بين الفرد والفكرة: نقد الشخصنة في الخطاب السياسي السوري
رمزي السالم رمزي السالم

بين الفرد والفكرة: نقد الشخصنة في الخطاب السياسي السوري

مهما بلغ أثر الفرد أو علت مكانته أو امتلك من قوة وجبروت، فإنه لا يستطيع صناعة التاريخ بمفرده؛ فالفرد ابنُ مرحلته التاريخية وما تختزنها من تناقضات وصراعات وتوازنات. وقد تمنحه صفاته الشخصية أو أدواته المعرفية دوراً رمزياً يجعله مركزاً للاستقطاب، كما قد تضعه في موقع معيق لمسار التطور التاريخي. لكنه في جميع الأحوال يظل جزءاً من سياق أكبر منه. فالفرد، مهما كان دوره إيجابياً أو سلبياً، ليس خالقاً للقضية التي يمثلها، بل نتاجاً لبيئته الاجتماعية والسياسية والثقافية.

من هنا، فإن اختزال مدرسة فكرية أو تيار سياسي أو قضية وطنية في شخص واحد أو حزب واحد ـــ بالتمجيد الأعمى أو بالانتقاد السطحي ـــ ليس سوى تحايل على العقل وتزييف للوعي.

الشخصنة سوريّاً: أمثلة ملموسة


تاريخياً، وُسم المقاومون للاستعمار بأنهم «قطاع طرق» بهدف تشويه فعل التحرر نفسه. واليوم يُختزل الإسلام في ممارسات بعض التيارات المتشددة، ويُقزَّم تاريخ حضاري عريض في مظاهر جزئية طارئة. وينطبق الأمر ذاته على الحقوق القومية للشعب الكردي حين تُختزل القضية كلها في الموقف من «قسد»، وكأن مسألة بهذا العمق وُلدت مع قسد ولم تسبقها عقوداً طويلة.
وتتكرر الشخصنة في التعامل مع الاحتجاجات على الجرائم في السويداء أو الساحل، حين تُسحب القضايا من مضمونها السياسي- الاجتماعي والحقوقي إلى مربّع الأسماء: الشيخ الهجري أو الشيخ غزال. فتُختزل المأساة في صورة أفراد ومواقفهم، لا في حقائق الوقائع ولا في مطالب الناس.
سواء أحبّ الناس «قسد» أم كرهوها، تبقى هناك مسألة كردية تحتاج إلى حل ديمقراطي عادل. ومهما اختلفت الآراء حول الشيخين الهجري وغزال، تبقى الجرائم التي طالت مدنيين في الساحل والسويداء تتطلب مساءلة حقيقية، خارج حسابات الولاءات الشخصية. ومهما كان الموقف من السلطة، يظل الدين جزءاً من العالم الروحي للسوريين، لا يمكن القفز فوقه بسبب سلوك الأشخاص.

الشخصنة... أداة لتشويش الوعي السياسي


الشخصنة ليست مجرد ضعف في النقاش العام، بل آلية سياسية لإبقاء الوعي الجمعي في حالة تشوش. إذ يتحوّل الصراع بين البرامج إلى صراع مع الأشخاص، فيتعطل العقل النقدي ويصبح المجتمع عاجزاً عن قراءة الواقع أو صناعة المستقبل. وعندما يرتبط كل شيء بفرد أو قائد أو شيخ، يصبح الناس فريسة لمن يتقن صناعة الانطباعات وتوجيه العقول بعيداً عن جوهر الصراع الاجتماعي والسياسي.

شخصنة القضية الوطنية


يتردد اليوم خطاب يسعى إلى النيل من الإرث الوطني بحجة أنه إرث «أسدي»، وكأن الوطنية نفسها اختراع من اختراعات السلطة السابقة. ويتطور هذا الخطاب ليصل حدّ التشكيك برموز تاريخية مثل سلطان باشا الأطرش وابراهيم هنانو والشيخ صالح العلي لمجرد أن النظام البائد رفع صورهم، وكأن رفع الصور يلغي تاريخاً من النضال سبق الأسد واستمر بعده.
هذا الاختزال ليس نقداً للمرحلة السابقة، بل استسهالاً يضع الوطن كله في مربع شخص واحد، ويقدّم التاريخ على أنه ملك لأسرة حكمت، لا نتاج شعب بأكمله.


