Skip to main content

اقتصاد (3537)

الآن لم يعد أحد يجادل وينكر جدياً حقيقة أن مكانة الدولار الأمريكي كعملة احتياطية عالمية تتآكل. وعندما تبدأ وسائل الإعلام الغربية الكبرى اليوم في مهاجمة الفكرة القائلة بتخلي دول العالم عن الدولار بجدية، يدرك المرء أن الذعر قد بدأ بالفعل في واشنطن، ولا سيما إذا ما نظرنا إلى الأرقام: كانت نسبة الدولار من الاحتياطي العالمي 73% في عام 2001، و55% في عام 2021، و47% في عام 2022. أما النقطة الرئيسية التي يجب أخذها في الاعتبار فهي أنه في العام الماضي، تراجعت حصة الدولار أسرع بعشر مرات من المتوسط ​​في العقدين الماضيين. والآن، لم يعد من الخيال توقع انهيار الحصة العالمية للدولار لتصل إلى 30% فقط بحلول نهاية عام 2024، وهو ما يتزامن مع الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة.

قام البنكان المركزيان الرئيسيان في الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة: الاحتياطي الفدرالي الأمريكي FED والبنك المركزي الأوروبي ECB، برفع أسعار الفائدة من جديد في الأسبوع الماضي. يحدد سعر الفائدة هذا الحد الأدنى لجميع معدلات الاقتراض في هذه الاقتصادات. قام كلا البنكين المركزيين برفع أسعار الفائدة بنسبة 0.25٪ مرة أخرى، لذا فإنّ سعر الفائدة لدى الاحتياطي الفدرالي يقف الآن عند 5.25٪، والبنك المركزي الأوروبي عند 3.7٪. هذا بالمقارنة مع 0.25٪ و0٪ فقط على التوالي قبل عامين.

باستثناء من فقد قدرته على التحليل الموضوعي، لا يوجد أحد اليوم يشكّ في حقيقة أن الدولار الأمريكي سيفقد مكانته الدولية بوصفه عملة التبادل العالمية، وهي المكانة التي اعتاد عليها لأكثر من ثمانية عقود - أي منذ المؤتمر الدولي في «بريتون وودز» عام 1944. تتباين تقييمات الخبراء الرصينين اليوم ليس حول انهيار الدولار الأمريكي من عدمه، بل حول توقيت الحدث المتوقع فقط.

في نهاية آذار الماضي 2023، ارتفعت حصّة اليوان الصيني من المدفوعات العابرة للحدود «سداد وتلقي» بين الصين والعالم الخارجي إلى رقم قياسي هو 48٪، وذلك بارتفاع هائل من 0٪ في عام 2010. وقد تجاوز اليوان بذلك الدولار الأمريكي لأول مرة على الإطلاق بوصفه العملة المختارة لتسوية المدفوعات العابرة للحدود، حيث هبطت حصّة الدولار من 83٪ إلى 47٪ في الفترة ذاتها.

تخوض كل من الصين والولايات المتحدة صراعاً شديداً في المجال التكنولوجي، إلى حدٍّ يمكن وصف ما يجري بالحرب التكنولوجية التي تنعكس في تفاصيلها عملية التبدل الجاري في الأوزان الدولية، حيث ينخفض وزن الولايات المتحدة الأمريكية والدول الدائرة في فلكها، ويرتفع وزن الصين وروسيا وعدد كبير من الدول التي تنشأ تكتلات جديدة بعيدة عن العالم الغربي.

تشير الأخبار إلى أنّ سيرلانكا قد تصدّر أكثر من 100 ألف قرد إلى الصين، وأنّ ذلك قد يشكّل خنجراً آخر يدقّ في قلب الدولار الأمريكي. وقبل الانتقال إلى صادرات أخرى من بلدان أخرى، علينا الوقوف قليلاً عند تأثير القرود السريلانكية.

في أوائل شهر نيسان الجاري، أعلنت مجموعة «أوبك +» - المجموعة التي تضمّ عدداً من الدول المصدرة للنفط والتي لا تخضع في هذا المجال حالياً للضغوط الأمريكية  الرامية لزيادة إنتاج النفط - عن خططٍ لتخفيض الإنتاج ابتداءً من أوائل شهر أيار المقبل. على هذه الأرضية، يقوم المعنيون في السوق العالمي بمراجعة تقييماتهم لحركة أسعار النفط خلال العام الجاري، وثمة توقعات تشير إلى أن سعر برميل النفط مرشح للارتفاع والوصول إلى ما يقارب 110 دولارات خلال هذا الصيف.

بتنا اليوم نسمع بشكل متزايد عن باحثين غربيين يشككون في إعلانات عن تأثير العقوبات، مقابل الذين لا يزالون مصرين على أنّ العقوبات الغربية ضدّ روسيا قد أتت بثمارها، فقد أجرى جيمس غالبريث، البروفسور في العلاقات الاقتصادية والحكومية- في جامعة تكساس في أوستن- بحثاً هاماً في هذا الخصوص، حيث درس جميع الادعاءات الصحفية المرموقة والأكاديمية عن تأثير العقوبات الغربية على الاقتصاد الروسي، وعلى السوق والمستهلكين الروس، وعلى الإنتاج العسكري، ووصل إلى النتيجة التالية: لا يوجد أيّ شيء يدلّ على أنّ العقوبات أدّت عملها. إليكم أبرز ما جاء في البحث.

في بداية العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا العام الماضي، هدّد المسؤولون الأوروبيون كل شهر تقريباً بمصادرة الاستثمارات الروسية في البنوك الغربية، لكن بمرور الوقت وباتضاح التوازنات لمصلحة روسيا، يتم استبدال هذه التصريحات العدائية بخطابٍ أكثر تحفظاً. لكن هذه التصريحات والتلميحات الجديدة لم يكن لها أي تأثير على تلك الدول التي توقفت - منذ العام الماضي على أقل تقدير - عن الثقة في البنوك الغربية عموماً والشروع في بناء البدائل الحقيقية. 

منذ شباط العام الماضي زاد البنك المركزي الروسي حجم الذهب النقدي في احتياطياته بمقدار مليون أوقية «31 طن»، وهذا مهم ليس من أجل تخفيف اعتماد النظام المصرفي على الدولار، بل من أجل تأمين الوقت الكافي لإعادة الحياة إلى الاقتصاد الروسي الذي يجب أن يواجه تداعيات انهيار الاقتصاد العالمي القادمة.

الصفحة 26 من 253