عمق الأزمة في ألمانيا أكبر من الإنكار
 بالتنيوز بالتنيوز

عمق الأزمة في ألمانيا أكبر من الإنكار

هناك في ألمانيا من يحاول تحسين جاذبية الاستثمار، وكذلك إعادة إحياء الصناعة التي تموت. لكنّ تراجع التصنيع في البلاد مستمرّ منذ أكثر من عشرة أعوام، ولا أحد يريد الاستثمار طواعية في ألمانيا. إنّ قائدة الاتحاد الأوروبي وإحدى أكثر البلدان ثراء في العالم تفقد موقعها. تعاني ألمانيا من الركود منذ عدّة أعوام، ومؤشر الصناعة وجاذبية الاستثمار تنخفض بشكل مستمر. لم تعد التصريحات حول الأزمات التي تعاني منها الصناعة الألمانية مجرّد خدع تهدف إلى تخفيض الضرائب ورفع المعونات. تستند التصريحات اليوم إلى حقائق مجردة يمكنها أن تخيف كلّ ألماني. في نهاية المطاف، إن نظرت إلى المؤشرات والإحصاءات دون اتخاذ موقف مسبق، ستتمكن من معرفة أنّ ألمانيا تبتعد عن المسار الذي جعلها دولة ثريّة.

ترجمة: قاسيون

الجميع يعلم أنّ الشركات الألمانية تنقل الإنتاج إلى خارج البلاد، لكن قلّة يفكرون في تأثير ذلك على ألمانيا. يمكن بالطبع الحديث عن خسارة الوظائف وانخفاض مؤشرات التصنيع، لكن في الحقيقة، ألمانيا تعاني من الركود منذ عقد. وخلافاً لما يعتقده البعض، لم يصل الوضع إلى ذروته مع بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، بل بدأ بالانخفاض منذ عام عندما انخفض مؤشر «S&P PMI» إلى أدنى مستوى خلال 25 شهراً عند 48 نقطة. اليوم في عام 2023 وصل المؤشر إلى 38 نقطة.
قد يكذب ممثلو الشركات عندما يتحدثون عن مدى عمق أزمتهم، لكنّ الإحصاءات والحقائق البسيطة لا يمكن إنكارها، الصناعة الألمانية هي حقاً في حالة خطرة. هذا أمر شديد الخطورة على الاقتصاد الألماني، لأنّه في عام 2022 كان 30٪ من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد قادماً من المصانع وورشات التصنيع. الاقتصاد الألماني يعتمد بشكل مفرط على التصدير، والتصدير نفسه يعتمد على الصناعة.

هناك بعض مجالات العمل التي نمت في ألمانيا بالرغم من ذلك، مثل مجال عمل البناء الذي نما حجمه بنسبة 15٪ منذ 2013. لكن هذا لا يعوّض عمّا يحدث في بقيّة الصناعات. منذ بداية 2022 طال الانخفاض تقريباً كامل الإنتاج الألماني بنسبة 20٪، وقد عانت الصناعات الألمانية الكيميائية من الضربات الأكبر. قد يبدو بأنّ الموت البطيء للإنتاج هو مشكلة بحدّ ذاته، لكنّ الحقيقة أنّ ذلك يتضمن مشكلة أكثر خطورة، وهي خسارة جاذبية الاستثمار. الناس اليوم مترددون جداً في الاستثمار في المشاريع الألمانية، رغم أنّ البلاد كانت قبل فترة قريبة واحدة من أكثر المقاصد جاذبية لصناديق التحوّط والشركات الأجنبية. على طول عام 2022 بلغت الاستثمارات من الدول والشركات الأجنبية في ألمانيا 10.5 مليار يورو، وهو رقم منخفض بشكل هائل. ليس ذلك فقط، فحتّى الألمان لا يريدون الاستثمار في أرضهم، حيث استثمروا خلال عام أكثر من 125 مليار يورو خارج ألمانيا.

يتسرّب رأس المال والإنتاج خارج ألمانيا، وقريباً سيكون هناك تسرّب للعقول والأيدي العاملة أيضاً، حيث إنّ المختصين المهرة سيذهبون للعمل في بلدان أخرى بعد إغلاق المصانع في ألمانيا. طبعاً تحاول الحكومة الألمانية تصحيح الوضع وتشجيع الاستثمارات بطرق سياسية. كمثال بفضل جهودهم استثمرت شركة إنتل الأمريكية 30 مليار يورو في إنتاج أشباه الموصلات في شرق ألمانيا. سيبدو أنّ هذا مؤشر جيد، ولكن في مرحلة سابقة عندما لم تكن الاستثمارات بحاجة إلى تحفيز من الضغط السياسي بل بالرفاه الاقتصادي، كان يتمّ استثمار 50 مليون يورو على الأقل سنوياً.

