عام على تأسيس الصندوق السيادي: الثروة العامة خلف الأبواب المغلقة؟
بعد يوم واحد من الذكرى السنوية للإعلان عن الصندوق السيادي السوري، خرج وزير المالية، محمد يسر برنية، الجمعة 10 تموز، ليقول: إن الصندوق يحظى بـ«تنسيق وتعاون مستمر» مع الوزارة، وإن إدارة الصندوق بذلت جهوداً لحماية أصول مهمة من الضياع وتنميتها، مؤكداً أن هذه الأصول وعوائدها «ملك للدولة السورية». وأضاف، أن الصندوق لا يزاحم القطاع الخاص، ولا يتمتع بإعفاءات ضريبية تمييزية، وأنه ما يزال في مرحلة التأسيس، لكنه مرشح لخلق فرص عمل ورفد الخزينة. الجديد هنا أننا لسنا أمام مجرد دفاع وزاري عن مؤسسة غابت تفاصيلها عن الخطاب العام، بل هو المحاولة المتأخرة لبناء رواية رسمية عن العام الأول لتأسيس الصندوق بعبارات من قبيل «حماية الأصول» و«استمرار التشغيل» و«التمهيد للاستثمار». وفي الأسابيع الأخيرة ظهر موقع إلكتروني شكلي للصندوق، وأصبحت بعض أسماء مسؤوليه تظهر في أخبار متفرقة غير رسمية. لكن هذا الانفتاح الجزئي لم يأت مصحوباً بما يحسم الأسئلة الأساسية:
ما هي قائمة الأصول التي يديرها الصندوق؟ وكم تبلغ قيمتها؟ ومن هم جميع أعضاء المجلس؟ وما هي العقود الموقعة؟ وما حصيلة الربح والخسارة؟
أول ما ينبغي تأكيده، هو أن المشكلة ليست في وجود صندوق سيادي. فمن حيث المبدأ، يمكن لمؤسسة عامة محترفة بالفعل أن تنقذ شركات متعثرة، وتجمع الملكيات المبعثرة، وتمنع نهب أصول مستردة، وتحول عقارات ومنشآت راكدة إلى إنتاج وفرص عمل.
لكن ما ينبغي تأكيده أيضاً، هو أن الصندوق لا يصبح تنموياً فقط لأن اسمه «سيادي»، ولا تصبح عوائده ملكاً للسوريين لمجرد أن مسؤولاً ما قال ذلك.
الملكية العامة في الجوهر هي علاقة قانونية وسياسية واجتماعية تقتضي معرفة المواطنين بما يملكون، وقدرتهم على محاسبة من يدير أملاكهم، وضمان أن العائد يذهب إلى الخدمات العامة وتمويل الأجور والحماية الاجتماعية، لا إلى شبكات الامتيازات والمحسوبيات. وهذه ليست مسائل رفاهية في بلد يعيش أكثر من 90% من سكانه في الفقر.
بعد عام من التأسيس... الشفافية «مكانك راوح»
أُحدث الصندوق السيادي بالمرسوم رقم 113 لعام 2025 بوصفه مؤسسة اقتصادية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، مقرها دمشق ومرتبطة برئاسة الجمهورية. وحدد المرسوم أهدافاً تبدو - نظرياً - منسجمة مع حاجات البلد، مثل: تنفيذ مشاريع تنموية وإنتاجية مباشرة، وتحسين استثمار الموارد البشرية والمادية، وتنشيط الاقتصاد باستثمارات متنوعة، وتحويل الأصول الحكومية غير المفعلة إلى أدوات إنتاج وتنمية.
كما نص المرسوم على تقارير ربع سنوية وسنوية ترفع إلى الرئاسة، و«تدقيق مالي» عبر أجهزة مستقلة، ورقابة آنية. غير أن النص نفسه صمم دائرة المساءلة داخل قمة السلطة التنفيذية، حيث يسمى مجلس الإدارة بمرسوم، والمدير العام يسمى بمرسوم، وهو مسؤول أمام المجلس ورئيس الجمهورية، فيما لا يفرض المرسوم نشر التقارير للعموم، ولا عرضها على هيئة تشريعية، ولا إعلان نتائج التدقيق، ولا يحدد قواعد تضارب المصالح أو العطاءات أو بيع الحصص والشراكات.
