_
التأمين الصحي.. استكمال الخصخصة وضمان الربح!
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

التأمين الصحي.. استكمال الخصخصة وضمان الربح!

عاد ملف التأمين الصحي لواجهة التداول الرسمي والإعلامي مجدداً، وذلك من نفس البوابة القديمة الجديدة التي تتحدث عن تطوير هذا القطاع التأميني الهام، بالتركيز على الجانب الاستثماري والربحي فيه دوناً عن مصالح المؤمن عليهم وحقوقهم.

أما الجديد بالطرح المترافق مع عودة هذا الملف للواجهة فهو: الحديث عن فرض رسم طابع على السجائر ومشتقات التبغ والمشروبات الكحولية بما يعادل 10%، كبند إضافي مقترح من قبل هيئة الإشراف على التأمين ضمن «مسودة مشروع قانون نظام التأمين الصحي الجديد»، بهدف «تأمين الإيرادات لتمويل شركة التأمين الصحي» التي ستحدث بموجب المشروع، وذلك حسب ما رشح عبر بعض وسائل الإعلام الأسبوع الماضي.

أرشيف قاسيوني

في هذا السياق تجدر الإشارة لما ورد في «قاسيون» تحت عنوان «مصالح المؤمَّن عليه غائبة دائماً!» بتاريخ 24/9/2017، حيال الحديث حينها عن «اقتراح إحداثِ شركة خاصة بالتأمين الصحي، تشمل أطراف العملية التأمينية جميعها»، حيث ورد التالي:
«الاقتراح أعلاه تقدم به مدير التأمين الصحي في المؤسسة العامة السورية للتأمين، والذي اعتبر اقتراحه فرصة لشركات التأمين الخاصة للمساهمة برأسمال الشركة، بما يواكب التزايد المستمر والمتسارع لإجمالي المحفظة التأمينية».. «مما لا شك فيه، أن إحداث هذه الشركة الخاصة غايته تحقيق الأرباح.. ومع المهام الكبيرة التي تم الحديث عنها، والحاجة للمزيد من الطاقم الإداري العامل من أجل تنفيذها، فهذا يعني في الواقع العملي المزيد من الإنفاق، وهو ما سوف يتم البحث عن موارد من أجل تغطيته، بعيداً عن حصص الأرباح المأمول بها من كل بد، وبالتالي، فإن جيوب العاملين هي الجهة المستهدفة من أجل تغطية هذا الإنفاق المتزايد، أو أن صحته هي التي ستكون مستهدفة عبر المزيد من سوء الخدمات، أو تخفيض التغطيات التأمينية، وغيرها من البوابات الأخرى التي ستنعكس سلباً على صحة العامل بالنتيجة».. «وكأن قطاع الدولة أصبح عاجزاً عن القيام بمهامه، أو هكذا يتم تسويق صورته، لتستمر عملية تغييبه وتهميشه وإضعافه، بما يخدم القطاع الخاص ويحقق مصالحه، على حساب قطاع الدولة والعاملين فيه، كما على حساب المواطنين والبلد بالنتيجة».

