العدد: ابتكار أم غريزة؟
فيليب بول فيليب بول

العدد: ابتكار أم غريزة؟

لماذا يمكننا أن نعدّ حتّى 152؟ حسناً، معظمنا ليسوا بحاجة للتوقّف عند هذا الرقم، ولكن هذا ما أقصده. يبدو لنا العدّ حتّى 152 وأبعد منه أمراً طبيعيّاً لدرجة أنّه ليس بمقدورنا إلّا أن نعتبر أنّ قدرتنا على العدّ حتّى الوصول إلى رقم لا نهائي، أمراً مجبولين عليه بالفطرة.

تعريب: عروة درويش

لقد ادّعى العلماء منذ زمن طويل بأنّ قدراتنا المتعلقة بالأرقام قد تطوّرت بيولوجيّاً، بحيث أنّنا نستطيع أن نعدّ لأنّ عمليّة العدّ كانت شيئاً مفيداً لأدمغتنا للقيام به. لقد تمتّع الصيّاد-الجامع الذي استطاع أن يحدد القطيع الأكبر أو الشجرة التي تحوي على الثمار الأكثر، بميّزة البقاء والاستمرار أكثر من الصيّاد-الجامع الذي لم يستطع فعل ذلك. الأكثر من ذلك، أنّ الحيوانات الأخرى تظهر قدرة بدائيّة على التمييز بين كميات صغيرة متمايزة من الأشياء: مثال: حبتي موز عن ثلاث حبّات موز. وعليه فمن المنطقي أنّ النظام العددي تكيّفي. 

لكن هل هذا هو الأمر حقّاً؟ إنّ قدرتنا على تمييز اثنين من ثلاثة هو أمر مفيد، لكنّ قدرتنا على تمييز 152 عن 153 ربّما أقلّ إلحاحاً بالنسبة لأسلافنا. لقد كان وجود أكثر من 100 خروف هو أمر يصعب على الراعي تدبّر أمره في العالم القديم، فما بالك بالمليون أو بالمليار.

لم يقتنع العالم الإدراكي رافاييل نونيز من جامعة كاليفورنيا بالحجاج التقليدي بأنّ «العدد» هو قدرة عميقة تطوريّة. يظنّ بأنّ الأمر هو نتاج ثقافي، مثله في ذلك مثل الكتابة والهندسة. قال: «بعض العلماء، وربّما معظمهم، يؤيدون وجهة النظر القديمة بأنّ الأرقام هي هبة بيولوجيّة. لكنني أعتقد، رغم وجود أرضيّة بيولوجيّة لها، بأنّ اللغة والثقافة ضروريّان لإنشاء العدد في حدّ ذاته».

قال عالم الأعصاب ويم فياس من جامعة جنت في بلجيكا: «لقد حازت فكرة العدد الموروث، بوصفه البنية الفريدة من نوعها من المهارات الرياضيّة المعقدة، جاذبيّة غير عاديّة. فهو يخدم الحماس العام، والأمل بإيجاد الحلول من خلال التفسيرات البيولوجيّة. تحديداً عبر ربط سرّ العقل والسلوك البشري مع الوعود التي تقدمها الأبحاث الوراثيّة». لكنّ فياس يوافق مع نونيز بأنّ الأدلّة المتاحة، العصبيّة والإدراكيّة والأنثروبولوجيّة، لا تدعم هذه الفكرة.

إن كان نونيز وفياس على حق، فمن أين يأتي إحساسنا بالعدد؟ إن لم نولد ونحن مجهزين بالقدرة العصبيّة على التعداد، فكيف تعلمنا فعل ذلك؟ لماذا لدينا مفهوم الـ 152؟

-2-

يشرح فياس: «إنّ إدراك العدد من الناحية الكميّة هو الجزء الأكثر أساسيّة وجوهريّة من المعرفة الرياضيّة». مع ذلك، تبدو الأعداد موجودة في العالم مثل الذرات والمجرات، تبدو وكأنّها موجودة قبلنا بانتظار أن نكتشفها. تبدو الرؤى الرياضيّة الكبرى، وخاصة في نظرية العدد، حقيقة واقعة، بحيث تبدو (3^2 + 4^2 = 5^2) خصوصيات مبهجة تتمتّع بها الأعداد نفسها وليست من اختراع فيثاغورس.