خلال العام الأول، بقيت البنية القيادية والمالية أقرب إلى المعلومات المتناثرة منها إلى الإفصاح المؤسسي. اليوم، نعرف من خبر رسمي عن توقيع مذكرة أن وزير السياحة مازن الصالحاني هو رئيس مجلس الإدارة، وهو منصب شكلي على الأغلب. لكن الموقع الرسمي نفسه لا ينشر حتى الآن قائمة بأعضاء مجلس الإدارة، ولا يكشف هوية المدير العام، ولا قرارات التسمية، ولا يفصح عن صلاحيات كل منصب. والإجابة المنشورة على الموقع عن سؤال «من يدير الصندوق؟» تكتفي بعبارة عامة لا تعنى شيئاً عن «مجلس مستقل يضم خبراء ومديراً عاماً وفريقاً تنفيذياً».
يرى البعض، أن الموقع الإلكتروني الذي أُطلق في نهاية حزيران الماضي يمثل تقدماً محدوداً مقارنة بالصمت السابق، لكن محتواه أقرب إلى نشرة تعريفية منه إلى منصة إفصاح. فهو يعلن أن للصندوق 11 «شركة مركزية»، ونشاطاً في 36 قطاعاً، وأكثر من 270 موظفاً، وأكثر من 40 ألف «فرصة عمل». إلا أنه لا يسمي الشركات الإحدى عشرة، ولا يوضح هل فرص العمل قائمة فعلاً أم «متوقعة»، ولا يقدم منهج احتسابها، ولا ينشر قيمة الأصول أو التزاماتها أو تدفقاتها النقدية. كما لا توجد قوائم مالية افتتاحية، ولا ميزانية موحدة، ولا تقرير سنوي مدقق منشور، ولا سجل بالعقود ومذكرات التفاهم، ولا أسماء جهات التدقيق التي يقال إنها «مستقلة».
المفارقة، أن الصندوق يقول: إن حوكمته «مستوحاة من مبادئ سانتياغو». وهذه المبادئ، وهي إطار دولي طوعي لحوكمة الصناديق السيادية، تدعو إلى الإفصاح العام عن الإطار القانوني والهدف ومصادر التمويل وقواعد السحب والإنفاق، وإلى نشر المعلومات المالية ذات الصلة، مثل: توزيع الأصول، ومؤشرات القياس، ومعدلات العائدية عبر فترات محددة، ما يعني أنه إذا كان الصندوق يستلهم هذه المبادئ فعلاً، فعليه نشر تقييم ذاتي يبين، مبدأ بمبدأ، ما طبق وما لم يطبق والجدول الزمني للاستكمال. أما الاكتفاء بوضع اسم «سانتياغو» على الموقع، مع بقاء التقارير حبيسة الأدراج في حال وجودها أصلاً، فهو استغلال لسمعة معيار دولي دون تحمل متطلباته الأساسية.
لذلك، إن خلاصة العام الأول هي أن ما «تسرب» من معلومات حول الصندوق لا يتناسب إطلاقاً مع حجم السلطة الاقتصادية الممنوحة له.
من يُقيّم الأصول ومن يبيع ومن يدفع الثمن؟
أخطر ما في الغموض أنه يسمح بانتقال هادئ من لغة «حماية الأصول» إلى واقع خصخصة أو امتيازات طويلة الأجل دون نقاش عام. نقول هذا ونحن ندرك أن نقل مؤسسة أو سهم إلى صندوق مملوك للدولة لا يعني، قانونياً على الأقل، خصخصتها فوراً. لكن الصندوق ذاته أعلن أنه يدير الأصول المستردة «بعقلية القطاع الخاص»، وأن غايته رفعها إلى «قيمتها العادلة» ثم تنفيذ «انسحاب منظم» يحقق عائداً للخزينة، كما يدرس تحويل بعض المشاريع إلى شركات مساهمة. هذا يعني أن البيع، أو طرح الحصص، أو الشراكات، أو الامتيازات، ليس هاجساً متخيلاً لدى المدافعين عن حق السوريين في الأصول العامة، بل احتمالاً معلناً أصلاً في منهجية عمل الصندوق. ولهذا من حقنا أن نسأل: من يُحدد القيمة العادلة للأصل الحكومي، وبأي منهجية، ومن يُقرر توقيت الخروج، وما الحد الأدنى للسعر، وما الحماية الممنوحة للعمال والمستهلكين؟
وتزداد حساسية هذا السؤال مع الرقم الذي نقلته تقارير صحفية عن جلسة لوزير المالية مع «جمعية رجال وسيدات الأعمال السورية» في نهاية 2025، مفاده: أن أصول الصندوق تقارب 50 مليار دولار، وتتكون أساساً من مؤسسات مملوكة للدولة ومعروضة للاستثمار. ولا توجد، في المواد الرسمية المنشورة التي أمكن الوصول إليها، قائمة تفصيلية تسند هذا الرقم أو تبين تاريخ التقييم ومنهجيته. لكن حتى بصفته رقماً تقريبياً، فهو هائل مقارنة مع التقديرات الرسمية للناتج المحلي الإجمالي بنحو 30.6 مليار دولار في 2025 (وهو رقم مضخم وغير دقيق).
