Skip to main content

نقابات وعمّال (5623)

الأحد, 16 تشرين2/نوفمبر 2025 15:37

النقابات من تراجع إلى تراجع أشد

تدهور العمل النقابي ظاهرةٌ تشكلت خلال مرحلة تاريخية امتدت منذ دخول النقابات تحت عباءة السلطة التنفيذية، إلى التخلي عن الأساليب والأدوات النضالية في برامج الحركة النقابية. لم يعد العمل النقابي فاعلاً في المشهد العمالي والاجتماعي اليوم، بالتزامن مع اتساع رقعة الفقر وتزايد البطالة وتدمير الخدمات العامة المستهدفة بالخصخصة تباعاً، ورفع أسعارها عشرات الأضعاف كما حصل بفواتير الكهرباء مثلاً. يلي ذلك إغلاق العديد من المعامل في قطاعي الدولة والخاص. ومع كل هذه الإجراءات والسياسات الضارة بالشعب السوري عامة وبالطبقة العاملة خاصة، لم نشهد أي فعل نقابي حقيقي أو حتى ردة فعل شكلية. بل على العكس، النقابات تنكفئ على نفسها، والاحتجاجات النقابية معدومة، وبات العمال في قطيعة شبه كاملة مع النقابات.

تلقّت «قاسيون» شكوى عمالية من الكوادر الفنية العاملة في تخصُّصَي التخدير والإنعاش (المداومين والمقيمين) في مشفى حلب الجامعي. وبعد متابعةٍ من المكتب العمالي النقابي في حلب، تبيّن أن الشكوى تتعلّق بحرمان نحو 30 فنياً وفنيّة — يشكّلون نحو 50%–60% من الكوادر العاملة في هذا التخصّص بالمستشفى — من استكمال صرف مخصّصات «طبيعة العمل» بنسبة 50%، رغم أنهم يتقاضون رواتبهم ومكافآت أخرى.

حددت المادة 9 من مشروع قانون الخدمة المدنية الفئات الوظيفية حسب المؤهل العلمي بخمس فئات: الفئة الأولى والتي تضم حملة الشهادات الجامعية كحد أدنى صادرة عن إحدى الجامعات العربية السورية أو ما يعادلها، وتقسم هذه الفئة إلى 5 فئات أيضاً: دكتوراه، وماجستير، وإجازة جامعية (6 أعوام + دبلوم)، وإجازة جامعية (5 أعوام + دبلوم)، وإجازة جامعية (4 أعوام).

قرارات التوظيف الجديدة التي تنتهجها الجهات العامة فاقدة للمعايير والشفافية والعدالة، هذا ما هو عليه الأمر اليوم. ورغم البدء بهذا النهج في التوظيف الجديد وملء الشواغر - إن صحّت تسميته نهجاً - إلا أننا آثرنا التريث بطرحه لاستبيان أكثر وضوحاً من المؤشرات الأولى. وفعلاً لم تخيّب الحكومة ظن الكثيرين وشكوكهم، واستمرت باتباع طرق وأساليب وقرارات توظيفية دون معايير أو مرتكزات قانونية صحيحة أو واضحة، آخذةً بالتعاقد مع آلاف الكوادر الجديدة في أغلب الوزارات والمؤسسات والمديريات والهيئات الحكومية بعقود لا تأخذ صفة قانونية ممهورة بأختام وتواقيع حكومية، ومطرزة بأجور بالدولار خارجة عن السياسة الأجرية المحددة بسلم الأجور والرواتب الحالي، وبأضعاف مضاعفة، تحت حجج وذرائع لا تليق بناطقها ولا سامعها، وتبريرات غير مسبوقة.

استطاع الاتحاد العام لنقابات العمال أن يصيب جموع العمال والنقابيين بالذهول التام بعد أن أعلن عن رغبته في استبدال أسطول سياراته القديم بسيارات جديدة، حيث نشر في الرابع من الشهر الحالي عبر صفحته الرسمية مناقصة علنية علنية وبالسرعة الكلية جاء فيها: “يعلن الاتحاد العام لنقابات العمال عن استدراج عروض لتوريد 15 سيارة جديدة كاملة (زيرو) من نوع سيلتوس وكيا (KX1) سنة التصنيع 2025، مزودة بكامل المواصفات القياسية والفنية المطلوبة ... إلخ، على أن يتضمن العرض أن القيمة تُسَدَّد تحويلاً أو نقداً” (انتهى الاقتباس).

منذ صدور قرارات السلطات القائمة في الشهر الأول من هذا العام، التي أدت إلى الإضرار بمصالح مئات الآلاف من موظفي وعمال القطاع العام، شهدت المحافظات والمدن السورية مئات الاحتجاجات والمظاهرات والوقفات العمالية، بعد أن عجزت الكتب والاعتراضات ومقابلات المسؤولين عن الوصول إلى حلول ترضي العاملين المتضررين، سواء المفصولين أو الذين لم تُجدَّد عقودهم أو الذين مُنحوا إجازات مأجورة أو الذين توقفت معاملهم الإنتاجية.

ما زالت الحكومة تتحفنا كل يوم بقرارات «خنفشارية» غير مسبوقة تتجرّأ بها علينا بتعالٍ واستقواء، ولا نجد ما نصفها به إلّا أنّها قرارات معادية للطبقة العاملة وسائر الكادحين وأصحاب الأجور والمنتجين أيضاً، ضاربة بعَمدٍ وإصرار آخرَ ما تبقّى من فُتات الموائد والحياة. فمن «تخبيصات» الضريبة على الأجور لأسعار الخبز والمحروقات والمواصلات، إلى الكلفة الجديدة للكهرباء المنزلية والصناعية التي كانت بمثابة رصاصة الرحمة لعليل أو كسيح، قرارات حيكت في أوراق النيوليبرالية ومن دفاتر صندوق النقد الدولي البغيض، ومُهِّدَ لها بوابل من التصريحات التمهيدية على لسان السلطة «من صغيرها لكبيرها»، مدعومة بالمنشورات الفيسبوكية والمهرجانات والشعارات والحملات والمَعارض وغيرها من الدخان الكثيف الموظَّف لتعتيم المشهد والإجراءات والنتائج اللاحقة لها.

ما إن أصدرت الحكومة القرار الجديد الخاص بتسعير الكهرباء، حتى عجت وسائل التواصل الاجتماعي بجملة هائلة من الدراسات المالية والمقارنات والمنشورات البحثية المكثفة التي توضح نسبة الزيادة والقسمة الافتراضية للفواتير الجديدة، ومقاطع الفيديو المتهكمة والناقدة، وبعض اللقاءات مع المسؤولين. وتصدر الموضوع أحاديث الشارع السوري، خاصة أنه ترافق مع قرار تحديد مواعيد إغلاق المحلات ورفع سعر المحروقات، والذي انعكس بالتالي على أجور المواصلات والعديد من البضائع الأخرى. وذهب العاملون بأجر لحساب هذه الزيادة انطلاقاً من أجورهم أولاً، ثم بزيادة معيشتهم بناءً على حتمية ارتفاع سعر البضائع والمنتجات بالأسواق المحلية، ليكون قرار رفع سعر الكهرباء بالنسبة لهم مشكلة كبيرة جديدة تضاف لجملة الأوضاع الكارثية على مختلف الجهات.

الصفحة 12 من 402