حوار: رائد وحش حوار: رائد وحش

يكتب عن الهجران والسجون والحرب عارف حمزة: أحسد أولئك الذين ينسون

اشتقّ عارف حمزة طريقاً جانبية في قصيدة التسعينيات السورية، وراح يعبّد طريقه هذه بنصوص غالباً ما أخذت شكل المراثي، حتى أن مدونته الشعرية صارت فرصة لنطل على عذاباتنا كبشر وحيدين ومتروكين.. من جانب آخر اهتمت قصيدته التي نمت بأناة بلغتها الهامسة وكثافتها.. مؤخراً صدرت له مجموعة «الكناري الميّت منذ يومين».. حول هذه التجربة يدور هذه الحوار..

كيف جئت إلى الشعر؟؟ ولماذا الشعر؟؟

في الوقت الذي كنتُ فيه غارقاً في قراءة الروايات، خاصة المترجمة منها، وقراءة النصوص المسرحيّة، التي كانت تزداد في مكتبة البيت من قبل أخويّ الكبيرين، والتمثيل في فرقة المدرسة الابتدائيّة ثم المسرح الجامعي حتى عام 2004 تقريباً.. كتبتُ الشعر وليس الرواية أو المسرح؛ رغم أنّني كنتُ أرغب أن أكون روائيّاً وليس شاعراً. 

لا أدري إن كان أحدنا، في بداية كتابته، يذهب لكتابة معيّنة بقرار منه. الشعر لم يكن عملي الذي أحلم به، خاصّة أنّني لا أحبّ قراءة الشعر مقارنة بالرواية والمسرح؛ وحتى مقارنة بقراءة السير الذاتية للكتّاب... ولكن بعد نشر مجموعتين شعريتين، مع وجود مخطوطة شعريّة لم أنشرها وأخرى ضاعت في إحدى حافلات النقل، أصبح الشعر عملي الكتابيّ الذي أريدُ لو أمارسه بإتقان. أصبح الشعر صنعتي الوحيدة.. وربما ذلك قد يبرر مسحة الحزن والألم الكبيرة التي تُغلّف كتابتي الشعريّة بسبب انحرافي عن طريق الكتابة الروائيّة التي كنتُ أريد. ولكن، بدرجة أو بأخرى، استفدتُ من تقنيات الرواية والمسرح في كتابتي لنصيّ الشعريّ. 

لديك عناوين شعرية بامتياز، عناوين لا يستطيع القارئ مقاومة إغرائها كـ«كنت صغيراً على الهجران» و«كَيَديْ محتاج» و«الكناري الميت منذ يومين».. كيف جعلت العناوين تلعب هذا الدور، مع أنك لا توليها كثيراً من الاهتمام داخل القصائد؟؟

العنوان، بالنسبة لي، هو مدخل جيّد لاستدراج ذائقتي كقارئ للنص فيما بعد. عنوان المجموعة هو آخر عمل أقوم به بعد الانتهاء من كتابة نصوص الكتاب. لذلك قد يأتي العنوان كجملة وردت في إحدى القصائد؛ كما حصل مع مجموعتي «حياة مكشوفة للقنص» و «قدم مبتورة» أو كعنوان لقصيدة داخل الكتاب؛ كما حصل مع مجموعتي «كيدَيّ محتاج» و «الكناري الميّت منذ يومين». ليس من السهل اختيار عناوين الكتب؛ بعد نشر كلّ تلك الكتب على مدار عشرات السنين، بالمقارنة مع سهولة اختيار عناوين القصائد. كنتُ أريدُ أن تكون القصائد من دون عناوين كما كُتبت في الأصل لحظة الكتابة؛ لأنّني لا أكتب عنوان القصيدة واكتب القصيدة من أجلها. بينما وضع عنوان للكتاب هو أمر لا بدّ منه في جمع كل تلك الأصوات وذلك الكلام في فم واحد. 

الألم عنوان بارز في تجربتك.. عارف من أين لك كل هذا؟؟ ما الذي يدفعك إلى أن تقول: «نموتُ موتاً بطيئاً في الطبعة الشعبية للحياة»؟؟

هذا الألم لم يكن ألماً شخصيّاً صرفاً. هناك الكثير من الأصوات والشخصيات التي تعيش في داخلي. وأنا أكتب عن تلك الشخصيّات. فأنا كتبتُ عن التعذيب في السجون ولم أدخل السجن سوى ليوم واحد؛ وذلك اليوم لم يكن سوى نزهة قصيرة لشاب في الخامسة عشر من عمره، وكتبتُ عن الحروب مع العلم بأنّني وُلدتُ بعد انتهاء آخر حرب في هذا المكان. حتى أنّني لم أذهب للجيش كخدمة للعلم لأسباب صحيّة. وكان يجعلني كلام النقّاد أشعر بالغرور وربما السعادة عندما يصف أحدهم تلك الكتابات بأنها «تجربة شخصيّة للشاعر». مع استمرار تدويني لعذابات وآلام تلك الشخصيّات تحوّل الأمر، من دون تدخّل مني، إلى ألم شخصيّ. كنتُ أريدُ أن أكتب تلك الآلام وتلك التجارب والأصوات كي أتخلّص من الشخصيّات الغريبة التي ورثتها من شخص غامض وقصص غامضة والتي ما زالت تعيشُ في داخلي. كي أصل إلى صوتيّ الحقيقي الخاص بي. كي أرى بعينيّ، بعد تخلّصي من كلّ أولئك الناس والأقوام والآلام والحروب والعذابات والأصوات، ذلك السور العالي الذي صنعتْهُ تلك الشخصيّات بيني وبين الحياة.

