سعدي يوسف... العراقيّ الأخير
 حسين بن حمزة حسين بن حمزة

سعدي يوسف... العراقيّ الأخير

المباشرة والايديولوجيا لم تغيبا عن تجربته، لكنهما تعزّزتا أكثر مع احتلال العراق، وتقسيمه طائفياً وعرقياً. ولعلها من المرات النادرة أن يمتزج فيها الموقف الأخلاقي مع الموقف الشعري بهذه الكثافة في مجموعة «قصائد هيرفيلد التل» الصادرة أخيراً عن «دار الجمل».

في مجموعته الجديدة «قصائد هيرفيلد التل» (دار الجمل)، يحفر سعدي يوسف في الموضع ذاته الذي تختلط فيه اللغة اليومية بالمشهديات واليوميات العادية، والسيرة الشخصية بأفكار هذه السيرة. الموضع ذاته هو تركيز الجهد الشعري داخل قصيدة قصيرة منجزة بدفقة معجمية وشعورية واحدة. قصيدةٌ باتت وثيقة الصلة بتجربة الشاعر في العقدين الأخيرين، وحضرت مذاقاتها وتقنياتها في دواوينه السابقة أيضاً. ما هو يوميٌّ يخفف القصيدة من الأثقال الزائدة للوزن، ويقرِّب التفعيلة من أجواء النثر المحكوم بانضباطٍ إيقاعي وأسلوبي واضح. صفاتٌ مثل هذه جعلت صاحب «قصائد أقل صمتاً» أقرب إلى شعراء قصيدة النثر، بل إن القارئ المستغرق في مطالعة دواوينه الأخيرة يُخيّل إليه أنّ ما يقرأه خالٍ من الإيقاع، وأن قِصَر القصائد، ولغتها الشفويةٌ، وضآلة بلاغتها، يصنع لها حياةً شعرية أطول إلى جوار التجارب الأكثر راهنيةً في الشعر العربي اليوم. صفاتٌ تحولت مع المواظبة عليها إلى جِلْدٍ لغوي ومهارةٍ حِرَفية. مهارةٌ تبدو لأول وهلة وكأنها تتكرر بسهولة، لكن هذا الانطباع يتبدّد سريعاً داخل اللغة التي تغشّنا بمعجمها السهل ــ الممتنع، بينما الزاوية التي ينظر منها الشاعر إلى المشهد أو الفكرة تحوِّل هذه السهولة إلى براعة خالصة. قد نفضّل قصيدة على أخرى، وقد تتفوق جودة بعض القصائد على بعضها الآخر، ولكننا ــ في الحالتين ــ لا نستطيع تجاهل نفوذ الشاعر في لجم الإيقاع، وفي تخفيت النبرة، وفي جعل الشعر مساوياً تقريباً للكلمات التي كُتب بها. بهذه السهولة ــ الممتنعة، كتب صاحب «جنّة المنسيات» تجاربه الأخيرة، ومجموعته الجديدة هي الطبقة الطازجة لهذه النبرة التي تتناول التفاصيل والمشهديات والموضوعات الطارئة بطريقة من يكتب يومياته.
هكذا، يبدو الشعر سلوكاً شخصياً إلى جانب كونه تعبيراً شعرياً، حيث يستطيع الشاعر أن يقول أي شيء طالما أنّ الشعر هو ترجمة اللحظة أو الفكرة. إشارةٌ تفتح الباب لحضور استعاراتٍ مباشرة، ومواقف إيديولوجية عالية النبرة. المباشرة والايديولوجيا لم تغيبا عن تجربة سعدي يوسف، ولكنهما تعززّتا أكثر مع احتلال العراق، وتقسيمه طائفياً وعرقياً. ولعلها من المرات النادرة التي يمتزج فيها الموقف الأخلاقي مع الموقف الشعري بهذه الكثافة في مجموعة واحدة. هناك أسئلة عن وحدة الشاعر. عن الآلام غير المعلنة لهذه الوحدة. عن التنقل في المنافي. عن العراق الذي يبادل الشاعر النأي