محمد دكروب: أغمض عينيه على الحكاية...«المثقف العضوي»
بيار أبي صعب  بيار أبي صعب

محمد دكروب: أغمض عينيه على الحكاية...«المثقف العضوي»

لم يبذل محمد دكروب جهداً كي يكون مع الشعب، فهو ابن الشعب في كل ما فعل وقال وقرأ وكتب. ابن الشعب بحرَفيّته في التعاطي مع الكتابة والتفكير، في تعامله مع الشأن الابداعي، وجمعه بين السياسي والثقافي بعيداً من الجدانوفيّة. بعقلانيّته، وقدرته على الانفتاح والنقد والحوار. ابن الشعب في اجتهاده وبحثه الدائمين، هو الماركسي العارف أن المطلق نسبيّ بامتياز. ابن الشعب بستراته الداكنة البسيطة، بنظارتيه السميكتين لكثرة ما حاول أن يفهم العالم من أجل تغييره، بوعيه الجدلي وقدرته على الاصغاء المهذّب، والسجال الهادئ، واحترام الاختلاف.

ببسمته الطيبة السخيّة، وأسنان تحمل دمغة البروليتاريا. بالبيريه المستعارة من غافروش، صبي فيكتور هوغو السارح بين متاريس كومونة باريس يغنّي للثورة. بلهجته العابقة بزمن كان هناك عاصمة عربية اسمها بيروت، وفي المدينة فضاء عام يتسع للأحزاب والتيّارات والمشاريع والحركات الفنيّة، وفي الفضاء العام شوارع، وفي الشوارع ناس تحلم بالتقدّم والتغيير. تلك اللهجة المنمّقة الواضحة، تطعّمت مع الوقت بلغة المثقفين الذين اصطفوه شيخهم وقدوتهم. دكروب ابن الشعب بشبابه الدائم وانشغاله بالجيل الجديد والتجارب البديلة. ابن الشعب بوفائه للأفكار الكبرى، حين انفضّ عنها كثيرون تعباً أو يأساً أو استلاباً، أو غلبهم في النهاية «الوباء» الذي لم يتلقّحوا ضدّه جيّداً. ابن الشعب شيوعي حتى الرمق الأخير، فيما انصرف بعض الرفاق إلى مساوماتهم الصغيرة، ما إن بدا لهم أن رياح التاريخ غيّرت اتجاهها. مناضل منفتح على العالم، لم يعزله انتماؤه الحزبي في «طائفة» جديدة، ولم تحجب بصيرته غشاوة التزمّت الأيديولوجي… بل اشتغل على اعادة النظر بالدوغما، خارجاً إلى غير رجعة من دائرة العصبيّات العقيمة، والأصوليّات القاتلة.

 

حياة محمد دكروب على مستوى السيرة الشخصيّة والعامة، والصيرورة الفكريّة، والانتاج الأدبي، والبحث النقدي، والنضال الثقافي، والمعيوش الفكري، تصلح مادة لعمل أدبي أو سينمائي، لأنّها تختصر حكاية جيل مؤسس، وحكاية بلد، وحكاية مُثل سياسيّة كم نحتاج اليوم إلى استيحائها. حارس «السنديانة الحمراء» خير تجسيد لمفهوم «المثقّف العضوي»، لم يتنكّر لحظة لأصوله وطبقته، وقد عاش عمره متماهياً معها، مشتغلاً بأدواتها، معتنقاً قضاياها، مدافعاً عن حقوقها ومصالحها. لم يستسلم يوماً لامتيازات «المثقفين». كدنا ننسى كل شيء عن أبناء الشعب، عن الفقراء والمحرومين وضحايا الاستغلال، عن المساواة والحقوق. «تلك أضغاث أيديولوجية من زمن مضى»، برأي الراقصين على قبورهم، المتسابقين على الامتيازات و«الخيانات» القوميّة والطبقيّة، المتسلّقين على أنقاض المجتمع المدني، الباحثين عن الارتقاء على حساب القيم الانسانيّة، والمصالح الوطنيّة، وكل ما هو أساسي كي يحتفظ الانسان بإنسانيّته وكرامته. بوصلة محمد دكروب لم تضع يوماً جهة الجنوب. لم يغرق في وحول السياسة اللبنانيّة، ولم يقع في مطبّ «العلمانيّة الشيك»، ولم يتردد في الوقوف إلى جانب المقاومة الاسلاميّة في هذه المعركة المصيريّة ضدّ الاستعمار التي يشهدها العالم العربي.

 

الرفيق دكروب من زمن آخر، من طينة «جان دارك قديسة المسالخ» كما صوّرها برتولت بريخت. فهم أن تحقيق التقدّم والعدالة ثمرة جهد حقيقي وعمل دؤوب، ورحلة طويلة النفس، لا تعبأ بالموضة، ولا تتأثّر بالتحولات الموقتة والمطبات العابرة. «لا يكفي أن يكون الله مع الفقراء»، فاعتناق القضيّة، يقتضي نكران الذات والجرأة على التمرّد والتجديد وكسر القوالب. محمد دكروب أيقونة الزمن السعيد، لكنّه ليس «دقّة قديمة» كما يظنّ أنبياء الليبراليّة. زمن طغيان الفرديّة، وعودة الاصوليّات، وموت الايديولوجيات، لا يغيّر شيئاً، بل بالعكس. هذا المثقف العصامي الذي بدأ حياته سمكريّاً، باق بيننا في الخندق، خلال السنوات المقبلة، حين سيكون على العرب أن يختاروا بين الارتماء على قارعة التاريخ، أو بناء دولة المواطن. الثوار المتشائمون سيتّخذون «تفاؤله الثوري» تعويذة وترياقاً، وسيكون معهم في معارك الحقوق والنضالات الاجتماعيّة والوطنيّة والقوميّة.

 

اليوم نقف بخشوع أمام النعش المكسو براية الكادحين. ونقول: انتهت مهمّتك أيّها الرفيق، ها قد صرت فرعاً في تلك السنديانة الحمراء.

 

 

المصدر: الأخبار 

آخر تعديل على الجمعة, 25 تشرين1/أكتوير 2013 11:47