع ومنارته عدّة مرات، حيث بقيت ثابتة منذ مئات السنين. وتمّ تفسير ميلان المنارة نحو الشرق بعدة تفسيرات أسطورية، وقدّر الميلان بـ 253 سم قبالة محور عمودي. لم تكن المنارة مستقرّة منذ قرون خلت، ما كان يشكّل مصدر قلق بسقوطها يوماً، ولكنها صمدت قرابة ثلاثة عصور (900 سنة). لم تسقط، بل انهارت اليوم، بفعل تفجيرٍ بالألغام عمداً، وعن سبق إصرار.
شهدت الموصل نهضة عمرانية وفنية وإنتاجية واسعة على عهد الأتابكة الزنكيين، وكان لمنارة الحدباء طرازها الفريد، إذ اشتهرت بالزخارف الجبسية، والمحراب قديم جداً. تتألف المنارة من قسمين، أحدهما أسطواني في الأعلى، يقوم على قسم آخر منشوري. ويشتمل الأول على سبعة أقسام زخرفيه آجرية نافرة مرتبة حلقات.
كثرت الآراء بشأن احتداب المنارة وانحنائها نحو الشرق، لكن لا يُعلم السبب الحقيقي في حدوث هذا الميلان أو الاحتداب.. وكان هاجس الانهيار وارداً، بسبب زيادة نسبة المياه الجوفية واهتراء القاعدة، إذ أدرجت مؤسسة الصندوق العالمي للآثار والتراث في قائمة المائة أثر الأكثر تهدّداً في العالم.
عندما تهدمت أجزاء من منارة الجامع النوري الكبير الحدباء في الموصل في سنة 1940، طلبت الحكومة العراقية من عبودي الطنبوره جي، وهو أشهر بنّاء ومعماري في الموصل في القرن العشرين إصلاح ما كان قد تهدّم، وإعادة بناء أجزاء ما تهدم، خصوصاً أنها في مكان عال وله خطورته. وافق وجهز العدة والعدد، وقد أنزلوه من أعلى المنارة بصندوق خشبٍ مربوط بحبال قوية، وأكمل بناء الجزء المهّدم، وأعاد النقوش إلى حالتها الأولى والناس متجمعة في الأسفل تترقب متخوفة، وقد أكمل مهمته ونزل.. فتقدّم متصرف الموصل شاكراً له صنيعه، وسأله عن أجوره في ما قام به، فأجابه الطنبورجي: هذا جامع، وهو من بيوت الله، وأجري عند الله، علماً أن المعمار عبودي الطنبوره جي مسيحي موصلي. وهي قصة حقيقية شهيرة، يردّدها الناس دلالةً على قوة التعايش بين المسلمين والمسيحيين في الموصل قديماً.
تمّ التفجير يوم الأربعاء 21 حزيران. وكان مقرّراً أن يتم تحرير الجامع الكبير يوم الخميس، ما جرى فعلياً في نوع من الإصرار الدلالي على كون فعل داعش التدميري هو طريقة التعبير المباشرة عن طرفي النقيض المتصلين (المتلاصقين في هذه اللحظة) ألا وهما الأصولية والتغريب في شكليهما الأميركي (التغريبي اللامنتمي) والداعشي (الأصولي اللامنتمي أيضاً).

معلومات إضافية

العدد رقم:
817