تحذير
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 177
الواقع الدوائي بين الحاجة والاستغلال

الواقع الدوائي بين الحاجة والاستغلال

ظرف أو ظرفين من حبوب الدواء الملونة بالأحمر والأسود عيار خمسمائة، كانت علاجاً تكتفي به شريحة واسعة من السوريين البسطاء، إلى جانب كأس من الزهورات الدافئة، وبذلك تنتهي معاناة الرشح، أما اليوم ففعالية الدواء قد تغيرت كما هي أسماء الأدوية، وأصنافها.

أصناف مفقودة

اختفت أصناف دوائية كثيرة من رفوف الصيدليات، وخاصة الأدوية النوعية المتعلقة بالأمراض المزمنة، (السكري والضغط ومضادات التشنج ومضادات التهاب القولون القرحي وأدوية الصرع والهرمونات، ..الخ).
سعاد «صيدلانية في منطقة برزة» تقول: يحضر إلينا عدد كبير من المرضى يسألون عن أدوية معينة وخاصة (أدوية الضغط وأدوية العصبي)، ويتمسكون بنوعية معينة ويرفضون تغييرها، لكنهم في النهاية يعودون ويشترون الدواء المتوفر، فالأدوية المتوافرة، إما رخيصة دون فعالية، أو مستوردة ومرتفعة السعر.
الحاجة بين المحلي والاستيراد
العقوبات الاقتصادية التي فرضت على سورية منذ بدء الأزمة، انعكست بشكل سلبي على الحياة اليومية، وخاصة ما يتعلق بالمواد الأولية، الداخلة بالصناعة المحلية، ذات المنشأ الغربي، ومنها الصناعات الدوائية.
فالصناعة الدوائية السورية قبل الأزمة، كانت تؤمن أكثر من 90% من احتياجات السوق المحلية السورية من الدواء، كما كانت تصدر جزءاً هاماً من إنتاجها الدوائي إلى أكثر من خمسين دولة (عربية وأجنبية)، لكن العقوبات الدولية والأعمال القتالية أدت إلى إخراج ما يقارب 20 معملاً دوائياً عن الخدمة بشكل كامل، ما أدى إلى نقص كبير في كمية الأدوية التي يحتاجها السوق المحلي السوري، إضافة إلى فقدان عائدات التصدير.
وقد أوردت وزارة الصحة تقريراً عن واقع المعامل الدوائية في سورية، حيث بين التقرير أنه ونتيجة الوضع الحالي، خرج 22 معملاً من الخدمة من أصل 68 معمل، فيما صرحت معاونة وزير الصحة للشؤون الدوائية هدى السيد، إن أغلب الأدوية المصنعة محلياً متوافرة ولكن بكميات قليلة، وتتم الاستعاضة عن غير المتوافر منها بالأدوية المستوردة، إذ بلغ عدد المستحضرات الطبية التي تم استيرادها في العامين الماضيين 1050 مستحضراً من عدة دول، أهمها (إيران وكوريا والهند وبيلاروس والأرجنتين والإمارات العربية المتحدة وبلجيكا والدانمارك والسويد وفرنسا والنمسا وسويسرا وألمانيا وبريطانيا).
معاناة المرضى.. صعوبات الصيدلة
عندما تصيبك نزلة برد أو تشنج بالكولون، قد تجد أدوية بديلة، لكن عندما تكون تعاني من مرض عضال كالسرطان، فإن الحصول على الدواء المطلوب سيكون أمراً محتماً، مهما كان سعره، وبأي طريقة كانت.
الصيدلاني علي المحمد يقول: نحن نحاول تأمين الأدوية للمرضى من أية جهة كانت، لكننا نعاني من ضعف فعالية عدد من الأدوية، لذلك نقوم بصرف أكثر من دواء من أجل تحقيق الفائدة المرجوة من العلاج.
 ويضيف المحمد: كما نعاني من تغير موزعي الدواء، وخروج عدد كبير من الموردين من السوق الحالية، لذلك إن لم نكن حذرين وعلى دراية بالمصادر الحقيقية للدواء الذي نعرضه في صيدليتنا، قد نقع بسهولة بأيدي تجار الأدوية المزورة، وخاصة الأجنبي، الذي يدخل إلى البلد بطرق غير شرعية.
متابعا: تعاونا في منطقتنا مع مديرية الصحة، وتم إغلاق عدد من الصيدليات بعد أن ثبت لنا أنها تقوم باستجرار وبيع الأدوية المهربة، وهذا أمر يضر بالمجتمع ككل، سواء على المستوى الصحي من حيث الصحة العامة للناس، أو من حيث إيمان المرضى بفعالية الدواء الذي يشترونه من الصيدليات، كما أن الدواء المهرب يباع بأكثر من ثلاثة أضعاف سعره الحقيقي، وهذا يضر من الناحية الإقتصادية.
أبو علاء، رجل في بداية عقده السابع، يقول: أعاني من ارتفاع الضفط الشرياني، مما يتطلب تناول دواء بشكل يومي، لكني في السنتين الاخيرتين بت أعاني من فقدان الصنف الذي أتناوله، حيث أقوم كل شهر بجولة على جميع الصيدليات في منطقتنا كي أجد العيار المطلوب، وغالباً لا أجد النوع ذاته، وإذا وجدت فإن الصيدلي يرفض بيعي أكثر من علبتين، إضافة إلى ارتفاع سعر الدواء في كل مرة، ومن صيدلية إلى أخرى قد أجد فرق في السعر، بين الخمسين إلى المائة ليرة، وهذا ضمن حي واحد.
دواء نوعي
وليد، مريض سرطان بالدم، يقول: أحتاج لجرعات دواء كيماوية، لكني أجد صعوبة في إيجاد الجرعة كاملةً، حيث تقول لي الممرضة، أن الجرعة المتوفرة لدى المشفى غير كاملة، لذلك يتوجب علي تأمين جزء من الجرعة «بطرقي الخاصة»، وقد بت أوصي صيدلاني بالقرب من المشفى لأن يحضر لي الجزء المفقود قبل زيارتي للمشفى.
ويضيف: في كل مرة أجد أن سعر الدواء قد ارتفع عما سبقها، وفي إحدى المرات؛ طلبت الممرضة التي تقوم بإعطائي الجرعة إيقاف الجرعة الدوائية، والعودة في اليوم التالي، كونها لم تكن أكيدة من الدواء الذي أحضرته معي.
مضيفاً أحياناً يصل سعر الدواء الذي اشتريه من الخارج إلى 15 ألف ليرة، وأكون غير متأكد من فعاليته.
الأجنبي متوفر «تهريباً»..
رغم الحصار
طالما تمتع الدواء الأجنبي بسمعة طيبة في الأوساط السورية، واليوم لن يكون تحصيل الدواء الأجنبي بالأمر المستحيل، رغم الحصار المفروض على سورية، كل ما يحتاجه الأمر هو أن توصي بعض الصيدليات، التي تعرض خدماتها بتأمين الأدوية، وخاصة عن طريق لبنان، وبعد أسبوع من الزمان سيكون الدواء موجوداً!.
إحدى الصيدليات في منطقة المزة، قادرة على تأمين الدواء الذي تطلبه من لبنان، لكن عليك حجز دور والإنتظار قرابة العشرة أيام، لكن السعر سيكون مضاعفاً أكثر من خمس مرات، والدفع سيكون بالدولار، ففي لبنان لا يتعاملون بالليرة السورية حكماً، بل بالدولار.
مكافحة المستغلين
وإعادة عجلة المحلي ضرورة
إن عدم القدرة على تأمين بعض الأصناف الدوائية، وخاصة النوعية منها  (للأمراض المزمنة وذات الطبيعة الخاصة)، بنتيجة توقف بعض المعامل الدوائية والحصار الجائر، فسح المجال واسعاً أمام الكثير من ضعاف النفوس، للإتجار بصحة المواطن، سواءً عبر الأدوية المزورة أو عبر المهرب منها، وكلاهما غير خاضع للرقابة الصحية، وغير مضمون النتائج والعواقب، والأعراض الجانبية، طبعاً بالإضافة إلى الاستغلال والجشع لدى هؤلاء، مستغلين حاجة المرضى للعلاج، والمؤسف أكثر هو تلك التشاركية مع بعض الفاسدين العاملين في الحقل الصيدلاني، المشجعين والمروجين لتلك الأصناف، كي يحققوا أرباحاً مضافة على حساب صحة المواطن، الأمر الذي يستدعي الجدية بمكافحة هؤلاء ومتابعتهم ومحاسبتهم، إضافة إلى أهمية الإسراع بإعادة عجلة الإنتاج المحلي الدوائي بالطاقة الإنتاجية الكاملة، مع ما يحمل  بطياته من أهمية صحية واقتصادية.

