السكر.. جدل سنوي دائم، وتضارب في القرار الاقتصادي
نزار عادلة نزار عادلة

السكر.. جدل سنوي دائم، وتضارب في القرار الاقتصادي

السكر، الأزمة الدائمة الباقية في الأسواق السورية، وتشعباتها تتعدى حدود الاستيراد، بل ترتبط بإنتاج سوري إجمالي من السكر من جانب القطاع العام والخاص معاً يصل إلى 1,3 مليون طن، وحاجة محلية لا تتعدى 800 ألف طن، فالأزمة على هذا الصعيد يفترض انتفاؤها إذا ما كان للقوانين الاقتصادية الكلية فعلها على مستوى الاقتصاد السوري، كما أن الإنتاج الحالي من الشوندر السكري يكفي إذا ما تم تصنيعه لتحقيق الاكتفاء الذاتي من مادة الشوندر السكري.. فما مبرر وجود أزمة بمادة السكر؟! وهل هناك من خلل وجدل على القرار الاقتصادي يجعلنا في مهب ارتفاع أسعار هذه المادة بيّن الحين والآخر في أسواقنا؟!..

 

لجان «عالطالع والنازل»

إذا أردت أن «تميع» أية قضية، وتفقدها أي معنى لها، فلتشكل لجنة لبحث أمورها، وهذا هو حال السكر اليوم، فمجلس الوزراء شكل مؤخراً لجنة ثلاثية تضم كلاً من وزارات الصناعة، والزراعة، والاقتصاد، بهدف إعداد دراسة موسعة حول واقع صناعة السكر، والأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاقتصادية والزراعية الإنتاجية لها، وهذا ليس بجديد فمنذ أكثر من /25/ عاماً، ومع كل موسم زراعي من الشوندر السكري تشكل اللجان، وتعقد الاجتماعات العديدة بين وزارة الصناعة، والزراعة، ومؤسسة السكر، واتحاد العمال والفلاحين، ومدراء شركات السكر، ولكن لا نتيجة، وتكرر في هذه الاجتماعات معزوفة واحدة: كيف نرفع درجة حلاوة الشوندر السكري المزروع لدينا في سورية؟!

عودة إلى الوراء

بالعودة إلى الوراء، نستذكر الدراسة التي قدمتها رئاسة مجلس الوزراء قبل عامين، والتي تدعو وزارة الصناعة للإشراف على المحصول زراعة، وتصنيعاً، وتسويقاً، ولم تتم الموافقة على هذا الاقتراح، لأن ذلك بحاجة إلى دراسات عديدة، وإلى لجان واجتماعات، ومرت السنوات ولم تحسم بعد قضية الشوندر السكري وتصنيعه، ومازلنا في حوار «الدجاجة أم البيضة أولاً»، وجهة الإشراف لمن؟ لوزارة الزراعة أو للصناعة؟ والتي لا تحتاج برأينا إلى لجان ودراسات أو اجتماعات.

وأمام هذا الواقع، كان من الطبيعي أن تكون درجة حلاوة الشوندر السكري متدنية، وأن توزع الاتهامات بين هذه الجهة وتلك، وأن نكون أمام خسارات دائمة، وأن تكون هناك اختناقات في توريد الشوندر، وهذا أدى إلى خسارة الفلاح، وخسارتنا الإجمالية في إنتاج السكر، حيث أن تكلفة استيراد الكيلو الواحد تصل إلى /60/ ل.س..

خطوط إنتاجية جديدة كبديل للاستيراد

هل نستطيع أمام هذا الواقع أن نطالب بتحديث معامل السكر القائمة، أو تطويرها، أو إقامة خطوط إنتاجية جديدة بدلاً من الاعتماد على الاستيراد؟! أعتقد أن هذا مطلب صعب، ويبدو أنه من نسج الخيال في الظروف الراهنة، وأستذكر ما قاله د. منير الحمش في ندوة: «إذا كان يغطي على أخطائنا استمرار تدفق المعونات العربية، إلا أن الاقتصاد السوري انكشف فجأة عندما توقفت هذه المعونات في منتصف الثمانينيات، وأصبحنا في مأزق المواد الأولية، والتي أصبحت غير كافية للحاجات الاستهلاكية (سكر، رز إلخ..)، ولم يعد بالإمكان تلبية حاجة البلاد بسبب عدم توفر القطع الأجنبي، وأتت الحلول مطالبة: افتحوا الاقتصاد للقطاع الخاص القادر أن يأتي بالشاي، والسكر، والمواد التموينية الأخرى، وهكذا تم السماح للتجار باستيراد المواد الأساسية، وتكوين شبكة لاحتكار تدفق هذه المواد وانسيابها في الأسواق».

