حقوق مهددة: ثلاث ماكينات لـ(مليوني) وكالة!

حقوق مهددة: ثلاث ماكينات لـ(مليوني) وكالة!

اشتكى  مواطنون مما وصفوه «بالبيروقراطية» في التعامل مع إخراج صور مصدقة للوكالات القانونية من مقر تصديق الوكالات الجديد بمقر وزارة العدل، مشيرين إلى أن الوقت اللازم لتصديق الوكالة قد يستغرق ساعات.

 

ونتيجة وجود أكثر من 250 شخص في «الطابور» المنتظر، قد لا يستطيع أغلب المنتظرين، خاصة من يأتون متأخرين نتيجة ظروف عملهم، من الحصول على الصورة المصدقة باليوم ذاته، ما يضطرهم إلى العودة للطابور في اليوم التالي وتكرار المحاولة حتى تتم المعاملة، وفقاً للمشتكين.

تكلفة وزمن مهدور

وأكد مواطنون أن أحد الموظفين يأخذ  حوالي 10 معاملات كل نصف ساعة تقريباً، ثم يغيب حوالي الساعة أو أكثر لإحضار الصور وأخذ 10 معاملات أخرى، وقال البعض: إن «مكان الانتظار ضيق جداً وغير مجهز لهذا العدد الكبير من المراجعين، ما يجعل الوضع غير إنسانيٍ مع وجود مسنين ومرضى ينتظرون دورهم،  خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة.

ويحدث ما ذكر أعلاه، بعد حوالي 15 يوماً من الانتظار للحصول على موافقة إصدار صورة مصدقة عن الوكالة من الجهات «المعنية» بحسب إحدى الصحف المحلية، التي أشارت إلى أنه بعد صدور الموافقة يتم دفع 600 ليرة والحصول على إيصال بالمبلغ، وبعدها الذهاب لإصدار صورة عن الوكالة، ثم دفع مبلغ 400 ليرة وتصديقها.

وكالات محروقة

وأيضاً، كانت هناك شكاوى من عدم الحصول على صور وكالات لأشخاص كانت وكالاتهم قد حرقت أو سرقت من عدليات المناطق ساخنة، حيث تمتنع وزارة العدل عن إصدار صور مصدقة سوى للوكالات ذات الأصول الموجودة والمؤرشفة لديها، مايعني ضياع أو تأخير حصول أصحاب الحقوق على حقوقهم المختلفة التي من المفترض أن تكون محمية بموجب القانون، ولو أتلفت الوكالات.

ربما عدم وجود ربط شبكي قبل الحرب في البلاد، أو عدم نقل أصول الوكالات إلى مكان مركزي يحفظ حقوق المواطنين عبر الزمن، إضافة إلى إهمال استخدام الأرشيف الالكتروني، جعل من حقوق المواطنين هشة كهشاشة الورق يمكن أن تضيع أو تتلف مع الزمن، أو تتعرض للسرقة أو الحرق وما إلى ذلك.

القاضي تيسير صمادي معاون وزير العدل، اعترف في حديث إذاعي بوجود هذه المشكلة، قائلاً: «فقدنا الكثير من أصول الوكالات في المناطق الساخنة بعد حرق القصور العدلية أو نهبها، وتوجد وكالات اليوم ليس لها أصل، وحالياً، لا نقوم بتصديق أية وكالة دون أصل محفوظ لدينا».

وهنا تبدأ معاناة الكثيرين دون ذنب، وخاصة أن الوزارة شكلت لجنة لدراسة الوكالات التي لا تمتلك أصولها المحفوظة لديها، وهذه اللجنة وباعتراف صمادي، لم تجتمع سوى مرتين منذ تشكيلها، وهي تقوم «بإعداد الحلول المقترحة لكل وكالة من هذا النوع» على حد تعبيره، مشيراً إلى «وجود وكالات لا يمكن الوصول إليها» دون أن يذكر الأسباب أو توضيحات أكثر.

على الأقل: 80 مراجع غير مستفيد

أما بخصوص تصديق الوكالات بشكل عام، والشكاوى المذكورة بخصوص تأخير إصدار النسخ المصدقة لساعات، فقد نفى صمادي ذلك، رغم أنه أكد في الوقت ذاته بأن المدة قد تستغرق نصف ساعة، ولو افترضنا أن النصف ساعة التي تحدث عنها صمادي هي فعلاً التوقيت المتوقع لإصدار النسخة المصدقة، مع مقاطعة حديث المواطنين عن أخذ 10 معاملات كل دفعة، فسيكون الوقت المتوقع لإخراج صور 200 وكالة حوالي 10 ساعات، علماً أن الدوام الرسمي لا يتجاوز الـ 6 ساعات التي يمكن إنجاز خلالها 120 معاملة فقط، استناداً لحديث صمادي نفسه، ما يعني عودة 80 مراجع  على الأقل، إلى منازلهم دون تصديق.

لماذا هذا التأخير كله؟

 يقول معاون وزير العدل، إنه تم نقل السجلات الورقية من عدلية دمشق في المرجة إلى مقر الوزارة، مشيراً إلى أنه رغم وجود مشروع لأتمتة إصدار الوكالات والبدء بتطبيقه عبر فريق من جامعة دمشق، إلا أن التأكد من صور الوكالات من خلال أصولها لازال يتم بطريقة ورقية، خوفاً من حالات التزوير التي وقعت سابقاً، قائلاً: إن هذه الطريقة «الورقية» خفضت حالات التزوير في 2015 إلى حالة واحدة فقط على حد تعبيره.

ربما قد يكون تمرير الوكالات المزورة سهلاً أكثر عندما تتدخل اليد البشرية في العمل، إضافة إلى احتمال حدوث تجاوزات، عبر المحسوبيات والرشاوى وما إلى ذلك بشكل عام، وهنا، تكون حجة الاستمرار بالعمل الورقي للتأكد من صحة الوكالة غير منطقية، خاصة وأن نظام الأتمتة لن يعيق ضبط التزوير، بل على الأقل، سيساعد في سرعة الوصول إلى أصل الوكالة.

مليونا وكالة و3 ماكينات!

يوضح صمادي آلية إخراج الصورة المصدقة، قائلاً: «يتم استخراج صورة للوكالة عبر تصويرها من سجلها الأساسي المحفوظ في المستودع  لضمان عدم وقوع العزل عليها».

هنا يعود صمادي ليعترف بوجود التأخير لكن «في السابق» على حد تعبيره دون ذكر مدة التأخير التي كانت حينها، وذلك بقوله: إن «المستودع كان غير مرتبٍ بعد نقل دار الكاتب بالعدل الأول بدمشق من المرجة إلى مقر الوزارة، وفيه حوالي مليوني وكالة وتنظيمها يحتاج إلى جهد»، مضيفاً: «تم تنظيم المستودع حالياً ما يسهل الوصول إلى الأصول»، مؤكداً أن مدة الانتظار لن تتجاوز الـ «نصف ساعة» بعد الترتيب. فكيف كان الحال قبل ذلك؟!.

وأيضاً، من العوامل التي تساهم في تأخير العمل، والتي مازالت قائمة، هي «نقص في عدد ماكينات التصوير التي يبلغ عددها فقط 3 ماكينات مع 3 عمال للتصوير إضافة إلى طاقم للتصديق ووضع الطوابع»، على حد تعبير معاون الوزير.

يقول صمادي: إن «هذه المرحلة مؤقتة، وفي المرحلة القادمة والقريبة جداً، سيكون التصديق إلكتروني، بإخراج صورة مصدقة عبر الحاسب، وسبب التأخير حالياً هو فقط التأكد من الوكالات إن وقع عليها العزل، كي لا يتم تصديق وكالة معزولة (مبطل مفعولها)، ونحن حالياً ننتظر نقل قاعدة البيانات إلى الخادم الموجود في الوزارة عن طريق فريق جامعة دمشق». 

خطوة متأخرة

بعد أن قامت وزارة العدل متأخرة في عام 2014، بأرشفة الوكالات العدلية، تم حفظ 5 ملايين وكالة من شتى دوائر الكتاب بالعدل في دمشق وريفها واللاذقية وطرطوس إلكترونياً، وذلك «حفاظاً عليها كون السجلات الورقية تتلف مع الزمن» وفقاً لصمادي، لكن ذلك جاء متأخراً بعد تلف وفقدان العديد من الوكالات في محافظات أخرى.

وتم نقل دار الكاتب بالعدل الأول بدمشق الذي يضم 6 كتاب بالعدل من البناء الموجود في المرجة بدمشق، إلى مقر الوزارة كون البناء السابق «غير مؤهل من الناحية الفنية ومن ناحية التجهيزات، وخاصة مع اتباع النظام المؤتمت» وفقاً للوزارة.

تساؤل هام

لعل خطوة الأتمتة والأرشفة الإلكترونية، وإن أتت متأخرة، تعتبر خطوة هامة جداً على مستوى حفظ الحقوق وصيانتها، وعلى مستوى استثمار عامل الزمن، بحال تم حسن استخدام هذه التقنية بالشكل المطلوب، وتم توفير بنيتها الأساسية الكافية من حيث التجهيزات والتقانات والكادر العامل الكافي والمؤهل.

يبقى السؤال الأهم: ما هو مصير حقوق المواطنين التي ضاعت وكالاتهم أو أحرقت وأتلفت خلال سني الحرب والأزمة، بظل عدم تصديق هذه الوكالات، لعدم وجود أصول محفوظة لها؟؟، وهل من بدائل أكثر نجاعة عن الإجراء المتمثل باللجنة المشكلة لهذه الغاية، بظل عدم انتظام دورية اجتماعاتها؟؟.