يقول نونيز: «إنّ كون الأرقام موجودة بشكل مستقل عن البشر ليس نقاشاً علمياً، بل فلسفياً عقائدياً إيديولوجياً. مثال: ليس الادعاء بأنّ العدد خمسة هو عدد رئيسيّ مستقلّ عن البشر أمراً قابلاً للاختبار بشكل علمي. إنّ هذه الحقائق هي مسائل معتقدات أو عقائد، ولذلك يمكننا إجراء نقاشات بشأنها ولكنّنا لا نستطيع الاستفادة منها علمياً».

ومع ذلك، يبدو أمراً محيّراً أن نتمكن من معرفة كلّ هذه الأشياء. لقد كانت الهندسة والحساب الأساسي أدوات مفيدة للبنائين والمشرعين القدماء. (فالهندسة geometry) تعني في النهاية «قياس الأرض». لكن يصعب أن نرى كيف خدمت أيّ وظيفة أثناء تطوّر الإدراك البشري على مدى المليون عام السابقة. لم يكن بالتأكيد هناك حاجة بيولوجيّة لإثبات نظريّة فيرمات، أو حتّى الإعلان عنها في المقام الأول.

على معظم علماء الرياضيات، وحتّى الأكثر موهبة بينهم، أن يبدؤوا من نفس المكان مثلنا جميعاً، وذلك بهدف استكشاف مثل هذه الأسئلة المذهلة لنظريّة العدد، وذلك عبر تعلّم العدّ حتّى عشرة. علينا من أجل فعل ذلك أن نعلم ماهيّة الأعداد. فما أن نعلم بأنّ الرمز المجرّد «خمسة» يساوي عدد الأصابع في يدنا، وبأنّه أكبر بواحد من «أربعة»، وهو العدد الذي يساوي أرجل الكلب، نكون قد وصلنا إلى تأسيس الحساب.

تحدث القدرة على التمييز بين الكميات المتمايزة بسرعة كبيرة أثناء تطوّر الطفل، حتّى قبل أن نملك الكلمات لنعبّر عنه. يمكن لطفل لا يتجاوز سنّه ثلاثة أو أربعة أيّام أن يُظهر، عبر ردّات فعل دماغه، بأنّ لديه القدرة على تمييز الفرق بين قطعتين من ثلاثة قطع. ويمكن للأطفال بعمر أربعة أشهر أن يفهموا بأنّ عدد العناصر التي تحصل عليها جرّاء إضافة قطعة واحدة إلى قطعة أخرى، هو ذات عدد قطعتين مجموعتين مع بعضهما. إنّهم يملكون حسّاً بالعملية الابتدائيّة، وما سوف يتعلمونه في وقت لاحق هو أن يعبروا عن هذا الأمر بالصيغة الحسابية 1+1=2.

يمكن للقرود وللشمبانزي وللدلافين وللكلاب أيضاً أن تقرر أيّ واحدة من مجموعتين تحوي على مواد غذائيّة أكثر، بشرط أن تكون الأعداد ما دون العشرة. حتّى الحمام «يمكن تدريبه ليضغط عدد مرّات معينة على الرافعة من أجل الحصول على الطعام»، كما يقول فياس.

يقول عالم الأعصاب الإدراكي دانييل أنصاري من جامعة أونتاريو الغربيّة، بأنّ مثل هذه الملاحظات قد أدّت إلى صعود الرأي الذي كان سائداً لفترة طويلة، وهو أنّ البشر ولدوا مع إحساس فطري بالعدد. بدا بأنّ الأدلّة العصبيّة تقدّم دعماً قويّاً لوجهة النظر هذه. قال أنصاري على سبيل المثال: «أظهرت الدراسات على حديثي الولادة وعلى الرضّع، بأنّك إن عرضت عليهم ثماني نقاط بشكل متكرر، ثمّ قمت بتبديلها إلى 16 نقطة، فستستجيب المنطقة في القشرة الجداريّة اليمنى في الدماغ لهذا التبديل في الأعداد. تحدث ذات هذه الاستجابة لدى البالغين». استنتج بعض الباحثين بأنّنا نولد مع «وحدة إنشائيّة عدديّة number module» في أدمغتنا: أي ركيزة عصبيّة تدعم تعلّمنا اللاحق لنظام الرموز الثقافي، والذي يمثّل ويعالج الأرقام ببراعة.