تمييز فاضح

عند الحديث عن كيفية تكون تلك الشبكة من المحتكرين، تكون الإجابة، هي أن التسهيلات الائتمانية أعطيت للقطاع الخاص، ولم تعط مثلها لمؤسسات القطاع العام، فالاستيراد تم دون تحويل العملة، وهذا ما جر البلاد إلى سلسلة من الاختلالات انعكست على سعر العملة، ولا يزال الاستيراد قائماً من جانب كبار التجار، وهنا لا بد من التساؤل: ما هي المهمة الاستثمارية أو الإنتاجية التي يقوم بها القطاع الخاص في ذلك؟! وكيف يمكن أن نطالب هذا التاجر الذي يستورد الخام، ويكرره في معامل الدولة، أن يقيم معملاً لإنتاج السكر، إذا ما كان الاستيراد يحقق له أرباحاً فاحشة دون أية التزامات؟!

صناعة موازية للسكر

معامل السكر التي تعمل في سورية قديمة، وتستخدم تكنولوجيا متخلفة، وكان من الممكن إيجاد صناعة موازية لصناعة السكر، وذلك بهدف التغلب على الكلفة المرتفعة، وتشغيل العاملين خارج المواسم، والتكامل في التخطيط بين الزراعة والصناعة، ولكن هذا لم يحدث حتى الآن، على الرغم من أن صناعة السكر ينتج عنها مواد غير قليلة، كالميلاس، والخميرة، والكحول الأبيض والصناعي، وغاز الكربون، ولولا شركات السكر القائمة لكانت تكلفة استيراد هذه المواد بمئات الملايين من الليرات السورية، فصناعة السكر مجمع غذائي بالكامل.

استيراد مدخلات عملية الإنتاج الزراعي إشكالية قائمة بذاتها، وهذا ما أكده إبراهيم عبيدو رئيس الاتحاد المهني للمواد الغذائية في حديثه لصحيفة «قاسيون» عندما قال: «علينا استيراد البذار من بلد المنشأ، وليس بالواسطة، لأننا، وفي أكثر السنوات نستورد البذار من الدانمارك وبلجيكا، وهذه الدول تكون قد استوردتها من صربيا». وتساءل في معرض حديثه: «لماذا لا تقوم الدولة باستيراد السكر الخام وتكريره على اعتبار أن معاملنا تتوقف عن العمل لتسعة أشهر في كل عام، وخلال هذه الأشهر يستورد التجار السكر، كما طرح رئيس الاتحاد ضرورة إقامة خطوط إنتاجية لإنتاج الخميرة التي لا وجود لها في سورية إلا عبر معمل واحد يؤمن حاجة القطر، وإذا ما تعطل سنجبر على الاستيراد.

آراء رسمية متناقضة

في العام الماضي، وأمام مجلس الاتحاد العام لنقابات العمال، أكد وزير الصناعة السابق أن «تحديد جهة الإشراف على السكر تحتاج إلى دراسات عميقة»، وذلك رداً على رئيس الاتحاد المهني الذي دعا إلى توحيد جهة الإشراف، ليأتي رد وزير الزراعة السابق (رئيس الحكومة الحالي) قائلاً: «من عام 2004 اعتمدنا التخطيط التأشيري، وليس هناك إلزامية للفلاح بزراعة أنواع معنية، والفلاحون أقلعوا عن زراعة الشوندر لأن درجة الحلاوة لن تزيد عن /13/، وهذا يتعلق بالبيئة والبذار التي نستوردها، ولكن يجب علينا إعادة النظر بالعروات والري، ولا يمكن زيادة الحلاوة إلا بالعروة الصيفية، ونؤيد توحيد جهة الإشراف، ورفعنا أكثر مذكرة بذلك»... ورغم ما أطلقه وزير الزراعة عندها، إلا أنه وقف آنذاك عاجزاً عن اتخاذ القرار، بل ووقف متفرجاً، وهو الآن رئيس مجلس الوزراء.

القضية أبعد من ذلك بالتأكيد! لأن المطلوب هو وقف معامل السكر عن الإنتاج، وتحت حجج التكلفة التي تصل لــ/60/ ليرة سورية للكيلو، كما أننا لا بد من أن نذكر أن استيراد كامل حاجة سورية من السكر، والخميرة، والكربون، والكحول من جانب التجار وشركائهم، ما هو إلا عملية استنزاف مكشوفة للخزينة العامة الدولة.