وجوه السينما الجديدة في لبنان
نديم جرجوره نديم جرجوره

وجوه السينما الجديدة في لبنان

لعلّ المقولة المتداولة في الوسط السينمائي اللبناني منذ أعوام قليلة لا تزال صالحة وحيوية: هناك مخرجون لبنانيون شباب يصنعون أفلاماً يُمكن اعتبارها بمثابة إضافة نوعية إلى البناء الإبداعي السليم. مقولة مُترجمة بأفعال حيّة، أي بأفلام تستحقّ المُشاهدة الدقيقة أولاً، لكنها تستحقّ نقاشاً مفتوحاّ على الاحتمالات كلّها ثانياً. الفعل العمليّ واضحٌ بفضل مزاياه الجمالية: مواضيع حسّاسة ومهمّة ودقيقة. معالجات سينمائية تضع الصورة ولغتها في واجهة العمل، من دون التخلّي عن القراءة الدرامية للمواد المختارة. محاولات جدّية لصنّاع الفيلم الوثائقي بهدف بلورة خطابه الجمالي والسينمائي، وتحريره من تقنية الريبورتاج التلفزيوني والنضالي الجماعي.

التوقّف عند النتاج السينمائي الشبابيّ لا ينحصر بالأعمال الخاصّة بمتخرّجي الجامعات. هناك شبابٌ أنجزوا «الفيلم الأول» أو «الفيلم الثاني» بعد مثابرات ومحاولات متفرّقة، كشف (الفيلم الأول أو الثاني، أو الأول والثاني معاً) وجود نواة جمالية مهمّة، قابلة لتطوير أدواتها في الاتجاه الصحيح، إذا ارتأى صاحبها استكمال بداياته بما هو أفضل وأحسن وأجمل. هذا كلّه منسحبٌ على الأنواع المختلفة: الروائي الطويل والقصير، كما على الوثائقي. ففي الأسابيع القليلة الواقعة قبيل نهاية العام 2013 تحديداً، عُرضت مجموعة من الأفلام اللبنانية القابلة لنقاش تحليلي خارج إطار «العرض التجاريّ المحليّ»، علماً أن أحدها سيُعرض تجارياً بدءاً من 23 كانون الثاني 2014، وهو روائي طويل لمحمود حجيج بعنوان: «طالع نازل». ثاني هذه الأفلام روائي طويل أيضاً أنجزته مجموعة من طلاّب «جامعة سيّدة اللويزة» في تجربة أولى في مجال الإخراج الجماعي، وهو بعنوان: «وينن» (يُتوقّع إطلاق عرضه التجاري في نيسان 2014). إليهما، هناك الوثائقي الطويل الأول لديالا قشمر بعنوان: «أرق»، وثلاثة أفلام قصيرة: الروائيان «عكر» لتوفيق خريش و«7 ساعات» لفرح الهاشم، والوثائقي التجريبي المغاير للسائد «الارتباك» لعلي شري. 

الاختلاف المتنوّع حاضرٌ بين الأفلام كلّها. باستثناء الفيلم الجماعي، كل واحد من الأفلام الأخرى حمل في طياته أبعاداً جمالية متنوّعة. «وينن»، الذي أخرجه طارق قرقماز وزينة مكي وجاد بيروتي وكريستال اغنيادس وسليم الهبر وماريا عبد الكريم وناجي بشارة، وقع بين فكّي كماشة: الأول إيجابي، متمثّل باختياره مادة لا تزال حيوية في الاجتماع اللبناني وهي مسألة المخطوفين والمفقودين. الثاني سلبي، متمثّل بأسلوب المعالجة البصرية والدرامية. المتتاليات البصرية المعقودة على مجموعة قصص يُكتَشف لاحقاً أنها متكاملة لم تتوطّد في سياق درامي متكامل. كل متتالية بدت كأنها مستقلّة بحدّ ذاتها، وهذا أمر حسن بالمبدأ، لكنها محتاجة إلى خط درامي يربطها في سياق واحد متكامل. غير أن المضمون مُسطّح، بل عاديّ للغاية، ومليء بالندب والبكائيات، ولا يُقدّم جديداً لا على مستوى التحليل النفسي لأهالي المخطوفين/ المفقودين، ولا على مستوى الصراعات الداخلية، ولا على مستوى البُعد الاجتماعي/ السياسي/ الإعلامي للمسألة، ولا على مستوى الجماليات السينمائية. الأسماء التمثيلية كثيرة: أنطوان ولطيفة ملتقى، كارول عبود، كارمن لبّس، تقلا شمعون، ندى بو فرحات، طلال الجردي، ديامون بو عبّود، إيلي متري، رودريغ سليمان. فصول/ مقتطفات من الوجع والقهر والمواجهة. فصول/ مقتطفات من الألم والرغبة في الخلاص والصراخ من أجل كشف الحقيقة ومعرفة المآل التي بلغها هؤلاء المخطوفون/ المفقودون. لكنّ المضمون عادي للغاية، وتجربة الإخراج الجماعي محتاجة إلى براعة المخيّلة والإدارة الفنية في صنعها. أي أن القيمة الإنسانية للنصّ المكتوب لم تعثر على ترجمة بصرية تتوازن وإياه على المستوى الجمالي.

