_
(جهاز دولة)  مستعمل للبيع

(جهاز دولة) مستعمل للبيع

أدت العقوبات الاقتصادية على سورية، وحملة تشديدها الأخيرة منذ نهاية العام الماضي، إلى دفع كبير لسياسة «جهاز دولة للبيع»! فالممارسات الملموسة للسياسة الاقتصادية أخذت شكل تقليص الصرف والإنفاق الحكومي، لأضيق الحدود... وتحت ذريعة عدم قدرة جهاز الدولة على الإنفاق، تم البدء بعملية عرض استثماري واسعة لخدماته، وتحديداً «المحرزة» منها.

لا يكاد يخلو يوم من تصريحات حكومية، حول آخر عروضها على المستثمرين، وقد اشتدت هذه الحملة منذ عام مضى، وتحديداً بعد تشديد العقوبات: فاستلم السماسرة الاستيراد في قطاع المحروقات، وتكفلت شركة خاصة بحصة من خدمات التوزيع عبر البطاقة الذكية، وسبقها المرسوم الذي سمح لشركات بإدارة أملاك المحافظة، الذي طُبّق في شركة «الشام القابضة» على أملاك محافظة دمشق، مع نية للتوسع في إيرادات الشركة منه، والتوسع به جغرافياً نحو محافظة حلب. وفي قطاع آخر أيضاً يتم الحديث عن شركة مساهمة مشتركة ستدير التأمين الصحي.

 

كما ستعرض المؤسسة العامة للخطوط الحديدة السورية أراضيَ وعقارات تمتلكها للاستثمار، والعديد من الشركات الصناعية العامة معروضة للتشاركية، كإطارات حماة التي يتم الحديث عن عروض حكومية لأصولها بأرخص الأسعار (6 مليون ليرة مثلاً لفندق بـ 104 غرف تابع للشركة!)، وشركة بردى التي يتم الحديث عن عقد تشاركية مع شركة ماليزية بنسبة 10% للدولة! هذا عدا عن نتائج ما تم مشاركته سابقاً كالاستثمار في إسمنت عدرا مع مجموعة فرعون، التي تخالف العقد وأصبحت التراكمات عليها 10 مليارات ليرة... (وفق ما ورد في اجتماع مجلس الاتحاد العام بحضور الحكومة في 19-20 آيار 2019).
وطبعاً ما سبق هذا وذاك من عقود لاستثمار الفوسفات، بنسبة 30% فقط للدولة، والحديث عن عقد استثمار مرفأ طرطوس الذي «لا حسّ عنه ولا خبر»، وبنسبة 30% أيضاً... وهكذا دواليك. وعلينا أن نترقب القادم، في قطاعات كالكهرباء والمياه وغيرها، ولا شيء مستبعد.

الخصخصة أشكال ألوان

الخصخصة ليست «صبّة» أو وصفة واحدة، بل هي منطق عمل مطبق ومتوسع تدريجياً في سورية. قانونياً: فتح له الباب منذ التسعينات، أما فعلياً فأبعد من ذلك... حيث يمكن القول: إن الخصخصة تعود إلى منتصف السبعينات، المرحلة التي بدأ التقدم الاجتماعي والتنموي السوري يتراجع فيها، ويتضخم أثرياء البيروقراطية التنفيذيون، على حساب المال العام، وكذلك يتوسع الأثرياء الطفيليون الذين يسمسرون بين جهاز الدولة وبين المجتمع من متعهدين وتجار ووكلاء وغيرها. وكل هؤلاء تضخموا من إنتاج ومن عائدات المال العام، لعقود طويلة، فكانت الملكية للدولة، ولكن امتيازات التوزيع للمتحكمين به والمتطفلين عليه. ليصبحوا منذ ما قبل الأزمة القوى الأساسية في السوق، وليعودوا اليوم و«يتسلبطوا» على ما تبقى من مهمات و«أبواب رزق» لجهاز الدولة.

