«عصابات منظمة» تسرح وتمرح في دمشق!

«عصابات منظمة» تسرح وتمرح في دمشق!

سوء الوضع الاقتصادي وانخفاض مستوى المعيشة، وصعوبة أو استحالة قدرة بعض المواطنين الاعتماد على مدخولهم الشهري للحياة ضمن أدنى المتطلبات، دفعهم إلى البحث عن حلول بديلة للعيش، منها ماهو قانوني وشرعي، ومنها ما هو خارج القانون، ولعل ذلك كان أحد أسباب الانتشار الكبير لحالات «السرقة المنظمة» ضمن العاصمة دمشق، كظاهرة عززت الأزمة وجودها.

 

أماكن تواجد هذه العصابات معروفة للجميع، حتى أن أشكال بعض النشالين باتت معروفة أيضاً وخاصة لسائقي وسائل النقل، كون آلية عمل هؤلاء تعتمد أولاً وأخيراً على الازدحام الذي أفرزته الأزمة عند أماكن انطلاق وتوقف وسائل النقل، التي باتت قليلة وغير كافية لتعداد السكان المتزايد في دمشق.

مندسين!

 

في أوقات الذروة، ينتظر العشرات على مواقف السرافيس والباصات قدوم وسلية النقل، وعند وصولها يركضون خلفها ويتدافعون عليها علهم يحصلون على مكان داخلها، وهذه الحالة مناسبة جداً لتلك العصابات، التي قامت باستثمار حاجة المواطنين وانحسار تفكيرهم وتركيزهم على كيفية تأمين مكان في وسيلة النقل، وقاموا بتقسيم المهمات على بعضهم البعض ضمن العصابة التي قد تتكون من 3 إلى 5 أشخاص.

أحد عناصر الشرطة أكد لـ صحيفة «قاسيون» أن أفراد العصابة يختارون مناطق الازدحام وقت الذروة وهي «البرامكة – جسر الرئيس، شارع الثورة، كراجات العباسيين»، ويختارون الخطوط التي تشهد نقصاً في تعداد السرافيس والباصات العاملة عليها، وضغطاً  وتزاحماً من قبل الركاب، و»يندسون» بين المنتظرين دون أن يثيروا الشكوك.

وأردف «عند قدوم وسيلة النقل يتدافعون مع الركاب بعد اختيار الضحية الذي قد يكون أخرج هاتفه الجوال وتحدث فيه أثناء الانتظار، أو يظهر من شكله أنه يحمل مبلغاً ما في جيبه، حينها يلتصقون به بحجة التدافع للحصول على مكان في السرفيس أو الباص، حتى يكاد المواطن لا يشعر بالأيدي التي تلمسه من كثرتها، ويقوم هؤلاء بمساعدة الضحية بالركوب في وسيلة النقل دون أن يشعر بدفعه إلى الداخل».

وبعد دخول الراكب، ينفض أفراد العصابة بكل سلاسة متفرقين، ولا يشعر الضحية بأنه تعرض للسرقة إلا بعد انطلاق الحافلة، وهروب اللصوص، بحسب الشرطي.

ورغم تكرار حالات السرقة، واعتراف وزارة الداخلية بأماكن نشاطها، إلا أنها لم تقمع بشكل نهائي بعد، ولا توجد دوريات شرطة بشكل واضح هناك، بحجة أن «ضبط مثل تلك الحالات يحتاج لرجال الأمن الجنائي المتخفين بلباس مدني، وهم منتشرين هناك فعلاً» على حد تعبير المقدم في فرع الأمن الجنائي، سامي درويش.

الشرطي الخفي

 

درويش أكد أن هذه العصابات تستغل ازدحام فترات الذروة للقيام بعمليات السرقة في مناطق مختلفة من دمشق، أبرزها جسر الرئيس وكراجات العباسيين وشارع الثورة والبرامكة، وأشار إلى أن «دوريات الأمن الجنائي متواجدة في هذه المناطق بشكل سري لتتبع العديد من المتورطين في السرقة».

المفارقة هي أن الضحية التي تمتد الأيدي إليها لا تشعر بعملية النشل، ولا تلاحظ أي شيء غريب بعد العملية، حتى أن العصابة تنفض بشكل فردي وطبيعي وكأن شيئاً لم يحدث، ولا يلاحظ أحد عملية السرقة كونها تتم من «مسافة صفر» على حد تعبير أحد الضحايا، الذي قال إنه «تعرض لعملية سرقة منظمة تحت جسر الثورة وهو يصعد في السرفيس، حيث تدافع الناس حوله ودفعوه إلى داخل الحافلة، ليجد نفسه ضحية عملية نشل بعد انطلاق المركبة، وعندما نزل وعاد لمكان الحادث، لم يلاحظ أي شيء غريب، وحينما سأل الباعة هناك أكدوا له أنه حالة من مئات الحالات التي تحدث، وأنه لم يتم إلقاء القبض على العصابة رغم تكرار الحوادث المشابهة يومياً بالمكان ذاته».

