عن أقلام صهيونية قلقة:  العلاقات الأمريكية- «الإسرائيلية» تتبدل

عن أقلام صهيونية قلقة: العلاقات الأمريكية- «الإسرائيلية» تتبدل

القلق ثم القلق ثم القلق، مفردة بات وجودها محتماً ليس في تحليلات التواقين للخلاص من الكيان الصهيوني فحسب، بل بات لزاماً إدراجها في آلاف المقالات التي يصوغها كتّاب الكيان ذاته، عاكسين في ذلك مخاوف الكيان الوجودية من التبدل الجاري على العلاقات الأمريكية- «الإسرائيلية»، في ظل التغيرات الحاصلة في موازين القوى الدولية، وتراجع واشنطن عن كونها قوة دولية منفردة.

 

فيما يلي، تعرض «قاسيون» نموذجاً عن هذه المقالات «الصهيونية القلقة» التي تزخر فيها مراكز التحليلات الاستراتيجية العالمية. حيث يقدم الكاتب الصهيوني، حاييم ملكا، في هذه المادة قراءته التحليلية للتغير في العلاقات بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، وبالتالي، لأسباب القلق «الإسرائيلي» الوجودي المتزايد.

 

ترجمة وإعداد: أحمد الرز

لأكثر من عقد من الزمان، استبعد كثيرون اهتزاز الشراكة بين الولايات المتحدة و«إسرائيل»، إلا أن المؤشرات الواضحة على ذلك، تظهر اليوم تحت السطح من جديد، إذ تتغير اليوم الصفائح التكتونية للافتراضات الأساسية الثلاثة حول هذه الشراكة. وفي حين أن حدوث الزلزال في هذه الشراكة ليس وشيكاً بعد، إلا أن تضاريس العلاقة تتغير على نحو مهم.

الالتزام الأمريكي 

صار أصعب..!

بات ضمان التزام الدفاع الأمريكي عن «إسرائيل» أكثر صعوبة. من السابق، أعلن العديد من داعمي «إسرائيل» ذلك بمثابة ضمان صارم، وقد عززت الولايات المتحدة إعلاناتها السياسية من خلال إنفاق ما يقرب من 100 مليار دولار أمريكي، على مدى نصف قرن، للتأكد من أن الأسلحة المتطورة تضمن لـ«إسرائيل» التفوق العسكري النوعي ضد خصومها. وهذا الالتزام السياسي قوي إلى درجة أنه جرى تكريس مفهوم التفوق العسكري النوعي لـ«إسرائيل» في القانون الأمريكي.

وكانت تلك المساعدات في غاية الأهمية، إذ ساعد دعم الولايات المتحدة «إسرائيل» على تحييد نفسها عن التهديدات العسكرية التقليدية من الدول المحيطة، وإرساء «إسرائيل» باعتبارها القوة العسكرية المهيمنة في المنطقة، ولذلك، قرر عدد من تلك الدول أن يتجه نحو «صنع السلام مع إسرائيل».

ومع ذلك، المشكلة هي أن التهديدات الأولية لـ«إسرائيل» لم تعد تقليدية، بل باتت تهديدات غير نظامية من جماعات مثل «حزب الله» و«حماس»، فضلاً عن الضربات الصاروخية المحتملة من إيران. إذ يتوقع القادة العسكريون «الإسرائيليون» أن «حزب الله» سيطلق آلاف الصواريخ والقذائف على «المدن الإسرائيلية» في أية حرب قادمة، ومثل هذه الضربات، من شأنها أن تشل البنية التحتية للنقل والصناعة «الإسرائيلية»، في حين ستضع الملايين من «الإسرائيليين» في خطر.

إيران هي نوع مختلف من التهديدات التي يعتقد «الإسرائيليون» أنها تهددهم وجودياً. والمجتمع «الإسرائيلي» غالباً ما يكون قلقاً حيال أنه إذا ما نوت إيران إطلاق ضربات نووية على «إسرائيل»، فسيكون لديهم، على الأكثر، دقائق معدودة من التحذير. 

إن فكرة تزويد «إسرائيل» بمزيد من منصات الأسلحة المتطورة، وذخائر ضخمة كقاذفة القنابل «B-52»، بهدف تخفيف القلق «الإسرائيلي» وتحسين العلاقات، لا يأخذ في الحسبان كلاً من طبيعة التهديدات الماثلة أمام «إسرائيل»، وكيفية تعاطي «الإسرائيليين» مع هذه التهديدات. ففي الواقع، لا يوجد نظام سلاح، أو ضمانة سياسية، قادرة على أن تعالج القلق «الإسرائيلي» من التهديد النووي الإيراني.

كان الردع «الإسرائيلي» للجيوش العربية واضحاً نسبياً في السابق، لكن معالجة هذه الأنواع المستحدثة من التهديدات باتت صعبة على نحو متزايد. في عام 2014، استغرقت «إسرائيل» سبعة أسابيع للسيطرة على صواريخ «حماس»، وبذلك فشلت فشلاً ذريعاً في تغيير التوازن الاستراتيجي في غزة. والمشكلة ليست «إسرائيلية» فقط، فحتى المخططون العسكريون الأمريكيون يواجهون اليوم تحدياتهم الخاصة التي تتناول موضوع التهديدات غير التقليدية. ففي العراق وأفغانستان، نشرت الولايات المتحدة مئات الآلاف من الجنود، وأنفقت أكثر من تريليون دولار لإخضاع القوى غير النظامية، لكنها لا تزال تصارع. 

