طه «اللا بطل» الفلسطينيّ: مسرح كما نشتهي وشعر كما نتمنّى
مرزوق الحلبي مرزوق الحلبي

طه «اللا بطل» الفلسطينيّ: مسرح كما نشتهي وشعر كما نتمنّى

السِمة البارزة في شعر طه محمد علي وفي سيرته كونه اللا ـ بطل الفلسطيني بامتياز. فسيرته وشعره يشكلان الرواية الفلسطينية الذاتية التي ظلّت مؤجّلة في ظلّ الرواية الرسمية الجمعية. من فرط الإصرار على رواية جماعية تأجّلت الرواية الذاتية إلى أجل غير مسمى.

من فرط السياسي السِجالي في مواجهة الآخر أُلغي الأفراد أو طُلب إليهم ألا يرفعوا أصواتهم بما يختلف عن السِرب وعن الصوت الجماعي. من الرغبة في بناء الهوية الجمعية المنكوبة وترميمها صار الأفراد ملزمون بالولاء والانتماء وبالاصطفاف حيث ترسم لهم الجماعة وتريد. فتحرك الأفراد وبينهم طه بخفر وحياء. فإذا ضحكوا فبالتزام شديد وإذا تذكروا فوفق جدول موضوع لهم، وإذا بكوا فبالقدر المسموح، وإذا كتبوا الشعر فبالتزام يقوم على ضبطه حراس وسَدَنة.

هذا ما شغلني وأنا أشاهد عرض "طه" لعامر حليحل. ولأني عرفت الرجل وشعره مبكرا وعن كثب، تساءلت عما كان سيقوله لو أنه رأى العرض؟ أستيطع أن أتخيّل ضحكته وحركة كفيّه بارزي الحضور! ستكشف عيناه كم هو مسكون بالأسى تارة وبالأمل تارة أخرى، وما بينهما من تأمّل وصوفية وحسرة وتوْق وشعر وظلال وصور وبالأمل والتوق.

لم يرتبط اسم طه ـ بالمشهد الشعري النافذ والمُهيْمن إلا في السنوات الأخيرة. وأخشى أننا اكتشفناه بعد رحيله كما يحدث للمجتمعات التي لا تُدرك معنى أفرادها ومبدعيها إلا بعد رحيلهم. لأن شعره كان مغايرا في موتيفيْن بارزين. في الأول ـ لم يكن شعر طه شعر مقاومة بالمفهوم الشائع ولا شعر سِجال مع الآخر لا تثوير فيه ولا تحشيد جماهيري ولا خطابة ولا مُباشرة. في الثاني ـ لم تصطفّ قصيدته النثرية السردية ضمن طوابير القصائد النارية ذات القوة اللفظية الهادرة ولا ضمن المألوف الشعري. فقد كان وحيدا في مفرداته وشكل قصيدته وسمة السرد والقصص الخاصة به. ظلّ وفيّا لنفسه وحكايته وأحبائه ممن رحلوا ولما يرجعوا. يكتبها بقلمه هو ولثغته هو وأصابعه هو. لم يكتب شعرا حزبيا ولا شعرا جِهويا "يحاكي الجماهير" ويثوّرها بل كتب الشعر الذي يريد. كتب من ذاته الفردية ومن موقعه وذاكرته وأساه. انطلق من فضائه الذاتي بصفته نقطة المُبتدى. بقي وفيا لذاته وحزنه وخسائر الروح والوجدان فيه ولم يتقمص صفات آخرَه ولم يكن ظلا له ولا صدى. كان الضحية بامتياز لا البطل المرتجى أو المأمول.

في هذا كله ـ لم تندرج تجربته الشعرية والذاتية ضمن المألوف الأدبي وضمن التيار المهيمن في الحركة الشعرية هنا الذي طالب الشاعر بالالتزام حدّ الذوبان في كلّ متخيّل. فلم يذب طه ولم يقع في معمعان ما تشكل من مقتلة للشعر والإبداع حيثُ لا يُعرف الشعر من اللا شعر والكلام الممجوج من الإبداع. لغة واحدة محصورة المفردات ـ جليل وزيتون وفلسطين وأرض وتراب ومرج ابن عامر وبيسان والفجر وحتمية الانتصار على الظلم ـ جعلت من الجميع نسخا عن بعضهم. وطه لم يكن نسخة!