النقيض الروائي الطويل المباشر له كامنٌ في «طالع نازل». أساساً، لا تجوز المقارنة. «وينن» ثمرة عمل جماعي لطلاّب جامعيين. «طالع نازل» محطة في مسيرة مخرج ملتزم خطّاً تجديدياً في سينما تجريبية تستمدّ من الواقع الاجتماعي مادتها الاختبارية في استخدام الصورة واللغة البصرية والمونتاج والتفاصيل. عيادة نفسية، ومصابون باضطرابات نفسية يأتونها في اليوم الأخير من السنة، وتفكيك بيئة وذوات وحكايات إنسانية متنوّعة. أحد ممثلي الفيلم هو كميل سلامة في دور الطبيب/ المُعالج النفسي. إنها تجربته السينمائية الأولى، وإن أُطلقت العروض التجارية لفيلمه الثاني «غدي» لأمين درة أولاً. كميل سلامة مثّل أيضاً في «عكر» لخريش: الأب المتسلّط والقامع، والتمزّق العائلي والانهيارات النفسية، والهجرة المتحرّرة من سلطة الأب وبشاعة الحرب، أمورٌ انكشفت مع عودة الابن وعائلته إلى البلد، ولقاء الوالد الواقف على حافة الغياب، أو فيها. اشتغال سينمائي متماسك في رسم ملامح أناس محطّمين، وفي سرد حكاية الوجع الفردي في مقاربة ذكريات وحالات. العودة إلى البلد هنا تُقابلها عودة فرح الهاشم إلى بيروت في «7 ساعات». هذه مدّة زمنية متعلّقة بالمسافة بين لبنان وأميركا. بيروت وشارع الحمرا وحضور المخرجة في الدور الأول عناوين تعكس شيئاً من حيوية الارتباط العاطفي والانفعالي والإنساني للهاشم بمدينتها هذه. علي شرّي في «الارتباك» مهموم بتاريخ الزلازل في لبنان، بقدر ما هو مهموم بلعبة السينما التجريبية، المرتكزة على إبراز قوة الصورة وجمالياتها في التنقيب داخل الهواجس والأسئلة. السرد العلمي جزء من تلك اللعبة، أو مدخل إليها. شرّي «متورّط» جمالياً بابتكار صُور سينمائية مفتوحة على مزيج الغرائبي بالواقعي. صُوره مشحونة بنقاء نصّ سينمائي مفتوح على احتمالات شتّى، وقادر على إثارة العين ببهجة الانفتاح على ما هو وراء الصُور وفيها.

«أرق» حالة خاصّة بالمشهد السينمائي اللبناني الراهن. الوثائقي المتوغّل في بيئة اجتماعية داخل بيروت، يتابع مسارات شباب منتمين إلى الطائفة الشيعية، ومقيمين في «حي اللجا». إنهم شهود على وقائع لبنانية ممتدة من الاجتماعي ـ المذهبي الخاص بهم، إلى السياسي ـ الأمني المتعلّق بالوضع اللبناني أيضاً، من دون تناسي حكاياتهم الفردية الصغيرة التي هي أهمّ وأرقى من أي شيء آخر: الرغبة في الخروج من نفق حياة يومية مثقلة بألف ألم وسؤال معلّق. الاشتغال السينمائي متكامل في جوانبه: البحث العميق والمتابعة اليومية السابقة على تحقيق الفيلم واضحان تماماً في كيفية نبش ما يعتمل في نفوس الشباب وأرواحهم وهواجسهم. المونتاج امتدادٌ لقسوة حكاياتهم ومساراتهم. محاورتهم معاً أو كل واحد على حدة استكمال سينمائي للصورة الأساسية للبيئة وناسها.

هذه نماذج تعكس شيئاً من حيوية العمل السينمائي اللبناني وتنوّعه. التنوّع مفيد. التناقض بين النتاجات، سينمائياً ودرامياً وجمالياً، ضروريّ. الأهم كامنٌ في إتاحة الفرص المناسبة لهذه الأفلام لعرضها تجارياً، ولمناقشتها أيضاً.

 

المصدر: السفير