Skip to main content

اقتصاد (3535)

يقف السوريون اليوم أمام مشهد اقتصادي سريالي، حيث يجري قلب الحقائق وتزييف أبسط المبادئ العلمية لخدمة أجندات ضيقة. ففي الوقت الذي تئن فيه البيوت السورية من وطأة الفقر وتآكل المداخيل، تطل علينا نخبة من المسؤولين الحكوميين بفكرة مضللة وكاذبة مفادها أن فتح باب الاستيراد على مصراعيه هو فعل يستهدف رفع القدرة الشرائية للمواطن! ويدعي هؤلاء أن البضاعة الوطنية باتت عبئاً لارتفاع ثمنها، وأن الحل يكمن في إغراق الأسواق بمنتجات أجنبية رخيصة. بطبيعة الحال، فإنه لا يجب النظر إلى هذا الخطاب بوصفه سوء تقدير اقتصادي فحسب، بل الأهم من ذلك أنه يمثل طعنة في خاصرة ما تبقى من سيادة إنتاجية سورية، ومحاولة لشرعنة الجشع الذي يمارسه كبار المستوردين السابقين والحاليين، الذين يجدون في الاستيراد وسيلة للربح السريع على أنقاض الورش والمصانع السورية. وفي الواقع، ليس من الصعب كشف هذا الزيف، فالمستهلك الذي يشتري اليوم سلعة مستوردة رخيصة الثمن، سيدفع ثمنها غداً من أمنه الغذائي، واستقرار عملته، وفرص عمل أبنائه التي تتبخر مع كل حاوية تدخل الحدود والموانئ لتقتل معملاً وطنياً.

لا يمكنك التفكير في السياسة والسياسات العامة من دون كلمات، لأنه لا توجد مطلقات، بل توجد اختيارات. الكلمات التي تستخدمها في التفكير في السياسة ستشكّل مسار هذا التفكير. من يرى أن حرائق الغابات مسألة «إدارة غابات» سيتصرف بطريقة مختلفة عمّن يراها نتيجة «مخيّمين طائشين». الكلمات تشكّل فهمنا لكل شيء.

الأحد, 15 شباط/فبراير 2026 20:34

هل حقاً روسيا «محطة وقود تحمل قنبلة ذرية»

Written by

أُجرى نائب رئيس مجلس الدوما الروسي- ألكسندر باباكوف- لقاءً مع المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لاري جونسون. ويبدو أن النائب الروسي اضطر إلى أن يشرح لذلك الضابط الاستخباراتي الأمريكي السابق، الذي أصبح محللاً عسكرياً–سياسياً، أن روسيا لم تعد منذ زمن «بلد محطة وقود»، كما كان يُطلق عليها في عهد الرئيس أوباما.

مر أكثر من عام على اللحظة التاريخية التي اعتقد فيها السوريون أن كابوس الاستبداد والإفقار الذي جثم على صدورهم قد انزاح إلى غير رجعة، تلك السلطة التي أفقرت السوريين وكانت السبب الأساسي في التدمير الذي تعرضت له البلاد. وفي الأيام الأولى لرحيل سلطة الأسد، ضجت المنابر والشاشات بشعار «إعادة الإعمار»، الذي قدم للسوريين كجرعة أمل وترياق لآلام النزوح والتهجير والفقر المدقع. وكان الحديث عن بناء سورية الجديدة يتصدر الخطابات الرسمية للسلطة الجديدة، حيث داعبت أحلام السوريين صور المدن والمرافق والجسور وهي تنهض من تحت الأنقاض. لكن، وبعد مرور أكثر من عام، نجد أنفسنا أمام صمت مريب يلف هذا الملف الحيوي، فقد اختفى المصطلح من القاموس الحكومي، وتلاشت الخطط قبل أن تولد، وتحول الإعمار إلى شعار منسي. وعدا عن كونه مؤشراً خطيراً على انحراف البوصلة، يمثل هذا الغياب إهمالاً لاستحقاقات الشعب السوري الذي دفع أغلى الأثمان للوصول إلى هذه اللحظة.

مع ازدياد طوابير الشباب السوري الذي بات يحلم بفرصة تخرجه من ضيق الحال إلى بلاد الاغتراب، يبرز سؤال ملح لا يقبل التأجيل أو المواربة: هل نحن أمام دولة إنتاج تسعى بجدية لترميم ما خربته سنوات الحرب والسياسات الاقتصادية المعادية للإنتاج، أم أننا نكرس نموذج دولة الاستيراد التي ترهن سيادتها وقرارها لإرادة الخارج وسماسرة الاستيراد؟ في هذا الصدد، فإن حزمة التوصيات الـ13 التي أطلقتها غرفة صناعة دمشق وريفها يوم الخميس 5 شباط، بناءً على مخرجات «مختبر حلول الصناعة الوطنية» المنعقد في بدايات شهر كانون الثاني الفائت، تمثل في جوهرها وثيقة دفاع عن الإنتاج الوطني ضد التراجع الممنهج الذي يتعرض له.

يَرِدُ الاختصار «ВВП - GDP» اليوم في وسائل الإعلام في كل منشورٍ اقتصادي تقريباً. وهو اختصار لعبارة «الناتج المحلي الإجمالي». ويُعدّ الناتج المحلي الإجمالي المؤشرَ الماكرو-اقتصادي الأهم في معظم دول العالم. فمن خلاله تُقاس أحجام الاقتصادات الوطنية والعالمية، وديناميات التطور الاقتصادي للدول والمناطق والعالم ككل، كما تُقارن اقتصادات الدول ببعضها البعض. وللأكثر فضولاً، تُقدَّم أيضاً إحصاءات عن بنية الناتج المحلي الإجمالي، بحسب الإنتاج والاستهلاك والدخل.