جيب العامل مصدر التطوير الاستثماري

من موقع سانا بتاريخ 14/5/2019: «أكد مدير المؤسسة العامة السورية للتأمين إياد زهرة أنه تم تشكيل لجنة لإعادة دراسة واقع التأمين الصحي واقتراح ما يلزم لتطويره، ليتمكن من تخديم مستفيديه بشكل صحيح ويحقق رضاهم، متوقعاً أن تكتمل الدراسة الأولية للمشروع خلال شهر»، وكشف: «أن المؤسسة بصدد إعداد دراسة لتوحيد التغطيات المالية لعقود التأمين الصحي للعاملين في قطاعات الدولة المختلفة سواء الإنتاجية أو الاقتصادية أو الإدارية لتحقيق العدالة بينهم، بناءً على الاعتمادات المتوفرة وقدرة العامل على تقديم حصة من راتبه»، مبيناً: «وجود قطاعات عامة إنتاجية قسط التأمين الصحي السنوي الخاص للعامل فيها يصل إلى 45 ألف ليرة، فيما لا يتجاوز بقطاعات إدارية 9 آلاف ليرة، لهذا لا يمكن تغطية عقود التأمين في كل القطاعات بالطريقة نفسها»، موضحاً: «أن عقود التأمين الصحي تختلف حسب العمر والحالة الصحية للمؤمن عليه، والقسط المدفوع مشيراً إلى أنه بقدر ما يكون قسط التأمين مرتفعاً يمكن الحصول على ضمانات وخدمات أوسع».
التصريح أعلاه، وباختصار، يعني: ارتباط التغطية الصحية والضمانات والخدمات بالقسط المدفوع من المؤمن عليه، والعدالة المفترضة تقتضي توحيد الأقساط التأمينية السنوية بكل القطاعات، والسعي لزيادتها المرتبطة بـ «قدرة العامل على تقديم حصة من راتبه»، وهذا هو جوهر «التطوير» تحت عنوان «تخديم المستفيدين» و«تحقيق رضاهم»، ومن الناحية العملية فإن هذا التطوير لن يكون إلّا مزيداً من التراجع على حساب مصلحة المؤمن عليهم وصحتهم، ومن جيوبهم بالنتيجة، خاصة وأن الأجور على حالها، ما يعني عدم التمكن من زيادة حصة العامل المرتبطة بالتغطية التأمينية.
فالواقع، يقول: إن المؤسسة العامة للتأمين حددت بالتنسيق مع إدارات المؤسسات الإدارية والاقتصادية العامة قيمة /50/ ألف ليرة للموظف كأعلى رصيد لبطاقة تأمينه الصحي، و/12/ إجراء صحي خلال عام كامل، وذلك للتغطيات خارج المشافي (مخابر- أشعة- أدوية موصوفة- زيارة طبيب)، وتم العمل بهذا الإجراء اعتباراً من شهر أيار 2018، وقد اعتُبر في حينه تراجعاً كبيراً على مستوى التغطية بالنسبة للمؤمن عليهم عما كان معمول به قبل ذلك، وخاصة للقطاع الاقتصادي.

شركة استثمارية خاصة

بالعودة للمشروع «الجديد»، تجدر الإشارة إلى ما ورد عبر إحدى الصحف المحلية بتاريخ 12/8/2018:
«أظهر المشروع تأسيس شركة مساهمة خاصة للتأمين الصحي تسمى «شركة فيحاء الشام للتأمين الصحي» وتكون لها الشخصية القانونية والاعتبارية وجميع الحقوق والصلاحيات اللازمة لتمكينها من القيام بأعمالها وتتمتع بالاستقلال المالي والإداري».
«حدد المشروع مدة الشركة بخمسين عاماً تبدأ من تاريخ التصديق على النظام الأساسي، وتكون قابلة للتمديد بقرار من مجلس الوزراء، وتمارس الشركة جميع أعمال التأمين الصحي الجماعي والفردي وبجميع شرائح المجتمع، وتؤول إليها محفظة التأمين الصحي الموجودة لدى المؤسسة العامة السورية للتأمين بكل مكوناتها».
«ونص المشروع على أن يؤسس مجلس لتنظيم أعمال التأمين الصحي يسمى «المجلس الأعلى للتأمين الصحي»، ويعتبر المجلس بمنزلة الهيئة العامة للشركة».
«يتم تمويل الشركة لتسديد الالتزامات المترتبة عليها من المطالبات الناشئة عبر حصة المشترك (المؤمن له) حيث يتم اقتطاع نسبة من رواتب العاملين أو المتقاعدين في القطاع الحكومي والخاص، يحددها المجلس، ومن خلال الهبات والمنح والقروض والتبرعات والمعونات بعد أخذ موافقة رئاسة مجلس الوزراء، ومن حصة رب العمل، إضافة إلى نسبة من عوائد الاستثمارات (تحددها الهيئة العامة للشركة) في حال ورودها والأرباح التي تجنيها من المساهمة في تطوير المشاريع الصحية أو التي يتم إنشاؤها في مجال الخدمات الصحية، وعبر طابع مالي يقترح المجلس قيمته وموضوعه في كل ما يتعلق بالصحة والحياة».
أخيراً: «تتمتع الشركة ومشاريعها بالإعفاءات والمزايا والتسهيلات المنصوص عليها في قوانين تشجيع الاستثمار النافذة، وتعتبر أموال الشركة من أموال الدولة الخاصة ولا يجوز إلقاء الحجز الاحتياطي على ممتلكاتها وأصولها إلّا بموجب حكم قضائي مبرم، وأن الشركة تعمل بضمانة الدولة».
وبدون مواربة ومقدمات فالمشروع من خلال حيثياته أعلاه يعني أن قطاع التأمين الصحي سيصبح قطاعاً استثمارياً ربحياً خاصاً بضمانة الدولة، بغضّ النظر عن حجم الاستفادة والتغطية و«تخديم المستفيدين» و«تحقيق رضاهم»، أي: إن عملية خصخصة هذا القطاع ستستكمل عبر إقرار المشروع المزمع، وسيصبح مشروعاً استثمارياً بامتياز.