هذا، ما يُبرزه العرض المُخلص لسيرة طه وشعره. نجح العرض ـ عامر حليحل المُبدع ـ  في استحضار طه الشاعر الإنسان كوحدة واحدة لا ككيانين منفصلين. فالإنسان الشاعر واضح كل الوضوح في المشاهد والقصص. حاضر كما هو بضعفه أساسا وبانخذاله وبتلك النزعة الفطرية إلى محاولة العوم فوق ماء الحياة مهما يقسو الشرط الوجودي. إنها قصة الخيبات وقصة الانكسارات المتتالية. وهي في الوقت ذاته قصة ما يتيسّر من حياة تحت هذا السقف. هي قصّة الإنسان الذي تجاوز شرطه وخيباته ليس من بطولة كما في حياة طه وشعره بل من ضرورة وفِطرة. ومن هنا نستطيع أن نفهم صفاء شعر طه أو حرارته. شعر مكتوب بغير تكلّف ولا صنعة ولا ابتذال. هذا ما يصوّره العرض بألمعية، طه العفوي في الشعر كما في الحياة يندهش ويُدهش، لم يعِد بشيء ولم يرسم لأحد أوتوبيا أو جنة جديدة بدل فلسطين التي كانت ذاك الفردوس المفقود. ربما أدرك بفطرته وحدسه أنه غير موعود بشيء ولا يستطيع أن يعد أحدا بشيء فعكف على تسجيل قصّته باعتبارها الطاقة الإنسانية الهائلة التي يواجه بها شرطه الجديد ـ المنفى في الوطن وفقدان الأحبة وصفورية والتاريخ. يبدو من العرض أن طه يراهن على إنسانيته كما جسدها شعره بامتياز الأمر الذي أعاد طه ذاتا فاعلة لها صوت وتاريخ وذاكرة وظل بعدما جعلته صناعة الهوية وتدوين الرواية الجماعية مجرّد موضوع أو أداة.

نجح عامر حليحل في النفاذ إلى جوانية طه والإتيان بحقيقته كما هي. حقيقة قوامها التواضع والحياء. مزايا ظهرت في شعر طه وفي حديثه معك ومعي، وفي السهرات والندوات. شيء ما تلقائي وطفولي يسري منه إليك. في أكثر من لحظة مسرحية ضمن العرض تجسّد طه في عامر فرأيته هناك كما رأيته مرات كثيرة يقف وحوله هالة من شعر وقمر ونجوم وسكون.

لأننا حيال الشاعر الإنسان طه محمد علي، كنتُ أتوقع أن يكون للشعر في العرض مساحة أكبر مما أعطي لها. لكن يبدو أن كفة المسرح كانت الغالبة. فالعرض ذهب أكثر باتجاه المسرح تاركا للشعر مساحة ضيقة نسبيا إلى موضوع العرض. وأنا على اعتقاد، بناء على معرفتي بمضامين شعر طه، أن شعره إذا ما تُلي يشكل نصًّا سرديا قصصيا بامتياز يندرج بيُسر وجمالية ضمن العرض المسرحي. أصلا ـ مَن يعرف طه يعرف أنه كان يحكي شعرا وأنه كان في حضوره الإنساني حالة شعرية.

في العروض الأخرى المنفصلة لعامر (الباشق مثلا) التي ينحصر فيها دوره على تمثيل شعر طه يظهر لنا طه الشاعر بكل عُمقه وفنّيته وأساه الذي يطالعنا من الصور والمفردات. كأن طه قضى عمره ولم يستنفذ حزنه ولا حسرته. لقد ساعدنا عامر حليحل الممثل على اكتشاف طه وشعريته من خلال أداء فني في مستوى هذا الشعر. فيكون لأدائه في عرض طه وفي اهتمامه بشعر طه عموما قيمته الإضافية ـ مسرح كما نشتهي وشعر كما نتمنى.