مع اشتداد الأزمة المعيشية في سورية، وفي ذروة شتاء تعيش فيه العديد من العائلات تحت حد الكفاف، وجدت السلطات نفسها مضطرة لمواجهة موجة سخط شعبي كبيرة وصلت إلى حد الرفض العلني لدفع فواتير الكهرباء الجديدة التي ارتفعت بنسبٍ هائلة، فالأرقام الصادمة التي حملتها الفواتير في مطلع عام 2026، والمبنية على الهيكلية الجائرة التي أقرتها وزارة الطاقة في الربع الأخير من عام 2025، كشفت عن وجه مخيف لسياسات إلغاء الدعم، تحولت معه الكهرباء من حق للسوريين إلى أداة إقصاء اجتماعي تضع المواطن أمام خيارات شديدة الصعوبة ليستطيع تحمل الارتفاع الكبير في الأسعار. وفي محاولة لامتصاص هذا الاحتقان، بدأت تخرج «تسريبات» عن اجتماعات بين وزير الطاقة ومسؤولين آخرين لمناقشة تراجعات جزئية وتعديلات في شرائح الاستهلاك. وإن بدت هذه التحركات في ظاهرها استجابة للضغط، إلا أنها في العمق لا تزال تراوغ المطلب الأساسي، وهو التراجع الكامل عن نهج الجباية الذي يخدم نخباً ضيقة على حساب شعب منهك.

مع انتصاف شهر كانون الثاني الجاري، لم تكن برودة الشتاء القارس هي القسوة الوحيدة التي واجهت السوريين في منازلهم المفتقرة إلى العديد من أساسيات الحياة، بل كانت لسعة فواتير الكهرباء الصادرة عن شهري تشرين الثاني وكانون الأول هي الأشد إيلاماً. حيث كشفت هذه الفواتير (التي ترجمت فعلياً وفق هيكلية الأسعار الجديدة التي أعلنت عنها وزارة الطاقة في الربع الأخير من عام 2025) عن وجه مخيف لسياسة إلغاء الدعم تمثّل في استيقاظ السوريين على واقع يفرض عليهم دفع مبالغ خيالية مقابل خدمة لا تكاد تضيء منازلهم إلا لساعات قليلة ومتقطعة، وذلك بعد أن اكتشفوا أن الادعاء الحكومي بالحفاظ على الدعم عبر وجود شريحة مدعومة لا تتجاوز 150 كيلو واط شهرياً ليس في جوهره سوى خدعة دعائية لذر الرماد في العيون، فالتجربة المباشرة أثبتت أن أدنى متطلبات تشغيل الكهرباء المنزلي في سورية تتجاوز هذا السقف الزهيد بكثير. ما يجعلنا أمام واقع معيشي جديد، تحولت فيه السياسات الاقتصادية الحالية - والتي تشكل امتداداً مباشراً للسياسات الاقتصادية للسلطة السابقة - إلى أداة إقصاء اجتماعي مباشر، تضع أولوية الجباية الحكومية فوق مصلحة المواطنين السوريين، وتقامر بالاستقرار الهش في سبيل تحقيق المزيد من الإيرادات التي نرى كيف يجري تبديد مصادرها الأخرى التي لا تشكل عبئاً على المواطنين بأشكالٍ شتى.

لا يبدو أن دونالد ترامب مستعد للتراجع عن هوسه بالاستيلاء على قطعة كبيرة من العقارات، متمثلة في غرينلاند. وهو الآن مصمم على ضرب المستهلكين الأمريكيين بضريبة كبيرة أخرى، عبر فرض رسوم جمركية بقيمة 75 مليار دولار على الواردات القادمة من الدول الأوروبية الأكثر دفاعاً عن الوضع القائم فيما يتعلق بغرينلاند والدنمارك.

يستفيق السوريون اليوم على مشهد اقتصادي لا يقل قسوة عن سنوات الحرب العسكرية، مشهدٌ تُرفع فيه شعارات «السوق التنافسية» فوق ركام المصانع المدمرة والورش المعطلة. وفي لحظة التحول هذه، وبينما ينتظر المواطن الذي عانى الأمرين بصيص أمل في إعادة بناء دورة إنتاج وطنية تؤمن له كرامة العيش وفرص العمل، تطل علينا «نخبة» اقتصادية جديدة، نمت في ظلال الفوضى، لتروج لنموذج الاستيراد المنفلت بوصفه حلاً سحرياً. تحاول هذه النخب، التي تخلت عن دورها المفترض في حماية الاقتصاد الوطني، اليوم شرعنة الجشع تحت مسميات الانفتاح والعصرنة، متناسية أن أي اقتصاد في العالم لا يملك قاعدة إنتاجية صلبة هو اقتصاد محكوم عليه بالتبعية والانهيار الدائم. ومصلحة الشعب السوري تقتضي اليوم وقفة حازمة أمام هذا التغول، وكشف الأقنعة عن «وعاظ السوق» الذين يبررون قتل الصناعة الوطنية بدم بارد، مدعين أن في موتها حياة للمستهلك، وهي أكذوبة يفضحها الواقع الاقتصادي الحالي بعد عام كامل من تبني ما يسمى بـ«اقتصاد السوق الحر التنافسي» رسمياً.

الصفحة 5 من 253