كمال أوسكان كمال أوسكان

يلماز غوني أسطورة السينما التركية

لم يتعرض سينمائي  للاضطهاد مثلما تعرض له المخرج والممثل الكردي التركي يلماز غوني بسبب مواقفه السياسية المعلنة وكتاباته وأفلامه عن الواقع التركي عموماً والقضية الكردية في تركيا خصوصاً.

يلماز غوني من عائلة فقيرة من مدينة (صورك) جاءت إلى أضنة هرباً من الخلافات العشائرية، عاش يلماز طفولة قاسية ومريرة، بدأ العمل منذ الصغر في مواسم قطاف القطن والفواكه ثم انتقل إلى أضنة ليعمل بائع صحف كما عمل ميكانيكياً لآلات التشغيل السينمائية في إحدى الشركات، حيث كان يتجول بين القرى والأقضية الكردية لعرض الأفلام. وهنا تكونت أرضيته اليسارية بعد أن تعرف على واقع كما ظهر حبه وميله للتمثيل الذي دخله ككومبارس حيث كانت بداية دخوله عالم السينما الذي كان حكراً على البرجوازيين.
تعرف غوني على المخرج التركي المعروف عاطف يلماز الذي أثر كثيراً في تكون وتشكيل شخصية غوني السينمائية. وبمجرد دخوله عالم التمثيل استطاع تحقيق شهرة واسعة في أوساط البسطاء وقد كان ذلك سبباً لقلق البرجوازيين وهجوم الصحف البرجوازية عليه حيث سموه عمداً بـ (ملك الشاشة القبيح) وهذا ماكان سبباً في زيادة شهرته لأن وجه غوني بملامحه القروية المألوفة لدى الأوساط الشعبية كان جديداً ومختلفاً عما كان موجوداً.

إلا أن غوني أدرك بعد هذه الشهرة أنه لايقول للجمهور مايريد أن يقوله عن واقع البائس الذي يعيشه الشعب التركي لذلك قرر أن يصبح مخرجاً لأنه يعتبر الفن بشكله الحقيقي عنصراً من عناصر النضال الطبقي والاجتماعي، حيث يقول غوني: «لم يكن هدفي من الحياة مزاولة الفن بل محاولة لتحرير شعبي من خلال الفن».
بعد النجاح الكبير في مجال التمثيل استطاع النجاح في الإخراج أيضاً حيث حقق فيلم (سيد خان) الذي اخرجه نجاحاً كبيراً بلغ عدد المتفرجين عليه إلى 8 ملايين واعتبر هذا الفيلم واحداً من أفضل الأفلام في تركيا لذلك العام، كما اعتبر يلماز أشهر من مثل دور البطولة في ذلك العام. مازاد في تخوف السلطات التركية فاعتقلته بتهمة الدعاية للشيوعية بسبب إحدى القصص التي كتبها (معادلة ذات ثلاثة مجاهيل) وألقت به في السجن وهو أبشع مكان اخترعته البشرية حيث الشيء الوحيد المشتهى والمألوف هناك هو الموت. إلا أن غوني قرر أن يعيش ويستمر في نضاله ليكون بطلاً خلف القضبان أيضاً، فكان يقرأ الكثير ويكتب الكثير والأهم من ذلك أنه أخرج أربعة من أفضل أفلامه على الإطلاق وهو في السجن (الضيم، القطيع، العدو، الطريق).
لكن كيف استطاع أن يفلت من قضبان السجن التي تحاصره ليعمل؟ كان مساعدو غوني ينقلون معهم سيناريو الإخراج المفضل بعد كل زيارة له في السجن ويطبقونها في التصوير.
انطبع هذا المكان (السجن) على موضوعات أفلام غوني كما انطبع صور الريف الكردي البائس الذي يرزح تحت وطأة واقعاً اجتماعي مزري في ذاكرة غوني. وقد جسد كل ذلك في أفلامه الروائية برؤية إخراجية أقرب إلى مايكون إلى التوثيق للواقع التركي بكل تفاصيله، حيث يضع غوني مشاهدي أفلامه وجهاً لوجه أمام مصائر أناس حقيقيين يعيشون المآسي التي أرخ لها غوني بكتاباته وأفلامه وبشخصيات أبطاله الجبليون القساة والفلاحون ووالمشردون ومتمردون الذين كانوا يساعدون الناس الفقراء في النضال ضد طغيان الأغنياء.
فيلماز غوني  الملتصق بواقعه وبإيقاع الحياة فيه عانق هذا الواقع واعتنقه إلى حد التماهي معه بكاميرته ليؤرخ القصص الغريبة ووجوه مألوفة لها صدى القاع المجتمع التركي.
وصل غوني إلى ذروة الإبداع الذي لم يعجب السلطات التركية مما دفع بأحد المتطرفين (سيفاموتلو) هو نائب حاكم محافظة أنطاكية إلى إهانة غوني في إحدى المطاعم وعلى إثر هذا الحادث قتل سيفاموتلو واتهم غوني بقتله وحكم عليه بالسجن 19 عاماً، أدرك غوني هذه المرة استحالة خروجه من السجن لذلك قرر الهروب والخروج من تركيا ولجأ إلى فرنسا في عام 1981 وهو عاماً فارق في حياة يلماز غوني حيث أخرج إحدى أفضل أفلامه (الطريق) الذي حصل على السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي بالإضافة إلى 8 جوائز أخرى وهو عبارة عن أسطورة سينمائية متقنة تعكس الواقع التراجيدي لتركيا الحديثة في عيون ثلاثة سجناء يحصلون على إذن سفر لزيارة عائلاتهم مدة أسبوع.
وهذا الإنجاز العظيم الذي حققه غوني وبهروبه من تركيا جن جنون السلطات التركية فأصدرت المحاكم العرفية حكماً يقضي بمصادرة جميع أعمال غوني الأدبية والفنية وحرقها كما جردته من الجنسية التركية إلا أنهم لم يستطيعوا أن يجردوا الناس من حب هذا المبدع الكبير الذي أنجز الكثير فقد مثل في 110 أفلام وأخرج 17 فيلماً وحصل على 23 جائزة تقديرية على أعماله وكتب سيناريو لـ 53 فيلماً ونشر عشرات الروايات والقصص والمقالات خلال سنوات عمره الـ 46 عاماً التي عاشها حيث أمضى 11 عاماً في غياهب السجون والمعتقلات وسنتان في الخدمة العسكرية وما أنجزه غوني في هذه السنوات يعجز الشخص الفرد عن إنجازه في مائة عام على حد قول أحد النقاد.
هكذا ظل غوني وفياً لأفكاره وقناعاته ومبادئه حاملاً معه آمال وأحلام ملايين المعذبين والمضطهدين والمهمشين في تركيا وكردستان حيث كان شاهداً على مآسيهم وعذاباتهم إلى أن وافته المنية في 9 أيلول عام 1984 ليدفن في مقبرة العظماء (بيرلاشيز) في باريس.

معلومات إضافية

العدد رقم:
282