لكنّ نونيز يطلب إلينا التمهّل. إنّ مجرّد ظهور سلوكنا وكأنّه مستمدٌّ من قدرة فطريّة، لا يعني بأنّ هذا السلوك هو نفسه فطري. إنّنا نستخدم عند لعبنا للتنس مواهبنا التطوريّة بشكل رائع: يمكننا تنسيق عيوننا وعضلاتنا من أجل تحقيق اتصال بين الكرة والمضرب، وأيضاً من أجل ضرب الكرة لتصل إلى الزاوية المواجهة لنا. يمكننا أن نقرأ مسار الكرة، وأحياناً بسرعة مذهلة، بحيث نضع مضربنا بشكل دقيق في المكان الذي ستكون فيه الكرة عند وصولها إلينا. لكنّ هذه القدرة لا تعني بأنّ أسلافنا الأوائل قد لعبوا التنس، أو أنّنا نملك وحدة إنشائيّة في أدمغتنا. يشرح نونيز: «لا تعني إمكانيّة قيامنا بنشاط معين، جرّاء وجود الشروط المعدّة سلفاً له عبر التطوّر البيولوجي، سواء أكان هذا النشاط هو العدّ أو التزلّج اللوحي، أنّ هذا النشاط بدائي».

تتخطّى القدرة على العدّ مسألة كوننا قادرين على التمييز بين مجموعة من شيئين ومجموعة من ثلاثة أشياء، حتّى لو كانت تعتمد بالأساس على هذه القدرة. لم نجد حتّى الآن أيّ كائن غير بشري قادر على التمييز بين 152 بند وبين 153. لا يمكن للشمبانزي القيام بذلك مهما حاولت تدريبهم، بينما يمكن للكثير من الأطفال البالغين من العمر خمسة أعوام أن يعلموا بأنّ الفرق بين (152 و153) هو ذات الفرق بين (1 و2): الفرق هو (1).

إنّ الذي يبدو فطرياً ومشتركاً بين البشر وبقيّة الحيوانات ليس هو الشعور بأن الاختلاف بين (2 و3) هو ذات الاختلاف بين (152 و153) – وهو شعور مركزي في مفهوم العدد –، بل هو بالأحرى التمييز بناء على الفرق ذي الصلة، والمرتبط بالنسبة بين الكميتين. يبدو بأنّنا لا نفقد على الإطلاق غريزة المقارنة الأساسيّة هذه. يقول فياس: «رغم خبرتنا الوافرة مع العدد خلال حياتنا، والتدريب الرسمي على الأرقام والرياضيات في المدرسة، فإنّ القدرة على تمييز العدد تبقى (معتمدة على النسبة ration-dependent).

يعني هذا، تبعاً لنونيز، بأنّ قدرة الدماغ الطبيعيّة لا تتعلّق بالعدد، بل بالمفهوم الأكثر خاميّة منه: الكميّة. يقول: «يميّز الصوص محفزاً بصرياً له ذات خصال ما يشير إليه بعض البشر (بنقطة واحدة) عن آخر له (ثلاث نقاط)، لكنّ هذا السلوك الموهوب له بيولوجياً يتضمن الكميّة وليس العدد. إنّه لا يحتاج رموز ولغة وثقافة».

يضيف نونيز: «تفشل العديد من وجهات النظر القائمة على كون العدد هبة بيولوجية، في التمييز بين نوعين على الأقل من الظواهر المرتبطة بالكميّة». لقد أطلق على التمييز الحسي الإدراكي للمؤثرات في «العدديّة» أو الكميّة، التي نراها لدى الأطفال وفي بقيّة الحيوانات، اسم (الإدراك الكمّي quantical cognition). بينما على النقيض من ذلك فإنّ القدرة على المقارنة بين 152 و153 بند هو (الإدراك العددي numerical cognition). يقول نونيز: «لا يمكن للإدراك الكمّي أن يزداد ليصبح إدراكاً عددياً عبر التطوّر البيولوجي وحده».

-3-

رغم أنّ الأبحاث غالباً ما تفترض بأنّ الإدراك العددي متأصّل في البشر، فإنّ نونيز يشير إلى أنّ ذلك لا يظهر في جميع الثقافات. تفتقد الكثير من الثقافات السابقة على الكتابة والقراءة والتي لا تملك تقاليداً في الكتابة أو التعليم المؤسساتي، ومن بينها مجتمعات السكّان الأصليين في أستراليا وأمريكا الجنوبيّة وإفريقيا، لوجود كلمات محددة للدلالة على أعداد تفوق خمسة أو ستّة. بدلاً من هكذا أعداد، يتمّ الإشارة إلى الكميات الأكبر بكلمات عامّة مثل «عدّة» أو «الكثير». يقول نونيز: «لدى مثل هذه الثقافات القدرة على التمييز بين الكميات، لكنّ هذا التمييز إجمالي وليس دقيق، خلافاً للأعداد».

