من الليشمانيا إلى الفيروس العيني... عندما تتحول البيئة إلى وباء
في بلدة السحلبية الغربية بريف الرقة، يعيش الأهالي منذ نحو شهرين حالة من القلق المتصاعد بعد تسجيل عشرات الإصابات بمرض فيروسي يصيب العين، بحسب مديرية الصحة.
وما بدأ كحالات متفرقة تحول إلى انتشار داخل الأسرة الواحدة، حيث انتقلت العدوى عبر المخالطة المباشرة واستخدام الأدوات الشخصية.
ورغم تأكيد الجهات الصحية أن الوضع «تحت السيطرة»، تكشف المعطيات الميدانية عن أزمة أعمق؛ البيئة الملوثة والبنية التحتية المنهارة تحولت إلى حاضنة نشطة للأمراض، لا في الرقة فقط، بل في ريف حماة وحلب أيضاً.
فبحسب مديرية الصحة في حماة، بلغ عدد الإصابات المسجلة بداء الليشمانيا خلال الثلث الأول من العام الجاري نحو 8080 حالة، متجاوزة أعداد الفترة ذاتها من العام الماضي.
وقد أعلنت المديرية في 8 حزيران عن خطة متكاملة لمواجهة المرض، تشمل حملات رش للحشرات الناقلة ودعم المراكز الصحية. وفي 6 حزيران انطلقت حملة «معاً لمكافحة الليشمانيا» في حلب.
لكن السؤال الحرج: لماذا يأتي التدخل بعد تحول المرض إلى وباء؟ ولماذا لا توجد حملات وقائية تسبق موسم تكاثر الحشرات، ولا سيما ذبابة الرمل، الناقلة للمرض؟
الفقر يضاعف العدوى
ما يجمع بين الفيروس العيني (Adenovirus) والليشمانيا هو عامل الفقر. فوفق مديرية الصحة في الرقة، لا توجد إحصاءات دقيقة بسبب لجوء عدد من الأسر إلى العلاج المنزلي أو الصيدليات، ما يعني عدم قدرتها على تحمل تكاليف العلاج.
كما أن إصابة عدة أفراد من الأسرة الواحدة تؤدي إلى تعطيل مصادر الدخل؛ وإذا تطورت الحالة إلى مضاعفات (كتقرحات العين أو تشوهات الليشمانيا)، تزداد الأعباء المالية، وتدفع بالأسر نحو مزيد من الفقر.
بين الطمأنة والتقصير
لا يمكن إنكار ما قامت به الجهات الصحية من خطوات إيجابية؛ كمتابعة الحالات، وإطلاق حملات الرش. كما أن التأكيد على أن الفيروس العيني لا يؤثر على القدرة البصرية هو تطمين مشروع.
لكن المأخذ الجوهري أن كل هذه الإجراءات جاءت بعد التفشي، خاصة وأن الليشمانيا بدأ انتشاره في نيسان. فعبارة «الوضع تحت السيطرة» قد تكون خطِرة إذا استُخدمت لتبرير التأخر في اتخاذ إجراءات استثنائية، بينما المؤشرات الميدانية – 8080 إصابة في 3 أشهر، و40 إصابة عينية في بلدة واحدة – تقول إن السيطرة نسبية ومؤقتة.
من العَرض إلى الجذر
لم تعد مسألة تفشي الأمراض مسألة طبية بحتة، بل قضية بيئية-اقتصادية-اجتماعية مترابطة. طالما بقيت النفايات متراكمة، والمياه الآسنة راكدة، وشبكات الصرف الصحي معطلة، فإن الأوبئة ستتكرر موسمياً، وستبقى الاستجابة «طارئة»، والحملات «مفاجئة».
فتحول ملف النظافة إلى أولوية وطنية، وتخصيص ميزانيات لترحيل النفايات وتأهيل الصرف الصحي، خاصة في الأرياف، وإنشاء نظام إنذار مبكر موسمي؛ كلها ضرورة للحيلولة دون تحول البيئة السورية إلى أكبر حاضنة للأمراض. وإلا سيظل الأهالي ينتقلون من مرض إلى آخر، فيما تكرر الجهات الصحية عبارات «الطمأنة» التي لا توقف العدوى.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1282
سلمى صلاح