عندما تكون المؤسسة صاحبة الولاية على كتلة أصول بهذا الحجم، يصبح غياب الكشف التفصيلي مشكلة في صميم الاقتصاد السياسي. وما يلزم هنا بطبيعة الحال ليس وقف الاستثمار، وإنما إخراجه من الغرف المغلقة التي لا يعرف السوريون عنها شيئاً.

ترويج مبررات واهية للسرية وانعدام الشفافية
في مواجهة الانتقادات المتصاعدة حول غياب الشفافية، يبرز خطاب دفاعي يجري تداوله وتلقينه في بعض الجلسات المغلقة، التي تجمع ممثلين عن الحكومة ببعض الخبراء والأكاديميين الاقتصاديين. فحوى هذا الخطاب هو: أنه «في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد»، والمقصود من وجهة نظر من يتحدث، أنها مرحلة «بناء في ظل تحديات اجتماعية وأمنية وسياسية واسعة»، فإنه «من الطبيعي، بل ومن الضروري»، ألا يتمتع الصندوق السيادي بشفافية كاملة في عمله، تجنباً لـ«استهداف الأصول» أو «إعاقة عمليات الاستثمار» من جانب القوى المعادية، أو حتى تجنباً لخلق «جدالات داخلية» قد تعرقل سرعة اتخاذ القرار.
هذا الطرح النخبوي المتلطي خلف شعارات المصلحة الوطنية العليا والمرحلة الحرجة، هو طرح خطير وزائف من جذوره، لأنه تحديداً وبالضبط بسبب وجود هذه «المرحلة الحرجة»، وتحديداً بسبب التحديات الاجتماعية والسياسية الواسعة، يجب أن تكون هناك شفافية مطلقة ودرجة صفر من التسامح مع الغموض أمام الناس في توضيح آليات عمل الصندوق السيادي. كما أن عملية البناء من أساسها لا يمكن أن تبنى إلا بإشراك المواطنين وبناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع.
لهذا، فإن إخضاع الصندوق السيادي للرقابة الشعبية الحقيقية، هي واحدة من الأدوات التي تعزز عوامل الوحدة الوطنية ولا تضعفها كما يروج. فعندما يرى المواطن السوري أن ثروات بلاده تدار بوضوح، وأن العقود تنشر علانية، وأن الأرباح تدخل في حسابات عامة لتمويل مشاريع خدمية وإنتاجية تعود بالنفع على الجميع، فإنه سيشعر بالانتماء، وسيكون مستعداً لتحمل الصعاب لأنه يثق بأن المكاسب والخسائر موزعة على الجميع. أما سياسة التعتيم والعمل في الغرف المغلقة، فهي المفرخة الأولى لليأس وانعدام الثقة وعدم الرضى الاجتماعي، وهي التي تدفع المواطنين للشعور بأنهم مجرد أرقام في بلد يجري تقسيم ثروته كغنائم بعيداً عن أنظارهم.
كما أن تبرير انعدام الشفافية بالتحديات الأمنية هو تبرير عفا عليه الزمن، تستخدمه الإدارات للهروب من الاستحقاقات. فما يهدد الاقتصاد السوري اليوم فعلياً ليس كشف الأرقام أمام عموم السوريين، وإنما الفساد والهدر وسوء الإدارة والمحسوبيات لمصلحة الفساد الكبير، وهذه جميعها أمراض تنمو وتترعرع في بيئة الغموض وغياب المساءلة.
فقراء سورية، الذين تحملوا عبء فاتورة الانهيار الاقتصادي، لهم الحق الأول في معرفة أين تذهب أصولهم، وكيف تستثمر، ومن هو المستفيد النهائي

معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1286