استهداف القليل المتبقي

يتم استهداف مواضع الدخل المتبقية لدى جهاز الدولة: فبينما كانت الأسبقية لقطاع الاتصالات الخليوية، فإن التوزيع في قطاعات أساسية: كالمحروقات يتلوه اليوم، حيث أصبح لكبار المستوردين وشركائهم المصدرين حصة هامة منه، تكلف نسبة 40% تقريباً فوق السعر العالمي. كما أن للدولة أملاكاً وعقارات يجري العمل على استثمارها، أو المشاركة في إدارتها، وبالتالي إيراداتها. وكذلك لديها أموال في قطاع التأمينات تقارب ضعف التأمين في القطاع الخاص (8 مليارات مقابل 4 تقريباً سنوياً)، ويجري الدوران حول المشاركة في استثمارها كما في التأمين الصحي وغيره.
وأيضاً في كل المتفرقات الأخرى: فإذا ما كانت الدولة تحدد إجازات الاستيراد، فإنها تعطي حصة للمصارف الخاصة والمكاتب، من عملية تمويل المستوردات. وإذا ما كانت الدولة مسؤولة عن استلام قطع الحوالات، فإنها تعطي حصة للمكاتب والشركات من القطع الأجنبي الوارد، وإذا ما كانت الدولة تخصص أموالاً لإنفاق البلديات، فإنها تتحول لحصة للمتعهدين والشركات التي تتعاقد مع الجهات المحلية... وهلم جرّاً.
اليوم، تجري عملية بيع واسعة، بذريعة الضغط على جهاز الدولة وتراجع قدراته، وموارده وضعف فعاليته الإنتاجية... بحجة «اهترائه»! بينما تعرف التجارب التاريخية البعيدة والقريبة، أن التضييق والحصار يرفع من أسهم جهاز الدولة ودوره، ولكن هذا يتطلب أن تكون الدولة مُدارة بدافع وعقلية تحقيق مشروع وطني عميق، وشعبها قادر على الدفاع عنها... الأمر الذي لا يتوفر في الشرط السياسي السوري اليوم.
إنّ الأموال التي دارت في فلك العمل الحكومي، قاربت 2900 مليار ليرة في 2017: بين مستورداتها 1500 مليار، وإنفاقها الاستهلاكي النهائي 1130 ملياراً، وإنفاقها على رأس المال الثابت 270 ملياراً ليرة تقريباً. وهي بمجموعها تشكل نسبة: 33% من الناتج السوري. ولكن مقابل هذه الأموال فإن مجمل الإيرادات العامة، إن كانت قد تحققت، فهي 1900 مليار ليرة، وفق المجموعة الإحصائية لعام 2017... ولكن لا يمكن الركون تماماً إلى أيّ من الأرقام الرسمية المتعلقة بالموازنات لأنها تقديرية، ولكن يمكن الركون منطقياً إلى أن حصة كبار المتنفذين والمستثمرين والمتعاقدين والوكلاء هي حصة هامة من هذا المال العام، الذي يعتبر هدفاً استثمارياً تفتح له الأبواب باتساع مضطرد. وهذه العملية لا تهدد المال العام، والإيرادات العامة فقط... بل تهدد الدور الوظيفي لجهاز الدولة، فهو اليوم يتآكل بشرياً، بقوى عاملة أقل عدداً، وأقل كفاءة وارتباطاً مع مستوى أجور لا يترك للفرد من أسر القوى العاملة إلّا 9000 ليرة شهرياً، وأقل من 20 دولاراً. ويتآكل من حيث الفعالية والموارد مع إنفاق متقلص بشكل استثنائي وتحديداً مع مطلع العام الحالي، وموارد متراجعة مع عمليات الاستثمار التي تقوم على منطق التطفل على مواضع موارد الدولة، وشرائها بلحظة الأزمة وبأرخص الأسعار... إن كان جهاز الدولة السوري بخطر، وقادَتنا هذه المرحلة إلى تعقيدات سياسية واجتماعية أخطر، فإن توزيع المسؤوليات لن يكون فقط على الطرف الغربي والأمريكي الذي يقوم بمشروعه، بل على الأطراف المحلية التي تدفع الجهاز للتآكل، وتصدح ليل نهار بالدفاع عن الوطن والسيادة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
915
آخر تعديل على الإثنين, 27 أيار 2019 13:31