وفي حين أن المساعدات الأمريكية ساعدت «إسرائيل» على تخفيف التهديدات الصاروخية، من خلال بناء نظام دفاع صاروخي متكامل، فإنه ليس هناك التزام يمكّن من حماية «الجبهة الداخلية الإسرائيلية»، أو حل المشاكل الأعمق التي تشكل تهديدات غير نظامية وغير تقليدية على «أمن إسرائيل».

القطع الاستراتيجي يتنامى..

تواجه الشراكة «الإسرائيلية»- الأمريكية قطعاً استراتيجياً متنامياً. في السابق، لم تكن التصورات الأمريكية و«الإسرائيلية» في وئام تام، لكن كان هناك دائماً ما يكفي من مبدأ التنسيق المشترك للتغلب على المفاهيم والأولويات الاستراتيجية المختلفة، ففي سبعينيات وثمانينات القرن الماضي، كانتا ملتزمتين بالحرب الباردة، وفي تسعينيات القرن ذاته، جمعهما المشروع المشترك لـ«السلام بين العرب وإسرائيل»، وبعد 11 سبتمبر عام 2001، جمعتهما أيضاً «الحرب الكونية على الإرهاب».

أما اليوم، فإن أحداث الشرق الأوسط لا توفر مستوى الوحدة ذاته، إذ أن «إسرائيل» لم تعد تنسجم مع الاستراتيجية الإقليمية للولايات المتحدة كما كان الحال عليه في السابق، ويعود ذلك جزئياً إلى عدم وجود استراتيجية أمريكية متماسكة، إنما سلسلة من السياسات. وعلى أية حال، فالمشكلة بالنسبة إلى «إسرائيل» هي أكثر عمقاً من ذلك:

تخشى «إسرائيل» من أن الولايات المتحدة تنسحب من المنطقة، وتعيد معايرة سياستها على أساس التعاون بشكل وثيق مع إيران، وذلك يغذي القلق «الإسرائيلي» من الفراغ القيادي الإقليمي، الذي من شأنه أن يترك المنطقة أكثر عرضة للنفوذ الإيراني.

لحكومتي الولايات المتحدة الأمريكية و«إسرائيل» سياسات متناقضة جوهرياً إزاء إيران، بالإضافة إلى وجود خلافات استراتيجية متعددة على كل شيء، بدءاً من الاستراتيجية في سورية، إلى مبيعات الأسلحة الأمريكية المتقدمة لبعض الحكومات العربية.

وعلاوة على ذلك، فإن العديد من هذه التحديات ليست سوى بداية. وعلى الرغم من التوقعات القاتمة للتقدم في مستوى العلاقات، فستبقى القضية الفلسطينية خط الصدع الواضح في العلاقات الأمريكية- «الإسرائيلية» في المستقبل القريب.

«إسرائيل» مسألة

 حزبية أمريكية

تغدو «إسرائيل» مرة أخرى مسألة حزبية في السياسة الأمريكية. إذ استغرق الأمر بالنسبة لـ«إسرائيل» والحلفاء الأساسيين للولايات المتحدة، ما يقرب من أربعة عقود لتحويل الدعم الأمريكي لـ«إسرائيل» من مصالح حزبية ضيقة، إلى عنصر رئيسي في سياسة الحزبين «الجمهوري» و«الديمقراطي».

اليوم، ينهار ذلك الإجماع على عملية الدعم، ويرجع ذلك جزئياً إلى التباين الحاصل بين مراكز السياسة الداخلية «الإسرائيلية» والسياسة الداخلية الأمريكية. حيث كانت العلاقات الأمريكية- «الإسرائيلية» مزيفة في الفترة التي كانت فيها «إسرائيل» في يسار الوسط، أما التحول لاحقاً نحو اليمين، فلم يتماش بشكل مستمر مع الولايات المتحدة.

وعلى نحو متزايد، تشعر الحكومة «الإسرائيلية» الحالية بارتياح أكبر مع «الحزب الجمهوري»، وقد أعلن رئيس وزرائها الانحياز علناً إلى «الجمهوريين» في الكونغرس، في محاولة لتقويض أجندة الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، حول إيران. ولنكن واضحين، لا يزال دعم «الحزب الديمقراطي» لـ«إسرائيل» في الكونغرس قوياً، لكن في صفوف أنصار الحزبين، فإن الاختلافات حول «إسرائيل» تغدو واضحة على نحو متزايد.

سيكون على الرئيس الأمريكي القادم إظهار علاقات أكثر دفئاً مع رئيس وزراء «إسرائيل» بكل تأكيد، وتطوير مستويات المساعدة العسكرية سوف تساعد على إعطاء الانطباع بأن هذه الشراكة قد تمت إعادة تشغيلها.

إن الشراكة الأمريكية- «الإسرائيلية» ستبقى متواصلة، لكن مزيد من الهزات ماثلة أمامنا. ويحتاج الجانبان ليس إلى إدارة هذه الخلافات بعناية فحسب، بل وإلى تقدير الطرق التي تتغير فيها الأسس التي قامت عليها هذه العلاقة.

*عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدوليةCSIS