نزار عادلة نزار عادلة

الاتحاد الدولي للعمال العرب في مؤتمره الثاني عشر.. كيف يمكن مواجهة الواقع المتردي؟

إذا كانت الوقائع تقول بفشل جميع منظمات ومؤسسات العمل العربي المشترك بدءاً بالجامعة العربية ومتفرعاتها، كمنظمة العمل العربية والاتحادات الصناعية ومنظمات عديدة أخرى.

إذا كان الفشل أمراً واقعاً والشلل واضحاً في أداء ودور هذه المؤسسات فإن السؤال الذي يطرح نفسه:

لماذا فشلت النقابات والاتحادات والمنظمات الأهلية؟ ونموذج ذلك الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب.. أقول ذلك لأن هذا الاتحاد الدولي يعقد مؤتمره الثاني عشر في الخرطوم بمشاركة وفود نقابية عربية للمنظمات الأعضاء في الاتحاد، وأجنبية تمثل اتحادات عمالية دولية وإقليمية، وضيوف يمثلون منظمات جماهيرية ومهنية.

ويناقش المؤتمر قضايا سياسية واجتماعية ونقابية وثقافية وتنظيمية ومالية.

وسيخرج المؤتمر كالعادة:

- قرارات تأييد للنضال العربي.

- مواجهة التدخل الاستعماري

- قرارات مساندة لفلسطين والعراق ولبنان وسورية والصومال. 

قبل أكثر من 55عاما تأسس الإتحاد الدولي للعمال العرب، وكان تأسيس هذا الإتحاد إيذانا بميلاد منظمة نقابية قوية تجسد إرادة عمال البلدان العربية ووحدتهم، وتدافع عن حقوقهم ومصالحهم وتحشد طاقاتهم في مواجهة ظروف القهر والاستغلال والهجمة الاستعمارية الشرسة التي كانت تستهدف المنطقة العربية.

انعقاد المؤتمر الآن بعد 55 عاماً من تأسيس الإتحاد لن يشكل حدثاً، ولن يشكل عنوانا أو منطلقاً رحباً لنضال العمال على الصعيد السياسي والاقتصادي  والاجتماعي، ومن يتأمل أو يدرس الواقع العام منذ تأسيس الإتحاد الدولي وخصوصاً في السنوات الأخيرة يلاحظ أن الموقف الاجتماعي والسياسي للعمال العرب بتنظيماتهم القطرية أو تنظيمهم القومي لم يكن حاضرا يوماً، بل كان غائبا بشكل دائم عن مسرح الأحداث رغم التناقضات القائمة والتي أحدثت وتحدث الكثير من الهزات والاضطرابات، ولكنها هزات عفوية واضطرابات لا هدف لها، وكثيرا ما كانت  تؤدي الصراعات العفوية  إلى انفجارات هائلة ولكنها كانت فاشلة لأن هناك عوامل داخلية وخارجية تتحكم في ظروف تطور البلدان العربية، وهي من النوع الذي خلق حالة من التدجين للشعور الطبقي وثم إخماده أو خلق الأجواء التي لا تساعده على الاستيقاظ.

تعطل خلال 55 عاما ما لدى البلدان العربية من طاقات إنتاجية، وأصاب التحلل والتفسخ بنية المجتمعات العربية، ووصل أولا إلى البيئة العمالية التي لم يكتمل نموها ووعيها،  والتي لم يحل فيها الولاء النقابي محل الولاء العائلي والعشائري، وانقضَّت نزعة الاستهلاك لتشكل أخطر المناخات الاقتصادية والاجتماعية، ولتقضم بأسنانها الحادة الأواصر الطبقية، وتحول العمال ونقاباتهم إلى حجر يتسرب منه المضمون.

55عاماً مرت منذ أن حصلت البلدان العربية على استقلالها، وتم إخضاعها بالسلطة والسوط، وقد أعطى هذا نتائجه الآن، وإذا كان الأمر كذلك في الواقع العربي بشكل عام، فإن السؤال الأساسي يبقى ملحاً:

كيف يمكن للعمال العرب ونقاباتهم مواجهة هذا الواقع؟

لا شك أن الجواب يبدو صعبا أمام تساؤلات عديدة:

- هل النقابات مستوفية شروطها؟

- كيف تمارس النقابات دورها الاجتماعي والسياسي؟

في البلدان العربية، ومع انتشار الأفكار الاشتراكية، شكلت النقابات عفوياً وارتجالياً خلال سنوات طويلة، ورغم ذلك كان دورها فاعلاً من خلال مواقف عديدة اتخذتها في سورية ومصر وغيرها.

عام 1956، و تحديداً في شهر آذار، تأسس الإتحاد الدولي للعمال العرب، وفي دمشق عقد المؤتمر التأسيسي لهذه المنظمة النقابية العمالية العربية، ولن نشير هنا إلى البرامج العريضة التي وضعها الإتحاد العربي عبر مؤتمراته، فقد بقيت مجرد برامج تتكرر من مؤتمر إلى آخر، وذلك لأسباب عديدة أبرزها:

الاختلافات البينية التي تفصل بين منظمة نقابية وأخرى، كما هو بين دولة عربية  وأخرى، نقل الصراع بين الأنظمة العربية إلى صراع بين الحركات النقابية العربية داخل الاتحاد الدولي للعمال العرب، رغم أن الدول العربية أول مجموعة دولية في عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية تقرر التعاون الإقتصادي فيما بينها، بدءاً من ميثاق الجامعة عام 1945، مرورا بمعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي واتفاقية تسهيل التبادل التجاري عام 1953، وصولاً للوحدة الاقتصادية عام 1957، ولم تلتزم الدول العربية  بهذه الاتفاقيات وإحكام هذه الوثائق وغيرها، وهذا ينطبق على الاتحاد الدولي للعمال العرب وكافة قراراته، وكما أن هناك استمرارية في الدول العربية لمظاهر التفتت والانفجار من الداخل، فإن هذه المظاهر انتقلت إلى الإتحاد الدولي للعمال العرب، وكما أن الجماهير العربية غائبة ومغيبة عن الفعل السياسي بل وغائبة حتى عن رد الفعل، فإن العمال العرب ومنظماتهم النقابية في غياب كامل عن دورهم الحقيقي، رغم التطورات الاقتصادية والاجتماعية والكوارث التي تحفل بها المنطقة.

أوجز أمين عام الإتحاد الدولي للعمال العرب أزمة الاتحاد في المؤتمر الحادي عشر بالآتي: «على صعيد الحريات ثمة مشكلة كبيرة، بسبب تدني مستوى الديمقراطية، وضعف مستوى المشاركة الشعبية في الحكم، وغياب المساءلة وانتهاك القوانين.

وهذه الأسباب تجعلنا عاجزين أو متخلفين إزاء متطلبات عصر الثورة العلمية والتكنولوجية، وتجعلنا متأخرين ومستلبين إزاء مسارات العولمة.

هذه التحديات تتطلب حركة نقابية فاعلة تتأسس على المرتكزات التالية:

الاستقلالية:  فالحركة النقابية معنية بترسيخ ارتباطاتها بالعمال ومصالحهم، كونها تستمد شرعيتها منهم بدفاعها عن حقوقهم النقابية والاقتصادية والاجتماعية، والإشكالية في واقعنا العربي تكمن في تدني مستوى الديمقراطية، وهيمنة السلطات على المجال الاجتماعي.

الديمقراطية : لابد للحركة النقابية حتى تتطور أن ترسخ طابعها الشعبي وأن تكرس الديمقراطية واحترام الرأي الآخر في العلاقات الداخلية، وتطبيق مبدأ الانتخاب والاحتكام للمؤتمرات باعتبارها مصدر السلطات.

فالديمقراطية هي قوة للنقابات، والحركة النقابية التي تفتقد لها لا تستطيع أن تجدد نفسها وأن تتطور.

إن ابتعاد الحركة النقابية عن ارتباطها بمصالح العمال وقضاياهم يضعفها ويهمشها ويحد من دورها.»

هذا ما قاله الأمين العام للاتحاد الدولي للعمال العرب أمام هذه الصورة؟

ونسأل أيضاً: ماذا حقق الاتحاد الدولي للعمال العرب في الضغط لتنفيذ الاتفاقية العربية لتنقل الأيدي العاملة العربية، والاتفاقية العربية بشأن مستويات العمل، وبشأن التوجيه والتدريب المهني. ومنطلقات اتفاقية تنقل الأيدي العاملة تقول:

1 - أن تتعهد الأطراف العربية بوضع وتنفيذ سياسة هجرة على المدى القريب والبعيد تتلاءم مع احتياجاتها الاقتصادية والاجتماعية.

2 - الحفاظ على شروط الأولوية في التشغيل للعمال العرب، مع التأكيد على الآتي: الحفاظ على فرص العمل بالنسبة لعمال الدول الأصليين، والعمل تدريجياً على إحلال قوة العمل العربية محل الأجنبية.

لم يقم الاتحاد الدولي للعمال العرب بدوره، ولم يقدم شيئا في هذا المجال، والعمالة العربية كما نعرف تعاني في عدد من الدول العربية من أنواع التمييز والإجحاف بحقوقها.

وانطلاقا من ذلك نقول: إن المؤثرات المرضية في أكثر المنظمات النقابية العربية، كالترهل والولاءات وعدم المحاسبة ونقص الأهلية النقابية وانعدام الديمقراطية انتقلت إلى الاتحاد الدولي للعمال العرب، لذلك فإن السمة البارزة في مؤتمرات الاتحاد الدولي المساومات والصفقات والصراعات في الكواليس وفي العلن، ليس حول تطبيق مبادئ الاتفاقيات العربية والأسباب التي تحول دون التطبيق، وليس حول انتهاك أكثر البلدان العربية للحريات الديمقراطية، وإنما حول منصب الأمين العام بين هذه الدولة وتلك، وحول نواب الأمين العام، وحول مقر الاتحاد، وتقدم الإغراءات وتجري الصفقات بين هذه القيادة النقابية وتلك الدولة التي تفوز بالأمانة العامة، نعم الدولة وليست الحركة النقابية، والتي ترجع إلى بلدها رافعة راية الانتصار، ليس بتفعيل عمل ودور الاتحاد الدولي، وإنما باستحواذها على منصب الأمانة العامة، لتنال رضى الحكومة، ولتنال  الدعم المادي والمعنوي!!

واقع الاتحاد الدولي للعمال العرب يتطلب من المنظمات النقابية العربية دراسته والخروج بقرارات إصلاحية تضع هذه المنظمة في مكانها الطبيعي، خصوصاً وأن هنالك ضغوطاً كبيرة تمارس على المنظمات النقابية العربية، وعلى الاتحاد الدولي للعمال العرب من الاتحاد الحر، للانضواء تحت لوائه، وقتل الحدود الدنيا من الروح النضالية.

آخر تعديل على الإثنين, 28 تشرين2/نوفمبر 2016 21:54