بكل حال، لا يعني نقص التحديد أنّ الكميّة لم تعد ذات مغزى يتجاوز مدى الكلمات المحددة عدديّاً. فإن كان لدينا طفلان يحملان «الكثير» من البرتقال، ولكنّ الفتاة لديها كميّة أكبر بكثير من الصبي، فيمكن القول عندها بأنّ الفتاة تحمل «الكثير الكثير» أو «الكثير جدّاً». مثال: في لغة شعب الموندوروكو في الأمازون، تشير كلمة (أديسو adesu) إلى «عدّة»، بينما تشير كلمة (آده Ade) إلى «الكثير جدّاً». يبدو لنا الأمر وكأنّ هذه الثقافات تعيش بما يشبه عدم الدقّة. لكنّ الأمر ليس مهمّاً في الحقيقة، فعند تقسيم البرتقال بين المجموع، ليس مهمّاً من يحصل على 152 و153. وبصراحة: إن لم نكن مرتكزين على الأعداد، فلماذا نزعج نفسنا بالتفريق بينها؟

يجادل بعض الباحثين بأنّ الطريقة الافتراضيّة التي يحدد فيها البشر الكميّة ليست (حسابيّة arithmetically)، بمعنى أن نضع واحد ونضيف فوقه واحد، بل هي (لوغاريتميّة logarithmically). يتمّ تمديد المقياس اللوغاريتمي من أجل الأعداد الصغيرة ويُضغط من أجل الأعداد الأكبر، بحيث أنّ الفرق بين شيئين وثلاثة أشياء، يمكن أن يبدو بذات معنى الفرق بين مائتي شيء وثلاثمائة شيء.

الشكل: المقياس الحسابي واللوغاريتمي للأعداد حتّى 16. كلّما مضيت أعلى في المقياس الحسابي، كلّما تمّ ضغط المقياس اللوغاريتمي.

في عام 2008، ذكر عالم الأعصاب الإدراكي ستانيسلاس داهين من جامعة فرنسا مع زملاءه في العمل، الأدلّة بأنّ نظام الموندوروكو في حساب الكميّات، يتوافق مع التقسيم اللوغاريتمي لخطّ الأعداد. فقد قدّموا في اختبار حاسوبي لمجموعة قبليّة مؤلفة من 33 من بالغي وأطفال الموندوروكو، رسماً تخطيطياً مماثلاً لخطّ العدد المستخدم عادة في تدريس أطفال المدارس الابتدائيّة، ولكن دون وجود أعداد فعليّة منقوشة عليه. هناك دائرة واحدة على أحد طرفي الخط، وعشرة دوائر على الطرف الثاني. وقد طُلب من الخاضعين للاختبار أن يشيروا إلى الأماكن التي يجب فيها وضع الدوائر على الخط حتّى تصل إلى عشرة دوائر.

في حين أنّ البالغين والأطفال الغربيين كانوا ليشيروا بشكل عام إلى الأعداد المتباعدة عن بعضها بشكل متساوٍ (أي الموزعة حسابياً)، فإنّ مجموعة الموندوروكو قد اختاروا التباعد المتناقص بشكل تدريجي مع ازدياد عدد الدوائر المتسقة عموماً مع تلك التي وجدت على المقياس اللوغاريتمي. يعتقد داهين وزملاؤه بأنّ على الأطفال، كي يتعلموا الأعداد حسابيّاً، أن يتخلوا عن حدسهم اللوغاريتمي الفطري بشأن الكميّة.

إنّ منح وزنٍ أكبر للفرق بين الأعداد الصغيرة، منه للفرق بين الأعداد الكبيرة، يعبّر عن الحسّ السليم في العالم الحقيقي، ويلاءم ما قاله فياس عن الحكم تبعاً لفرق النسب. إنّ التفريق بين العائلات المؤلفة من اثنين أو ثلاثة أشخاص له ذات أهميّة التفريق بين 200 و300 شخص في القبيلة. في حين أنّ التمييز بين 152 و153 فرد في القبيلة هو أمر جدير بالإهمال. 

من السهل قراءة هذا الأمر كطريقة «بدائيّة» في التفكير، لكنّ الأنثروبولوجيا قد ابتعدت منذ زمن طويل عن مثل هذه الأحكام المتعالية. ففي النهاية قد تقوم بعض الثقافات التي تملك كلمات عدديّة قليلة، بنسج كلمات محكمة للتمييز اللغوي، أكثر ممّا نفعل نحن، مثل الروائح والعوائل والتراتبيّة الهرميّة. أنت تطوّر الكلمات والمفاهيم لما هو مهمّ حقّاً في مجتمعك. من وجهة نظر عمليّة، يمكن للمرء أن يجادل بأنّ الثقافات الصناعيّة هي التي تبدو غريبة، مع تمييزها الدلالي بين 1.000.003 وبين 1.000.002.

بأيّ حال، ليس واضحاً إن كان الموندوروكو يعتمدون فيما يرشدهم إلى الكميّات، على تقسيم شبه لوغاريتمي «لمسافة العدد». فهذه الطريقة دقيقة إلى حدّ ما لوصف الميل الواسع لخلق تمييزات أكثر بين الأعداد الصغيرة، منها من الأعداد الكبيرة. يشكك نونيز في استنتاجات داهين بأنّ جميع البشر أساساً يتصورون خطّ أعداد مجرّد. يقول بأنّ التباين في الأماكن التي وضع فيها الموندوروكو (وخاصة البالغون غير المتعلمون، الذين كانوا المجموعة الأكثر صلة بسؤال الفطرة مقابل الثقافة) الكميّات الصغيرة على خطّ العدد، كان داعماً كبيراً للاستنتاج المتعلّق بكيفيّة تفكيرهم بتعيين العدد. لم يقم بعض من خضعوا للاختبار حتّى بترتيب مكافِئات لـ 1 و2 و3 على الخطوط التي كانت معهم.

يقول نونيز: «مال بعض الأفراد لوضع الأعداد في أقصى أطراف الخط، بغض النظر عن المسافة بينها. يخرق هذا الأمر المبادئ الأساسيّة لكيفيّة رسم خطّ العدد بشكل مطلق، بغض النظر عن كونه لوغاريتمي أم حسابي».

-4-

يمكن للبناء على أدّلة من الأنثروبولوجيا وعلم الأعصاب أن يخبرنا المزيد من التفاصيل حول أصل التمييز الكمّي. كشفت دراسة التصوير الدماغي عن المناطق في دماغ الرضيع، التي تشارك في هذه المهمّة، مثل تمييز نقطتين عن ثلاثة نقاط. تبدو هذه القدرة متأصلة حقيقة، والباحثون الذين يجادلون من أجل أساس بيولوجي للعدد قد ادعوا بأنّ الأطفال يستخدمون مواردهم العصبيّة عندما يبدؤون في تعلّم نظام رموز الأعداد في ثقافتهم. فرغم أنّ لا أحد يمكنه التمييز بين 152 و153 نقطة متباعدة بشكل عشوائي، فلا تزال الحجّة أنّ أداة الإدراك الأساسيّة للقيام بذلك، هي ذاتها المستخدمة للتفريق بين 2 و3.

غير أنّ هذه القصّة الجذابة لا تتفق مع أحدث الأدلّة. فوفقاً لأنصاري: «من المفاجئ أنّنا عندما ننظر بعمق إلى أنماط تنشيط الدماغ، فإنّنا نجد مع غيرنا بأنّ الكثير من الأدلّة تشير إلى كميّة كبيرة من التباين بين الطريقة التي تقوم فيها أدمغتنا بمعالجة الأعداد غير الرمزية، مثل مجموعة من النقاط، وبين الأعداد الرمزية. لا يبدو بأنّها تترابط مع بعضها البعض. يتحدّى هذا الفكرة القائلة بأنّ الآليات التي يعتمدها الدماغ لمعالجة رموز الأعداد المبتكرة ثقافياً، ترتبط بنظام الأعداد غير الرمزيّة. أظنّ بأنّ هذه الأنظمة ليست مترابطة مع بعضها بشكل وثيق كما كنّا نعتقد».

يبدو بأنّ الأدلّة تشير الآن إلى أنّ علاقة السبب والنتيجة تعمل بطريقة أخرى: عندما تبدأ بتعلّم الرموز، تبدأ بالقيام بمهام تمييز النقاط بشكل مختلف».

يحاجج أنصاري بأنّ هذه الصورة تشرح لنا منطقياً لماذا يجد الأطفال صعوبة في تلقّن الأعداد بدلاً من الكميات. يقول: «لطالما وجدت صعوبة في فهم هذا الشيء: لدينا من ناحية أدلّة على كون الرضّع قادرين على التمييز بين الكميّات، ولكن من ناحية أخرى يستغرق الأطفال بين عامين وثلاثة أعوام لمعرفة العلاقة بين الكلمة والكميّة. إن ظننا بأنّ هناك أساساً فطرياً قوياً جداً يحملنا على الوصول إلى نظام الرموز، فلماذا يجب أن يكون هناك مثل هذا المسار التنموي المطوّل، والكثير من الممارسات والتعليمات الصريحة اللازمة له؟».

لكنّ الفاصل الواضح بين نوعي الفكر الرمزي يثير سرّه الخاص: كيف بإمكاننا فهم الأعداد منذ البداية إن كنّا نتملك فقط آليّة إدراك مفهوم الكميّة الأكثر خاميّة؟ إنّ هذا اللغز هو أحد أسباب عدم قبول بعض الباحثين لادعاء نونيز بأنّ مفهوم العدد هو سمة ثقافيّة، حتّى لو كان يعتمد على التصرفات الفطرية. يقول آندرياس نايدر، عالم الأعصاب من جامعة توبنغن في ألمانيا: «الدماغ، وهو عضو بيولوجي مع مخطط أسلاك محدد وراثياً، مهيّئ لاكتساب نظام عددي. يمكن للثقافة أن تشكّل قابليّة العدد ضمن حدود قدرات الدماغ فقط. ستبقى رموز الأعداد لولا وجود هذه القابليّة، قابعة للأبد بعيداً عن فهمنا».

يقول أنصاري: «هذا أكبر تحدّ بالنسبة لي في هذا المجال: من أين تأتي معاني رموز الأعداد؟ لا أظنّ بحق بأنّ نظام الكميات الكبيرة الغامض سوف يكون هو أفضل مكان للبحث عن الحل».

باعتقاده، ربّما لا نعتمد على مجرّد انتقال بسيط من الرمز إلى الكميّة، بل على دلالة على العلاقة بين الأعداد. بعبارة أخرى: إنّ مفهوم القواعد الحسابيّة ليس مجرّد استشعارٍ لترتيب الأعداد الأصليّة (خطّ الأعداد). يقول: «حتّى عندما يفهم الأطفال مبدأ عدد العناصر ضمن مجموعة، أي دلالة رموز الأعداد على الكميّات، فإنّهم لا يفهمون بالضرورة بأنّك إن قمت بإضافة عددٍ آخر، فسوف تنتقل عندها إلى العدد الأعلى. يبدو بأنّ تحقيق بداية ناجحة بخصوص الفكرة هو أمر معقّد جدّاً، وبأنّنا ما زلنا في أوّل الطريق في محاولة فهم كيف يعمل هذا الشيء».

إنّ النقاش حول أصل إحساسنا بالعدد قد يبدو في حدّ ذاته مجرّداً، ولكن له عواقب عمليّة ملموسة. على الأخص: يمكن للمعتقدات حول الأدوار ذات الصلة بالبيولوجيا والثقافة أن تؤثّر على المواقف تجاه التعليم الرياضي.

تجد وجهة النظر المؤيدة للمنشأ الفطري للشعور بالعدد، تأييداً من الدراسة التي أجريت عام 2008 من قبل الباحثين في جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور، والتي أظهرت بأنّ قدرة أشخاص بسنّ 14 عاماً على التمييز بدقّة، في غضون لمحة، بين كميّات عدديّة متباينة (مثل عدد النقاط في صورة)، مرتبط بنتائج اختباراتهم في الرياضيات عندما كانوا في رياض الأطفال. بعبارة أخرى: إن كنت جيّداً بشكل فطري في تقدير الأعداد بصرياً، فسوف تكون جيّداً في الرياضيات. لقد استخدمت النتائج من أجل تطوير آليّات تعليميّة مثل اختبارات (Panamath) من أجل تقييم وتحسين القدرات الرياضيّة.

لكنّ فياس يقول بأنّ مثل هذه الاختبارات للتمييز الفطري المفترض بين أعداد الأشياء، ليست محكمة كما تبدو. يستحيل أن نفصل آثار أعداد النقاط عن عناصر مثل كثافتها والمساحة التي تحتلّها ومدى سطوعها. لقد أدرك الباحثون منذ دراسات المعلّم جان بياجيه عن تنمية الأطفال في الستينيات، بأنّ الأطفال لا يحكمون على العدد غريزياً بشكل مستقل عن الملامح البصريّة المتضاربة. مثال: سوف يخبرونك بأنّ مصفوفة واسعة من الأحجار تحوي أحجاراً أكثر من مصفوفة متزاحمة وأقصر، مع أنّ في كلتيهما نفس العدد من الأحجار. علاوة على ذلك، تُظهر العديد من الدراسات بأنّ المهارات الحسابيّة هي أكثر ارتباطاً بالتعلّم وبفهم رموز العدد (1-2-3...)، منها بالقدرة على تمييز الأعداد بصرياً.

-5-

بقدر ما يرغب المدرسون والباحثون بإجابات مؤكدة، فالحقيقة هي أنّ الجدال حول أصل الإدراك العددي لايزال مفتوحاً على مصراعيه. يبقى نايدر مقتنعاً بأنّ «قدرتنا بما يخصّ العدد الرمزي، مهما كانت أكثر تفصيلاً من قدرة الحيوانات غير الرمزيّة، هي جزء من تراثنا البيولوجي». إنّه يرى بأنّ تشديد نونيز على كون الأعداد بنفسها هي ابتكارات ثقافيّة «هو أمر لا يمكن الوصول إليه عبر التحقيقات التجريبيّة، وعليه فهو غير ذي صلة من وجهة النظر العلميّة». ويعتقد كذلك بأنّ هناك حاجة إلى أساس عصبي-بيولوجي، من أجل فهم سبب معاناة بعض الناس من «عسر الحساب dyscalculia»، وهي عدم قدرة الدماغ على التعامل مع الأعداد. يقول: «يمكننا أن نأمل، فقط عبر أساس عصبي-بيولوجي لقابليّة العدد، بأن نجد علاجات طبيّة وتدريسيّة لمثل هذه الحالات».

لكن إن كان نونيز محقّاً بأنّ مفهوم العدد هو تفصيل ثقافي لحسّ بيولوجي أكثر خاميّة بالكميّة، فهذا يثير أسئلة جديدة ومثيرة للاهتمام حول الرياضيّات في الدماغ. كيف ومتى قررنا أن نبدأ بالعد؟ هل بدأ الأمر عندما استطعنا تسمية الأعداد؟ يقول نونيز: «اللغة في حدّ ذاتها قد تكون أحد الشروط اللازمة للعدد، لكنّه ليس شرطاً كافياً. جميع الثقافات البشريّة لديها لغة، لكن لا تملك جميع الثقافات بأيّ حال تحديدات كميّة على صيغة أعداد».

تقول أندريا بندر، وهي عالمة إدراكيّة في جامعة بيرغن في النرويج: «يصعب الكشف عن كيف ومتى حدث التحوّل من التفكير الكمّي إلى التفكير العددي. خاصّة إن افترضنا بأنّ اللغة لعبت دوراً محورياً في هذه العمليّة، لأنّنا لا نعلم بحق متى ظهرت اللغة. تبدو جميع الأبحاث في مجال علم النفس التطوري وكأنّها تشير إلى حاجة المرء للثقافة قبل أن يستطيع أن يدرك مفهوم العدد». تقول أيضاً بأنّ بعض علماء الآثار يرجعون التفكير العددي إلى العصر الحجري القديم (Palaeolithic) قبل بضع عشرات الآلاف من السنين، وذلك بالاعتماد على المواد الباقية مثل العظام المثلّمة أو الأصابع المثقوبة، «ولكنّ هذا الأمر هو تخمين إلى حدّ ما».