 

طه محمد علي

وُلد الشاعر عام 1931 في قرية صفورية الجليليّة، ثم لجأ إلى لبنان في النكبة عندما كان في السابعة عشرة من عمره. عاد في السنة التالية إلى الناصرة ليقضي فيها عمره كله مُديرًا وصاحبًا لمحل بيع سوفينير قرب كنيسة البشارة. كتب بداية القصة القصيرة، ولم تطلق العنان لقصائده وشعره إلا في سنّ متقدّمة جدًا. كان شعره من بدايته مغايرًا لشعر المقاومة وشعر التفعيلة والشعر الموزون. يُعتبر من طلائعيّي الحداثة الشعريّة في فلسطين، وقد ارتبط اسمه بقريته صفورية التي كتب عنها عبر شخصياتٍ مركزية مثل حبيبته المفقودة عند النكبة أميرة، وصديقه قاسم. حظي طه محمد علي بشهرة كبيرة في الغرب، وخصوصًا في الولايات المتحدة، وصدرت أعماله بالإنجليزية وشارك في عشرات المهرجانات والأمسيات الشعريّة الدوليّة. كتب عنه أنطوان شماس: ذلك هو طه محمد علي، بحجم الغيمة، على قميص اللغة العربيّة.

 

نماذج من شعره

 

أماليد

1

لا الموسيقى..

ولا الشُهرةُ والثروةُ

ولا حتى الشعرُ نفسُهُ

بِمُستطيعٍ أن يُعزّيني

عن قِصَرِ عُمرِ الإنسان

وعن أنّ «الملك لير»

ثمانونَ صفحة [وتنتهي ]

وعن محضِ التصوّر:

أن المرْءَ قد يُرْزَأُ

بابنٍ عاقْ !

 

3

حُبّي لكِ

هوَ العظيمُ !

أما أنا وأنتِ والآخرونَ

فأغلبُ الظنّ أننا أناسٌ عاديّونْ !

 

4

قصيدتي

خارج الشعر

لأنكِ خارج النساء !

 

5

وهكذا...

استغرقتُ

الستّينَ سنةً كاملةْ

حتى أدركتُ:

أنّ الماءَ ألذُّ الأشرِبةْ

وأنّ الخُبزَ منَ الأطعِمَةِ أشهاها

وأنّ لا قيمةَ حقيقيّة لأيِّ فنٍ

إلا إذا أدخلَ البهجةَ

إلى قلبِ الإنسان!

 

6

بعدَ أن نموتْ

ويُسدلُ القلبُ المُتعبُ

أجفانَهُ الأخيرة

على كلّ ما فعلناه

على كلّ ما تمنّيناه

وعلى كلّ ما حلمنا به..

تشوّقنا إليه

أو أحسسناه-

ستكونُ الكراهيةُ

أوّلَ ما يتعفّنُ

فينا !

 

----

 

قلم رصاص

بقلم الرصاص

الصغير هذا

سأرسمُ الدنيا

وأكتبُ العالم!

أكتبُ الحبَّ والموتَ

أصوّرُ الحزنَ والضحك

أصِفُ الغِبطةَ والبرقَ والقرنفلَ

وأحكي للإنسان

عن أسطورتهِ..

عن طفولتهِ ولعبهِ

وأروي له:

عن امتطائِهِ التلقائي

لصهوةِ قِطارِ لذّتِهِ السريع!

يشجّعني على ذلك

أني رأيتُ مرّةً

من نافذةٍ صغيرةٍ

في حائطٍ سميك

الأفقَ والبحرَ،

والسماءَ رأيتها..

ووجهَ الله شاهدْتُهُ

كما تشاهد خاتمَكَ!

 

---

تحذير!

إلى هُواةِ الصّيدِ

وشُداةِ القنصِ!

لا تُصوّبوا غدّاراتكُم

إلى فرحي

فهُو لا يُساوي ثمنَ الخرطوشةِ

(تُبَدّدُ باتجاهِهِ!)

فما ترونَهُ:

أنيقًا وسريعًا

كَغَزالٍ.

ويفِرُّ في كلّ اتجاهٍ

كَديكِ حجلٍ،

ليسَ فرحًا.

صدّقوني:

فرحي؛

لا علاقةَ لهُ بالفرَح.

 

المصدر: السفير