المقدم درويش قال في حديث مع إذاعة ميلودي، إنه «تم إلقاء القبض على 38 لص في مناطق الازدحام خلال الشهر الماضي وحده»، وهذا يعني أنه على الأقل هناك حالة سرقة يومية موثقة في تلك المناطق خلال الشهر الماضي، عدا عن تلك التي لم توثق وهي الأكثر.

يقول درويش إنه «تم عرض 23 ضبطاً على القضاء بخصوص عمليات نشل»، مشيراً إلى أن «الأجهزة الأمنية مستمرة بملاحقة هذه العصابات وتقوم بإلقاء القبض عليهم بالجرم المشهود»، أي في مكان الحادثة على حد تعبيره، علماً أن الضحايا الذين التقتهم «قاسيون» لم يجدوا من يناشدونه حينما وقعت الحادثة، وكانوا مضطرين للتوجه إلى أقرب مخفر شرطة لتسجل الحادثة كأمر روتيني، هذا إن توجهوا!.

نشالين من ذوي الخبرة!

 

«معظم المتورطين في عمليات النشل هم أرباب سوابق، وغالباً ما يكونوا مقسمين، فكل عصابة تتألف من 3 لصوص، الأول يقوم بإشغال المواطن، واللص الثاني يقوم بدفعه في وسيلة النقل، أما اللص الأخير فيقوم بنشل الجوال أو المحفظة»، على حد تعبير درويش، مايعني أن هؤلاء الأشخاص لا يلقون العقاب الرادع لهم، وهم من ذوي الخبرة في النشل، بدليل استمرار نشاطهم الجرمي.

مقابل انتشار عمليات النشل، وخاصة الهواتف النقالة التي وصل سعرها إلى أرقام خيالية، انتشرت «بسطات» لتصريف بضاعة هؤلاء، أيضاً وسط العاصمة دمشق، وكأن مركز العاصمة بات خارجاً عن نطاق الرقابة القانونية.

بسطات علنية للمسروقات 

 

بسطات بيع الهواتف النقالة المسروقة، موجودة قرب برج دمشق، وقد شهد مراسل «قاسيون» منذ فترة شجاراً بين شخصين، أحدهم استطاع اللحاق بلص كاد أن يبيع هاتفه الجوال بعد أن سرقه منه، حيث تتم عمليات البيع والشراء هناك دون أية فواتير توثق العملية، أو أي رقابة.

وعن أصحاب البسطات العشوائية التي تبيع الهواتف النقالة المشبوهة في مناطق مختلفة بدمشق قال درويش «هناك بسطات تتعامل مع اللصوص، وألقينا القبض على العديد من هؤلاء، وقمنا بمصادرة الجوالات التي بحوزتهم وطابقناها بأجهزة مفقودة مسجلة بضبوط لدينا».

وأعلن المحامي العام بريف دمشق، ماهر العلبي، مؤخراً أن نسبة سرقة الهواتف النقالة ارتفعت بشكل كبير خلال الأشهر الثلاثة الماضية، كاشفًا عن أن «معظم الضبوط الواردة إلى العدلية تخص أشخاصاً ينتحلون صفات منها حكومية»، على حد تعبيره.

وكشفت مصادر قضائية أن عدد الهواتف النقالة المسروقة خلال الأزمة  بلغ نحو 150 ألف جوال، نصفها في دمشق وريفها، بينما بلغ عدد الأجهزة المسروقة في دمشق وريفها، خلال الأشهر الثلاثة الماضية أكثر من 4000 جوال، منها نحو 2500 جوال بدمشق، وأكثر من 1700 جوال في ريفها.

الرقابة الشرطية

 ضرورية ولكنها غير كافية

 

وعلى اعتبار أن هذه الظاهرة قد تعزز وجودها وانتشارها خلال فترة الحرب والأزمة، كغيرها من الظواهر السلبية الأخرى، بنتيجة تدني مستويات المعيشة وعدم تناسب الدخول والأسعار، وغيرها من الأسباب الأخرى، فإن ذلك يعني أن معالجتها يجب أن تبدأ من هذه النقطة بالذات، حيث لا يكفي موضوع المتابعة والرقابة سواء الشرطية أو الجنائية والقضائية لمثل هذه الظاهرة، رغم أهميتها وضرورتها، بل يجب العمل على حل المعضلة المعيشية الأساسية للسوريين بظل أزمتهم التي باتت كارثية.