ولزيادة الأمور تعقيداً، فعندما طوّرت الثقافات المختلفة مفهوم العدد، خرجت بحلول مختلفة لكيفيّة العدّ بشكل أفضل. فرغم أنّ الكثير من اللغات الغربيّة تعدّ مبنيّة على الأساس العشري، وهو ما دفعها إليه في الغالب عدد أصابع اليدين، ولكنّها ملكت بشكل نموذجي لغة متجذرة في قاعدة التقويم السنوي الاثنا عشري (عدد 12 في الإنكليزيّة من مقطع واحد twelve)، بحيث أنّ الأعداد المركبة بدأت عند عدد 13 (له بنية مركبة بالإنكليزيّة thirteen وأصلها ثلاثة-عشرة Three-ten). كان الصينيون أكثر منطقيّة واتساقاً منذ البداية، حيث دلّلوا على العدد 11 بـ [عشرة-واحد]، واستمرّوا بذات البنية المنطقية صعوداً، حيث تصبح الدلالة على عدد 21 هي [اثنان-عشرة-واحد]، وهكذا دواليك. ادّعى بعض الباحثين بأنّ هذه الشفافيّة اللغوية النسبيّة تمثّل النظام العددي الصيني المذهل (رغم أنّ الصعوبة في كتابة العدد تعمل في الاتجاه المعاكس لتعلّم القراءة والكتابة).

أو ربّما قد تبنينا نظام أعداد مختلف كليّة. لننظر إلى شعب جزير ة مانغاريفا الصغيرة في بولينيزيا الفرنسيّة. وجدت بيندر وزملاؤها بأنّ شعب مانغاريفا يستخدمون نظام حساب مزيج من النظام العشري المألوف وآخر معادل للنظام الثنائي. قد يبدو هذا خياراً فريداً من نوعه بما يسبق العصر الرقمي (digital age)، وهو العصر الذي جعل النظام الثنائي يبدو منطقياً بامتياز. لكن كما تقول بيندر، فإنّ النظام العددي الأفضل هو أمر يعتمد على مأربك من الأعداد.

بالنسبة لبعض العمليات الحسابية التي تنطوي على توزيع الغذاء والمؤن في مجتمع مانغاريفان، يمكن أن يكون استخدام النظام الثنائي أسهل. هو في هذا الإطار على الأقل، حلّ جيّد لمشكلة ثقافيّة. تقول بيندر: «تعطي مانغاريفان والثقافات البولينيزيّة المتصلة بها مثالاً عظيماً على ابتكار أنظمة العدّ الأكثر فاعليّة لتأديّة العمل المطلوب».

إنّها ترى بأنّ النتائج التي توصّلت إليها تدعم قول نونيز، بأنّه رغم أنّ البشر يملكون شروطاً بيولوجيّة تطوّرية معدّة سلفاً بخصوص الإدراك العددي، «فإنّ الأدوات التي يحتاجونها وابتكروها هي منتج ثقافي، ولذلك فهي متنوعة».

يعتقد نونيز بأنّ الكثير من زملاءه توّاقون جدّاً لإرجاع قدرات معينة إلى البيولوجيا والتطوّر، بينما هي مستمدّة أيضاً من الثقافة، مثل الموسيقى. يقول: «تملك الكثير من الحيوانات قدرات على التمييز الصوتي، وعلى أداء الأصوات بترددات وكثافات متنوعة... الخ. لكن هذا لا يعني بالضرورة بأنّ هذه الأشياء (بدائيات موسيقيّة). يمكن تتبّع أصل أصوات غنائية أوبراليّة (Bel canto) إلى المساحات الصوتيّة الواسعة، لكنّ هذه الأصوات لم تتطوّر من أصوات أوبراليّة».

ربّما في لبّ الاختلافات الحماسيّة على الحسّ بالعدد، تكمن رغبة بمنح قيمة لبعض السمات والقدرات، ولا يقتصر الأمر فقط على الرياضيّات بل كذلك على الموسيقا والفن. ذلك عبر منحها رخصة بيولوجيّة فطريّة، وكأنّ هذه القيمة سوف تنتقص بغير هذا. لا شكّ بأنّ الجدال العنيف الذي أطلقه اقتراح عالم الإدراك ستيفن بينكر، بأنّ الموسيقى مجرّد أمرٌ طفيلي على القدرات التي تطوّرت لأسباب أخرى، وهي التي سمّاها «فطيرة الجبنة السمعيّة Auditory cheesecake»، قد أعطى شعوراً بأنّ القيمة الجوهريّة للموسيقى بحدّ ذاتها هي المحك.

وهو أمرٌ غريب عندما تفكّر به. تبدو الفكرة القائلة بأنّ القدرة العقليّة الكبرى تتأتّى عن الثقافة فقط فكرة ضعيفة وخطيرة، أي أنّنا حضّرنا شيئاً هو أبعد من مواهبنا البيولوجيّة المباشرة، باستخدام قوّة الفكر المجرّدة. ربّما علينا أن نمنح نفسنا المزيد من الفضل.