من جهة أخرى فإنّ الألم، وكذلك العذاب، موجود في كلّ مكان، ليس في السجون والحروب فحسب، بل في المستشفيات، كوني كنتُ المرافق الأبديّ للمرضى ثمّ مريضاً فيما بعد، والأسواق والشوارع وأماكن العمل والتلفزيون.. لأنّ الألم هو أكثر شيء يمكن مشاهدته ولمسهُ بالأيدي وتذوّقه بكلّ الأعضاء ومنها اللّسان. كنتُ أتفاجأ بالذين يتألـّمون بسبب الحبّ، أو الفقدان أو الانتظار أو الغربة أو سوء التفاهم مع المحيط والآخر أو العنوسة أو الترمّل..، إلى أن وقعتُ فيه. أنا شخص سعيد. أضحك كثيراً وأسافر ولي أصدقاء قليلون. لكنّ الشعر هو شيء آخر. الشعر ، ربما، هو الكتابة عن الآخر الذي نجهله ونفتقده ونتوق إليه، وعندما نحصل عليه نريد لو نفقده من جديد. 

بينك وبين بسام حجار خطوط لقاء كبيرة.. النبرة الرثائية، الهدوء، استنهاض الصمت، العالم الشخصي الصغير.. ما قولك؟

لا أدري إن كنتُ أُقلّد الشاعر الراحل بسّام حجّار. لأنني بالتأكيد متأثّر به؛ كما بقيّة الكتابات القليلة التي أحبّها في الشعر. كما أنّني لا أستطيع القول بأنّني أُكمل تجربة الكتابة لديه فهو شاعرٌ كبير. كان بسام حجّار صديقاً عزيزاً ومخلصاً. وكلّما كنتُ أزوره في بيروت لأهديه كتاباً صدر لي كان يقرؤهُ مباشرة. كنتُ أشعر بالتوتر كلّما فعل ذلك. كنتُ أريدُ أن أهرب أو يحدث زلزال مثلاً ونهرب كلانا من المكان كي يتغيّر الموضوع والموقف الصعب الذي وضعتُ نفسي فيه. كان يتحدث عن الشعر وتقنيات الكتابة كأنّه يتحدث عن أقرباء له. الإخلاص هو أكثر شيء يفتقدهُ أحدنا في الحياة ولكن في الشعر لا.

ربما تلك الأشياء التي ذكرتها في سؤالك جاءت من كرهي للأمل. أنا لا أحب الأمل ولا أنتظره. وأعيش كما لو أنّني أموتُ غداً. ولا يهمّني بقيّة القول في أن أعيش أبد الدهر. ودائماً «الحياة هي في مكان آخر»؛ كما كتبها كونديرا على غلاف روايته، وبأنّ «الماضي لم يمتْ. حتى أنّه لم يمضِ» كما قال يوماً وليم فوكنر.

كان بسّام حجار من أهمّ الشعراء الذين كتبوا قصيدة النثر. حتى أنّه، من دون أن يدري، قدّم في كتاباته خصائصها؛ وتقنياتها إذا فكّر يوماً ما النقّاد الكسالى بدراسة قصيدة النثر. ومن السهل التأثّر بشاعر له صوته الخاص مثله. ولكنّ من الصعب أيضاً الكتابة مثله لأنّه كتب الخاص والمهمل؛ لأنّه كتب الحياة، بمفردات وقاموس قليل وضيّق، ولطالما أحيا تلك الكلمات من جديد كي يلعب بها في نصوص لاحقة. كان يكتب الشعر لأنّه شاعر وليس شخصاً آخر. 

 القصيدة التي تكتبها قصيرة ومكثفة.. كأنك تكتب نصاً طويلاً وكل تجربة جديدة هي حركة، مقطع، فقرة.. إلى أي حد ترى هذا صحيحاً؟

المسألة ليست مسألة نص طويل نكتبه طوال حياتنا في الكتابة. لأنّ هذا الأمر محسوم بالنسبة لي. أنا مازلتُ أكتب في مكان آخر وأحبّه. أكتب في ثلاثة أمكنة، هي الهجران، كأحد لوازم الحب، والسجون، كتشريح للكرة الأرضيّة المقيتة، والحرب، كإطلالة على النفايات التي يصنعها البشر والتي تصنعها الأحقاد والتاريخ التافه. ولكن هذا الكلام أتى فيما بعد. أي فيما بعد الكتابة. أنا لا أكتب في ما أفكّر فيه. بل ربّما فيما ما عدّتُ أفكّر فيه. أنا لا أكتب الموضوع ثم أشرحه بقصائد. أنا أكتب الشعر فحسب. وإذا كان هناك إحساس بأنّها حركة أو قطعة ضمن نصّ طويل فهذا جيّد. فأحدنا يريد لو يكتب نصّه الخاص والطويل، وهذا مستحيل بالطبع، الذي سيودي به إلى الكآبة والتجهّم في النهاية. أنا غزير في الكتابة؛ وقد أكتب بشكل يومي، ولكنّني أتعرّض لمشكلة عدم النسيان. أحسد أولئك الذين ينسون وكذلك أولئك الذين يركلون بأقدامهم الأبواب ويمضون من غير رجعة إلى حياتهم السابقة. بقرارات جسورة. وقلوب من حديد. أنا لا أملك قلباً يفعل ذلك. لذلك أنا مرتاح في المقاطع والحركات، لأنّني أخاف وأريد لهذه الحياة التي في الخارج أن تمضي بسرعة بينما أحيا في الداخل بشكل بطيء، ولا يهمّني إذا كان النصّ الطويل سيمرّ بجوار المكان أم لا.