الرهان على أشباه الموصلات

من الواضح أنّ الحكومة الألمانية تراهن على إنتاج أشباه الموصلات مؤخراً. بات معروفاً بأنّ السلطات تتجه لجمع 20 مليار يورو كإعانات للشركات التي تريد بناء مصانع رقاقات في ألمانيا. وكما لاحظت أولغا بيلينكايا، رئيسة قسم التحليل الاقتصادي الكلي في Finam، فألمانيا تتطلّع لتقليد الولايات المتحدة «أظهرت دراسة أجرتها وزارة الخزانة الأمريكية أنه منذ نهاية عام 2021، تضاعف الإنفاق على الإنشاءات الصناعية بالقيمة الحقيقية، في حين تضاعفت تكاليف البناء في إنتاج أجهزة الكمبيوتر والإلكترونيات والمعدات الكهربائية أربع مرات تقريباً. في أستراليا والمملكة المتحدة، زاد الإنفاق الحقيقي على البناء الصناعي بنسبة 40٪ في عام 2022. (زيادة كبيرة، ولكن ليس مثل هذا الاختراق كما هو الحال في الولايات المتحدة). أمّا ألمانيا، فوصلت إلى ركود البناء الصناعي الجديد بعد 10 سنوات من الاتجاه الهبوطي».

ترى بيلينكايا بأنّ رغبة ألمانيا بجمع معونة بقيمة 20 مليار يورو للشركات التي تبني مؤسسات في البلاد لإنتاج الرقائق يرجع إلى الرغبة في تقليل الاعتماد على الإمدادات الخارجية، من كوريا الجنوبية وتايوان. لكنّ مقدار الإعانات المحسوب لعدّة سنوات هو أقلّ من مبلغ التمويل اللازم لإنتاج أشباه الموصلات في الولايات المتحدة– 52 مليار. من غير المحتمل أن يتمّ عكس الاتجاه طويل المدى لتراجع التصنيع في ألمانيا، لكن يمكن أن يغيّر المظهر التكنولوجي للإنتاج الألماني إلى الأفضل. من المحتمل أن يتمّ إدخال خطوط إنتاج روبوتية مع الحد الأدنى من المشاركة البشرية. خاصة أنّ هذا الخيار بالنسبة للسلطات الألمانية سيزيل عنها ضغط الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة، والتي بات تأمينها مسألة صعبة بسبب المشكلات مع روسيا.

التضخم يعقّد الوضع بشكل خطير في ألمانيا. فكما لاحظت مؤسسة Merkur، جميع من يعيشون «من الراتب إلى الراتب» يعانون من ارتفاع الأسعار، ويشكّل هؤلاء ثلث سكّان ألمانيا. تمّ إجبار 43٪ من سكان ألمانيا على خفض النفقات كي يتمكنوا من النجاة إلى آخر الشهر لأنّهم يقبضون أقلّ من 2500 يورو شهرياً، ولكن حتّى الذين يجنون أعلى من ذلك تمّ إجبارهم على تخفيض 22٪ من نفقاتهم. يشرح هذا سبب ارتفاع نسبة الألمان الذين يفضلون علاقات جيدة وتعاوناً مع روسيا. في 2022 كان 13٪ من الألمان فقط يريدون أن تتقارب بلادهم من روسيا، مقابل 72٪ يصرون على تقوية العلاقات مع الولايات المتحدة. اليوم ارتفعت نسبة المطالبين بعلاقات جيدة مع روسيا إلى 37٪.
وفقاً لبافلو دانيلين، مدير مركز التحليل السياسي الألماني «أصابت خيبة الأمل الشعب الألماني. إنّهم مقتنعون بأنّهم محكومون إمّا من دُمى أو من أغبياء. جاء الأمر كما لو أنّ حمّاماً من الماء البارد ضرب ألمانيا. يتساءلون عمّا إن كانوا قد اطّلعوا على الحقيقة كاملة. الأمر الآخر أنّهم باتوا حانقين اليوم على سياسة الهجرة وعلى الأفغان والأوكرانيين والسوريين، وهي القشّة الأخيرة للحمام البارد الذي أصابهم... هناك الكثير من الفقراء في ألمانيا تلقوا دعماً من الدولة ومن مختلف المؤسسات الخيرية. في السابق كان بإمكان الألمان الفقراء الذهاب إلى السوبرماركت للحصول على الطعام بالمجان أو بسعر منخفض. الآن حصل الأوكرانيون على جميع المنتجات المجانية. لقد حصلوا على الضمان الاجتماعي ذاته الذي حصل عليه الألمان الذين عملوا لمدة عشرين عاماً قبل أن يخسروا وظائفهم. هذا يزعج الناس ويجعلهم حانقين ويفكرون».

معلومات إضافية

العدد رقم:
1133
آخر تعديل على السبت, 06 كانون2/يناير 2024 21:08