القضية الوطنية... حقيقة موضوعية 


أولاً، طالما هناك أرض سورية محتلة، وطالما يضع الموقع الجيوسياسي لسورية البلاد في قلب صراعات المنطقة والعالم، فإن القضية الوطنية ينبغي أن تظل بنداً ثابتاً على أجندة أي سلطة، مهما كان اسم رئيسها أو لون حزبها. فالاحتلال لا ينتهي برحيل شخص، والتهديدات لا تزول بتغيير الحاكم.
ثانياً، لم تتبنَّ السلطة الساقطة الخطاب الوطني عبثاً، بل تماشياً مع حقائق الواقع السوري. فمنذ الاستقلال استخدمت كل السلطات خطاب الوطنية لضمان الاستقرار، ومن تخلّى عنه سقط سريعاً. وقد أدرك حافظ الأسد ذلك مبكراً، فحوّل «الوطنية» إلى أداة لإدارة التوازنات وإضفاء الشرعية على حكمه، مقروناً بالاستمرار في سياسات اجتماعية مهمة كالتعليم المجاني، والرعاية الصحية، ودعم المواد الأساسية، وهي سياسات ساهمت في استقرار نسبي حتى بداية التسعينيات، على الرغم من أنها فرغت من محتواها.

تفكيك الدولة... بذريعة التخلص من الإرث


الدعوات الراهنة لشطب «الإرث الوطني» أو إلغاء دور «الدولة الاجتماعي» بوصفها مخلفات أسدية، ليست سوى امتداد لمسار تفكيك الدولة الذي بدأ قبل ثلاثة عقود... تجريد الوطنية السورية من مضمونها الاجتماعي والتاريخي. وهي، في مفارقة لافتة، تمثل نسخة مقلوبة من شعار «سورية الأسد»: كلاهما يختزل الوطن في شخص.
وفي السياق ذاته يجيء الهجوم على قانون الإصلاح الزراعي بدعوى أنه جزء من الإرث الأسدي، رغم أن الصراع على الأرض بدأ قبل تأسيس حزب البعث نفسه. فأول معركة حول الأراضي في الجزيرة السورية مثلاً، تعود إلى عام 1943، حين لم يكن حافظ الأسد قد شبَّ بعد. القضية ليست إرث حافظ أو بشار، بل إرث سورية نفسها.
التخلي عن المسألة الوطنية بذريعة «الإرث» يشرعن الاحتلال القديم والجديد، ويبرر التدخل الإقليمي والدولي. كما أن تصفية ما تبقى من دور الدولة الاجتماعي يترك المجتمع مكشوفاً أمام الأزمات.

ما بين الرمز والقضية


بين التقديس والتشويه، وبين رفع الأفراد إلى مصاف الأنبياء أو إسقاطهم إلى درك الشيطنة، تضيع الفكرة. والوعي المُدار بالشخصنة لا يصنع مشروعاً سياسياً ولا يبني دولة ولا يواجه أزمة.
إن تحرير الوعي يبدأ بإعلاء شأن الأفكار قبل الأشخاص، والبرامج قبل الزعامات، والوطن قبل الولاءات الضيقة. فالتاريخ لا يصنعه الأفراد، بل تصنعه الشعوب حين تمتلك القدرة على القراءة النقدية، وحين تُمارس السياسة بوصفها شأناً عاماً قائماً على المصالح الاجتماعية لا على عبادة الأفراد أو شيطنتهم.
أما الإرث الحقيقي الذي ينبغي تجاوزه ودفنه إلى الأبد من عهد الأسدين فهو: الاستئثار بالسلطة، تدجين الحياة السياسية والقوى الاجتماعية عبر القمع أو شراء الولاءات، نهب الثروة الوطنية عبر الفساد، تقديم الولاء على الكفاءة، وبدعة (الاحتفاظ بحق الرد) واستثمار الموقع الجيوسياسي لسورية لتثبيت الحكم بدلاً من خدمـة المجتمع.
لا يطلب أحد من السلطة الجديدة أن تصبح (سوبرمان) وتتجاوز مشكلات سنوات الحرب، وترميم ما خربته العقود السابقة خلال أشهر أو سنوات قليلة؛ إنما المطلوب هو التأسيس لبداية صحيحة، وفتح الأبواب المغلقة أمام السوريين لتفعيل طاقتهم عبر الحوار والتوافق والمشاركة، وطمأنتهم بأن البلاد على طريق الخروج من الدوامة، والكف عن الاستثمار في كره السوريين المشروع للسلطة الساقطة ورأسها، من خلال تحويلها إلى شماعة تُعلَّق عليها تخبط السلطة الجديدة وعجزها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1256