كيف أصبحت شيوعيا؟

 ضيفنا لهذا العدد، الرفيق محمد مصطفى إنجيلة، وهو من الرفاق في تنظيم النور.

 

الرفيق المحترم أبو حاتم، كيف أصبحت شيوعيا؟

لاشك أن الحديث في هذا المجال يتطلب وقفة جادة مع الذات وشعوراً عالياً بالمسؤولية، لأنه سيكون، بشكل من الأشكال، سطوراً ضمن تاريخ الحزب، ولهذا فإنني أحس في الإجابة على سؤالكم، شيئاً من التهيب المشروع، وخاصة أن زاويتكم قد استضافت قامات معروفة من قدامى الشيوعيين، وأمثالي مازالوا شباباً.

أنا من مواليد بلدة دوما عام 1958 ابن عائلة فلاحية متدينة بعيدة كل البعد عن السياسة. تلقيت تعليمي الابتدائي والإعدادي والثانوي في بلدتي، ثم التحقت بالمعهد الهندسي المتوسط ونلت شهادته. بدأت بالتعرف على الفكر الاشتراكي عن طريق رفاق شيوعيين من طلاب ثانوية دوما، ومن المدرسين أذكر منهم الأساتذة عبد اللطيف آله رشي، وجرجي كاترينا، وعبد القادر الممّا، وعجاج الزهر، إلى جانب وجود فرق طلابية نشيطة من اتحاد الشباب الديمقراطي، وبصراحة، فإن علاقتي بالعمل السياسي ظهرت منذ نهاية المرحلة الإعدادية فقد شدني لأفكار الحزب ومن ثم الانتساب إليه شعوري بقسوة الظلم الاجتماعي وثقل العادات والتقاليد المتخلفة، ووجدت لدى الشيوعيين الملاذ للتغيير الاجتماعي نحو التقدم والعدالة والمساواة، وكذلك شدني الشعور الوطني الدافّق الذي يتحلى به الرفاق في نضالهم دفاعا عن الوطن ولقمة الشعب، وكان للقضية الفلسطينية وتضحيات الفدائيين، الأثر الواضح في جذبي إلى صفوف الحزب الذي شارك وبشكل مشرف في العمل الفدائي، كما كان للرفيق الدكتور زهير الممّا دور هام في انتسابي للحزب. في تلك الأيام أسهمتُ في النشاطات الوطنية والأممية التي أقامها التنظيم الحزبي، وقمت بتوزيع بيانات الحزب مع الرفاق الكبار، وأتذكر وأنا طالب في الصف العاشر، كيف كان الرفاق يوضحون لزملائهم الطلاب، موقف الحزب من شركات النفط الأمريكية، لتعبئتهم للنضال ضدها، كما كان لنا مشاركة هامة وكبيرة، في التصدي للأفكار الرجعية التي تبثها القوى الظلامية، ضد التقدم والاشتراكية.

وقد قمت بتنسيب العديد من الطلاب والعمال للحزب، وأذكر مساهمة التنظيم الحزبي في تأسيس الجمعية التعاونية للنقل، وفي مشروع (الفرنك) لخدمة أهالي دوما، ببناء المشفى والمركز الثقافي، وكما هو معروف، فإن منظمة دوما للحزب هي منظمة عمالية وفلاحية، وكان لها دورها الهام في إعداد الكثير من الرفاق المثقفين، وفي الإسهام بتطوير الواقع الاجتماعي لمدينة دوما نحو الأفضل، كما كان لعمل الرفاق، ممثلي الحزب في الإدارة المحلية، الصدى الطيب، وأذكر منهم الرفيق الدكتور ياسين النائب، والرفيق المهندس إبراهيم طعمة ،وفي النقابات أيضا كان للرفاق قسطهم المشرف في العمل الملموس لمصلحة الجماهير الشعبية، بكل صدق وإخلاص، وبالمناسبة فإنني أنحني بكل الاحترام والتقدير، لجهود العشرات من الرفاق الذين عملوا بصمت وصبر في تأسيس منظمة الحزب في دوما، وفي إكسابها السمعة المحترمة، وكانوا بحق مثال الالتزام والإخلاص والنزاهة، ومنهم الرفيق الراحل أبو ياسين محمد النائب، والدكتور عبد الغني الصالحاني، وللحقيقة أقول إنني سمعت من رفاق قدامى، أن للرفيق نجاة قصاب حسن، وللرفاق من عائلة ناجي شرف المساهمة الجادة بتكوين التنظيم الحزبي في دوما..... سقى الله تلك الأيام!!

وتمر الأعوام، ويتعرض الحزب للانقسامات، التي شلت عمله وأضعفت صفوفه، وأبعدته عن جماهيره، ولا يتسع أمامي الآن المجال لذكر الأسباب التي كانت خلف ما جرى، سواءً الأسباب الموضوعية، أو العوامل الذاتية، لكنني أجد نفسي مدفوعا لأن أستذكر كيف كان الرفاق، فيما مضى، يعملون وهم بأوج نشاطهم، ملتزمين بحزبهم ومناضلين أشداء مدافعين عن حقوق الشعب والوطن بحماسةٍ ونكرانٍ للذات، وليس غريبا الآن أن نحس بالحزن والألم ونحن نرى تعدد الفصائل، وكيف ترك ألوف الرفاق التنظيم، وأنا تركت التنظيم لمدة سنتين، ثم عاودت الالتزام من خلال تنظيم (النور)، وبدافع من التجربة القاسية والواقع الصعب الراهن، أجد لزاما عليّ أن أدعو جميع الرفاق، في كافة فصائلهم، وخارج التنظيم، للعمل من أجل وحدة الحزب، الغالية على قلبي وقلوب كل المخلصين لهذا الشعب الكادح الكريم، ومما يعيد الثقة للنفوس، ما نلمسه اليوم من بدء التجاوب، من قِبَل الكثيرين من الرفاق، مع اللقاءات المشتركة فيما بينهم، وفي نشاطات اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين، وهي، ولا شك، خطوات صحيحة وجيدة، على طريق استعادة الحزب لدوره الوطني والطبقي، وبرأيي ليس يُقبل من أحدٍ، بعد هذا الوضوح، أن يتخلف عن المشاركة الصادقة، مع جميع الشيوعيين، ليعود للحزب وجهه الناصع الأصيل، كمدافع صلب عن قضايا الوطن والكادحين، وهذه هي الهوية الحقيقية للحزب الشيوعي السوري، الذي سنحتفل قريباً، بالذكرى الثالثة والثمانين لتأسيسه، وأتمنى ومن كل قلبي، أن يكون الاحتفال مشتركا يضم كل الفصائل، وكل عام وأنتم بخير.