الأدوية المقلدة  وواقع المحلي

أعلنت وزارة الصحة السورية، أنها ضبطت (35) صنفاً دوائيا مزوراً، خلال الربع الأول من عام 2015.
وفي حديث لقاسيون مع نقيب صيادلة سورية، الدكتور محمود حسن الحسن، قال: تعتبر التجارة في الأدوية المقلدة «المزورة»، ثاني أقوى وأكبر تجارة على مستوى العالم، بعد تجارة المخدرات، وبسبب الظروف الأمنية التي تشهدها سورية، فإن ضبط عمليات تهريب الأدوية يعد عملية صعبة.
ويتابع نقيب الصيادلة: يوجد اتفاقية جديدة بين وزارة الصحة ومعامل تصنيع الأدوية في سورية، لضرورة تأمين الدواء المفقود من السوق المحلية  خلال شهرين، فاليوم نشهد عودة 12 معملاً للعمل بطاقة 50% من طاقتهم الإنتاجية، كما يوجد معملين في اللاذقية قيد الانشاء.
مضيفا: إن التعهد الموقع حالياً، سيعيد أصنافاً دوائية «نوعية» إلى رفوف الصيدليات، كالمضادات الحيوية وغيرها من الأدوية النوعية، حيث كان المواطن السوري يضطر لشراء الأدوية المستوردة وبأسعار مرتفعة، كما أكد الحسن على أهمية محاربة الدواء غير المراقب (المهرب)، لما يحمله هذا الدواء من ضرر على صحة المواطنين، فهو في معظم الأحيان مقلد بطريقة سيئة، كما أنه لا يدخل إلى مخابر المعايرة الدوائية، للمراقبة والتحقق.