سينمائي الأقنعة والمرايا في بيروت: تحية إلى كلود شابرول
 بانة بيضون بانة بيضون

سينمائي الأقنعة والمرايا في بيروت: تحية إلى كلود شابرول

هاوي القصص البوليسية الذي كان يعشق تصوير بورجوازيات المناطق، بفضائحها المستترة تحت قناع البرودة، هو بطل «متروبوليس أمبير صوفيل» هذا الأسبوع. تظاهرة «مرايا وأقنعة» تستعيد أحد أبرز روّاد الموجة الجديدة.

تحت عنوان «مرايا وأقنعة»، بدأت «متروبوليس أمبير صوفيل» أمس باستعادة أعمال كلود شابرول (1930ـ2010) في تظاهرة تستمرّ حتى 5 شباط (فبراير). بدأ شابرول ناقداً في «دفاتر السينما» في الخمسينيات إلى جانب فرنسوا تروفو، وجاك ريفيت، وجان لوك غودار وغيرهم من رواد «الموجة الجديدة» التي كرّست سينما المؤلف المستقلة عن سلطة الاستوديوات، بينما احتفت بمخرجين اهتموا بتطوير السرد السينمائي كجان رونوار، وهيتشكوك وبرغمان وفيرتز لانغ.

خلال عمله في «دفاتر السينما»، كان شابرول أول من دافع عن هيتشكوك، مُدرجاً أعماله ضمن سينما المؤلف في وقت كان ينظر فيه إلى هيتشكوك وغيره من مخرجي الأفلام الهولوودية بصفتهم تقنيّين ماهرين أكثر منهم فنانين. نظرية شابرول ارتكزت على أنّ المخرج يستطيع دوماً فرض رؤيته الخاصة، ولو كان يخضع نسبياً لقوانين الاستوديوات الهولوودية ومعاييرها التجارية، وبالتالي فسينما المؤلف ليست بالضرورة سينما مستقلة. خرج مخرجو «الموجة الجديدة» من ديكورات الاستوديو لينقلوا صورة أقرب إلى الواقع، ساعدهم في ذلك تطور تقنيات التصوير وتوافر الكاميرا المحمولة حينها. ابتعدوا عن الصراعات التقليدية بين الخير والشر في بناء السيناريو والشخصيات، وأسّسوا لسينما أكثر واقعية لكنها أيضاً أكثر إبداعاً عبر التقنيات التي استحدثوها في السرد التي لا تبتغي فعلاً محاكاة الواقع، بل فرض واقعها الخاص.

«سيرج الجميل» (28/1 ــ 1958) باكورة شابرول الروائية الطويلة، تعدّ من أوائل الأفلام التي أسهمت في تعريف «الموجة الجديدة». يروي الشريط قصة فرنسوا الذي يعود إلى قريته بعد غياب ليلتقي بصديق طفولته سيرج الكحولي الذي يسيء معاملة زوجته، فيسعى لإنقاذه من تدميره الذاتي. يرتبط الاثنان بقدر مشترك حيث حياة كل منهما إسقاط لحياة الآخر أو مرآة لها. تقنية سيعتمدها شابرول لاحقاً في العديد من أفلامه. يرتكز شابرول على الرمزية في بناء حبكته الدرامية، مجسداً هذا المجتمع الصغير الذي يخنق أفراده حيث تبدو القرية مستنقعاً تغرق فيه الشخصيات بصمت من دون أمل بالنجاة. من الأفلام المختارة ضمن «مرايا وأقنعة»، يُعرض «بيتي» (27/1 ــ 1992) من بطولة ماري ترانتينيان. منذ البداية، تحيرنا شخصية بيتي الجميلة ببزتها الأنيقة التي تبدو على حافة الانهيار العصبي وهي برفقة الطبيب المجنون الذي يأخذها إلى ملهى ليلي يدعى «الحفرة». تبدأ بالشرب بكثافة حتى تفقد الوعي. عبر حواراتها مع لور التي تهتم بها في الفندق، تنكشف تدريجاً حياة بيتي التي طردت من منزل زوجها وعائلته البورجوازية إثر اكتشافه خيانتها له في منزلهما المشترك.

هكذا، تقبض شيكاً مقابل رحيلها وتخلّيها عن حقها في زيارة أولادها. بين الكحول ومحاكمتها لذاتها، تغرق بيتي في ذكرياتها التي ترويها للور، فيأخذنا شابرول عبرها إلى الطفولة وبداية نشوء الرغبة. يرسم العالم الداخلي المعقد لهذه الشخصية، لكنه يحتفظ بجانبها الغامض الذي تجسده الكاميرا باقترابها منها، وابتعادها عنها على نحو تواتري من دون أن تنجح في اختراقها. كذلك، ينتقد شابرول العالم البرجوازي البارد والمحافظ، مبرزاً الصراع الأساسي الذي نراه في أفلامه أي النزعات البدائية أو الغرائزية التي تتمثل في الجنس والعنف والكبت المتخفي بمفهوم التمدن الذي يفرضه المجتمع ويجسد عبره رؤية فرويدية بامتياز. العنف المعنوي الذي يتجسد في قتل بيتي المعنوي للور عبر إقصائها وسرقتها لحبيبها، يحضر في أفلام شابرول الأخرى مثل «الجزار» (1970) الذي عرض في افتتاح «مرايا وأقنعة».

يروي العمل قصة بول الذي التحق بالجيش هرباً من عنف أبيه وعاد ليعمل جزاراً في القرية حيث يلتقي بالمدرِّسة هيلين فتنشأ علاقة بينهما. ورغم هشاشة بول الظاهرية التي لا يملك المشاهد إلا التعاطف معها، يتضح في النهاية أنه المسؤول عن جرائم قتل وتشويه الفتيات التي حدثت في القرية. التناقض بين هشاشة شخصياته وعنفها المستتر هي لعبة شابرول الأثيرة كما نرى في فيلم «الاحتفال» (5/2 ـ 1995) من بطولة ساندرين بونير وإيزابيل أوبير. كما في بول «الجزار»، لا شيء ينبئ في صوفي الخادمة الضعيفة والرقيقة، بالجريمة المروعة التي سترتكبها في النهاية. صمتها ونظرتها الغائبة أحياناً وتلك الابتسامة الغريبة التي تذكِّر بشخصية بيتي، وحدها تضع المشاهد في ترقب حذر مما يعدّ له شابرول. تتعرّف صوفي إلى جين (إيزابيل أوبير) عاملة البريد الحاقدة على العائلة البورجوازية التي تعمل صوفي لديها، فتنشأ صداقة بينهما يحكمها افتتان صوفي المتقوقعة على ذاتها بصخب جين وشخصيتها المتطرفة. صداقة تكتمل بتنفيذهما جريمة لا سبب واضحاً لها غير متعة اللحظة أو الحماقة التي هي إحدى ثيمات المخرج المفضلة التي تذكّر بفلوبير كما يصفها شابرول: «الحماقة مذهلة أكثر من الذكاء، فالذكاء له حدود، بينما الحماقة وحدها لامتناهية». أعمال أخرى ستعرضها «متروبوليس» لشابرول «هاوي الروايات البوليسية والسخرية اللاذعة الذي كان يعشق رسم بورتريه بورجوازيات الأرياف والمناطق حتى درجة السوداوية، وفضائحها التي تموّهها بقناع من البرودة والوقار» كما وصفته صحيفة «لوموند» قبل أربع سنوات.

 

المصدر: الاخبار

آخر تعديل على الثلاثاء, 28 كانون2/يناير 2014 00:19