ربح استباقي كبير مضمون.. والباقي آتٍ!

بخصوص ما رشح عن فرض رسم طابع على السجائر ومشتقات التبغ والمشروبات الكحولية بما يعادل 10% كاقتراح من قبل هيئة الإشراف على التأمين على المشروع، فهو من الناحية العملية ربما لا يتعارض مع مضمونه حسب ما هو مبين أعلاه، لكنه خطوة استباقية بهذا المضمون ليس إلا، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الخطوة تعني أن التمويل للشركة قيد التأسيس سوف يتأتى من جيوب شرائح اجتماعية إضافية من المواطنين، غير المؤمن عليهم، بل وستبدأ عمليات التمويل للشركة المزمعة مباشرة مع إقرار المشروع وقبل أن يتبين خيرها من شرها على مستوى أدائها وعملها، وعلى مستوى مهامها، وما تقدمه من خدمات للمؤمن عليهم، كهبة على شكل ربحٍ صافٍ محققٍ ومضمونٍ بعيداً عن الأداء والخدمات، ولا شك بأن نسبة الـ10% على المواد أعلاه تعتبر عائدات تمويلية كبيرة.
ولعل الأهم بهذه البوابة المشرعة على هذا المستوى من أشكال التمويل تحت بند: «كل ما يتعلق بالصحة والحياة»، ما يمكن أن تتمخض عنه الاقتراحات لاحقاً من «رسوم» إضافية تطال جيوب شرائح جديدة من المواطنين، ولتكون مصدر تربح صافٍ ومضمونٍ للشركة أيضاً، تحت عنوان: «تأمين الإيرادات لتمويل الشركة».

نموذج إبداعي يستحق براءة اختراع!

ربما لا جديد إن قلنا بأن السياسات الحكومية الليبرالية تحابي مصالح القطاع الخاص والمستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال، مع منحهم المزيد من الامتيازات والإعفاءات، على حساب بقية الشرائح الاجتماعية المفقرة، وهو نهج مكرس منذ عقود، لكن الجديد في هذه السياسات وفقاً لما سبق أعلاه هي أنها أصبحت ضامناً لأرباح هؤلاء حتى قبل أن يباشروا استثماراتهم، عبر ضخ الأرباح المسبقة الصافية والمضمونة في حساباتهم من جيوب بقية المواطنين، وعلى حساب معيشتهم، كنموذج إبداعي جديد يستحق أن يأخذ براءة اختراع.

معلومات إضافية

العدد رقم:
914
آخر تعديل على الإثنين, 20 أيار 2019 15:19