والابتعاد. داخل هذه السياقات، يمتحن الشاعر فكرة البيت: «منذ سنينٍ وأنا أبحث عن بيتٍ/ كم بلدانٍ طوّفتُ بها وأنا أبحث عن بيت/ كم قاراتٍ/ كم أثوابِ نساءٍ/ كم ساحاتٍ للقتل/ كم كتبٍ/ كم مدنٍ/ وأخيراً: أنا في طنجةَ أبحث عن بيتٍ/ منذ سنينٍ وأنا أبحث في طنجة عن بيت/ لكني سأعود (كما كنتُ) بلا بيتٍ/ اللابيتُ هو البيتُ إذاً»، ويفكر بوحشة الموت خارج بلده: «وحدكَ/ لا أهلٌ/ لا بلدٌ/ وليس من تغمضُ العينين إنْ دنتْ المنيةُ/ أنت الواحدُ الأحدُ/ فاهدأْ/ وكنْ مثل ما أنت/ الطريق إلى بغداد أعقد مما كنت تعتقدُ/ فاهدأْ/ ودعْ طائر الليل الشحيح يقلْ شيئاً/ ودعْ ريح هذا الليل تتئدُ»، ويأمل العودة: «هذا العراق العجيبُ/ سوف يأتي بنا من منابذنا في الديار التي لم نحبَّ/ الديار التي لم تحبَّ ملامحنا/ وضراوة أجسادنا»، ثم يحوّل ذلك إلى إعلان شعري: «قلْ لأهلي: بين دجلة والفرات/ هناك اسمٌ واحدٌ/ هو ما ظللتُ لأجله، أبداً، أُغامرُ/ هو أول الأسماء/ آخرها/ وأعظمها/ وما يصل الحَمَادةَ بالسماء/ هو العراق الأول العربي». العراق يفتح جروح الذاكرة، وتتوالى أسماء أمكنة من مسقط الرأس في أبي الخصيب في البصرة، وفي بغداد، وفي بادية السماوة وسجن نقرة السلمان. تختلط الأمكنة الأولى مع أمكنة المنافي، وفي غضون ذلك، يختبر تقدمه في السن: «والآن، في السبعين/ يبدو المشهدُ الأبدي أوضحَ»، ويطيبُ له أن يتشارك الحال مع امرئ القيس: «انتَ حفيدُ كِندةَ/ وامرئ القيسِ .. النبيّ/ أَفقْ/ لماذا أنت بأرض قيصرَ؟ أيُّ معنىً أن تكون بلندن الصغرى أو الكبرى؟»، ثم يكتب تنويعاً على «ما مقامي بأرضِ نخلةَ» للمتنبي: «ما مقامي بريف لندنَ إلا كمقام المسيح بين اليهودِ». هكذا، تُعلي هذه الموضوعات نبرة الشاعر، فتعلو الإيقاعات أيضاً، لكنها لا تزال خافتة في قصائد أخرى كما هي الحال في «منظر صباحي»: «في الغبشةِ/ كان ضبابُ الغابة أبيضَ أزرقَ/ والطيرُ بلا صوتٍ/ ثمَّت، عند قناةِ الماء العظمى، تبدو أشباحُ مراكبَ/ خيطٌ من مدخنةٍ يتلوى صُعُداً/ لا هجْسَ حفيفٍ من شجرٍ/ لا رفّةَ من أجنحةٍ أو أهدابٍ/ لَكَأنَّ اللحظةَ جامدةٌ/ وكأنّ العالم لم يتكوّنْ بعْدُ».

هل قلتَ ربيعاً عربياً؟

في قراءة مجموعة شعرية له، لا يمكن تجنّب مواقف سعدي يوسف السياسية والفكرية، وآخرها سخريته من «الربيع العربي» التي قوبلت باستنكار واسع. لكنه كشيوعيٍ أخير، خلط الموقف بالشعر، ومضى: « الدجاج وحده، سيقول: ربيعٌ عربي/ هل خلت الساحةُ من طفلٍ؟/ أعني هل خلت الساحة من شخصٍ يقول الحقّ صراحاً؟ أي ربيع هذا؟ نعرف تماماً أن أمراً صدر عن دائرةٍ أمريكية معينة/ وكما حدث في أوكرانيا والبوسنة وكوسوفو... إلخ، أريد له أن يحدث في الشرق الأوسط وشمالي افريقيا/ الفيسبوك يقود الثورة في بلدانٍ لا يملك الناس فيها أن يشتروا خبزهم اليومي».


المصدر: الاخبار اللبنانية