Skip to main content

نشر الباحث الاقتصادي المعروف مايكل روبرتس مراجعات لبعض الكتب المنشورة حديثاً الصادرة خلال العام الجاري 2025 حول اتجاهات الاقتصاد العالمي وأزمة الدولار الأمريكي. فيما يلي بعضٌ ممّا جاء فيها.

إنّ الواقع الفيزيولوجي لجسم الإنسان يفرض أنّه لا مناص من مشاركة الدماغ البشري كأساس في الجهاز العصبي المركزي في تنشيط العضلات البشرية وتنظيم أدائها وضبطه وإتقانه، لذلك فإنّ أيّ عمل يُنفَّذ باستخدام العضلات البشرية يُنفذ أيضاً باستخدام الدماغ البشري، ومع ذلك هذا لا يلغي التمييز الكيفي الهامّ بين نوعين من العمل البشري: العمل الذهني والعمل العضلي. فعلى أيّ أساس نميّز بينهما؟ ولماذا تعيد ثورة الذكاء الاصطناعي هذه المسألة إلى الواجهة بحيويّة جديدة؟

إنّ البحث والابتكار ليس ترفاً في عالَم اليوم المليء بالتحولات المصيرية والصراعات المحتدمة، والتي سيتوقّف على طريقة حلّها مصير البشرية اللاحق. ولذلك فإنّ ما تم الإعلان عنه ضمن المجال العلمي والتقني في قمة شنغهاي للتعاون المنعقدة مؤخراً في مدينة تيانجين الصينية (نهاية آب وبداية أيلول 2025)، يعكس إدراكاً متعاظماً لأهمية وضع استراتيجيات إقليمية ودولية للتنمية والأمن والتحول الرقمي، ولا سيّما في سياق يزداد فيه التنافس التكنولوجي، والضغوط البيئية، ومشكلات الصحة العامة، وغيرها من التحدّيات.

بينما تواصل الصين تعزيز موقعها المهيمن في ملفّ المعادن النادرة الاستراتيجي، ظهرت الأسبوع الماضي عدة أنباء تستحق التوقف عندها لما تعطيه من مؤشرٍ لتفاقُم نزعة محدَّدة عالمياً يمكننا وصفها كالآتي: بينما تزداد مبادرات عدة دول آسيوية لاستخراج المزيد من العناصر الأرضية النادرة من مواردها الطبيعية، يبدو أنّ الغرب (الولايات المتحدة وأوروبا الغربية) يضطر أكثر فأكثر إلى إعادة تدوير هذه العناصر من الأجهزة الإلكترونية المُصنّعة، وإيقاف أو تأجيل الكثير من عمليات الإنتاج في عدة مجالات، وهذا يعكس أزمة انحطاط غربي في الصناعة والابتكار ناتجة بالعمق عن الإدمان الاستعماري المزمن على نهب الآخرين.

تصاعَدَ الخطاب الأمريكي حول «التهديد الصيني» في الذكاء الاصطناعي، فحظرت وزارة التجارة الأمريكية استخدام «ديب سيك» في الأجهزة الحكومية، وصولاً إلى تصريحات وزير التجارة هوارد لوتنيك الداعية إلى فرض قيودٍ أشد على نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر، وخاصةً الصينية منها. هذا ليس من قبيل الصدفة، فكل تقدم تكنولوجي أحرزته الصين في السنوات الأخيرة قوبل بقلقٍ بالغ من الولايات المتحدة، وأمنياتها بأنّ «الصين ينبغي ألّا تفوز».

سعت الحكومة الأمريكية، منذ عام 2018، إلى عرقلة تطوير الذكاء الاصطناعي الصيني، بفرض قيود على صادرات الرقائق، ومنع الوصول إلى أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي المُطوّرة في الولايات المتحدة. لكن إطلاق الصين لنموذج الذكاء الاصطناعي DeepSeek (المَسعَى العميق) افتتح معركة كسر هذا الحصار، مُظهراً مرونة الصين وقدرتها على الابتكار. ولم تتوقف الصين عند هذا، فمنذ إطلاق «ديب سيك»، شهدت تدفقاً هائلاً من نماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة عالية الأداء، مثل «كيو-وين» من شركة «علي بابا»، و«دوباو» من شركة «بايت دانس»، و«هون-يوان» من شركة «تينسينت»، و«إيرني» من شركة «بايدو».

يتزايد تهديد حرائق الغابات عالمياً، وتبرز الحلول الصينية كخيار عَمليّ للدول النامية والفقيرة التي تواجه تحدّيات مالية وتقنية. وهناك عدد من الدول العربية (كالإمارات والسعودية وعُمان والجزائر) توفّرت لدى صنّاع القرار فيها القناعة العِلمية والإرادة السياسية للإقدام على الاستفادة الاستراتيجية من الصين في هذا المجال. فحصلت على حلولٍ متكاملة تجمع بين التكلفة التنافسية والتكنولوجيا المتقدمة، ممّا أنتج تحسّناً ملحوظاً في معالجتها لأزمات الحرائق، من خلال تبنّي التكنولوجيات الصينية، كالطائرات المسيَّرة، وأنظمة الذكاء الاصطناعي للتنبؤ المبكر، والروبوتات المتخصصة في الإطفاء، وشاحنات الإطفاء الذكية. وتتميز الحلول الصينية بتكلفة أقل بنسبة 50-75% مقارنة بالخيارات الغربية، مع كفاءة تشغيلية عالية، مثل تقليل وقت الاستجابة بنسبة 35% في الإمارات، ورفع دقّة التنبؤ إلى 87% في السعودية. كما تؤمِّن الصين دعماً تقنياً وتمويلياً عبر مبادرة الحزام والطريق بفوائد صفرية أو أقلّ من فوائد مشاريع البنك الدولي.

خصّصت مجلة «مونثلي ريفيو» عددها مطلع آب الجاري لمناقشات عن المشاعات تاريخياً وحاضراً في عدة بلدان في العالَم. إحدى المقالات كتبها الباحثان الصينيّان سيت تسووي ولاو كين تشي، تناولا فيها المشاعات الصينية، في أمثلةٍ ملموسة من أرض الواقع، حول تجارب اقتصاد القرى المُدارة من المنتجين مباشرةً بشكلٍ جماعيّ (مشاعيّ) في الصين، والتي ما تزال الكثير منها موجودة حتى الآن وتقوم بتطوير تجاربها بما يواكب التقدم العلمي والتكنولوجي والاعتبارات البيئية المعاصرة وتغيرات العلاقة بين الريف والمدينة. اخترنا من البحث المذكور تجربة مشاعة «ياكو» القرويّة المتميّزة في جنوبي الصين، حيث زارها الكاتبان في ربيع العام الجاري 2025.

يزخر التاريخ بأمثلة على محاولات فاشلة لأقاليم صغيرة أن تصبح كيانات سياسية مستقلة، خصوصاً بسبب انعدام الشروط الاقتصادية-السياسية الكافية لاستمرار دولة قابلة للحياة، فضلاً عن غياب القبول الدولي وفي كثير من الحالات كان إعلان انفصال أقاليم في كيانات سياسية مدفوعاً بتدخلات استعمارية وجزءاً من مخطّطات «فرِّقْ تَسُد». في هذا المقال نعدّد 15 حالة على سبيل الأمثلة لا الحصر، ثم نذكّر بأنّ أكثر فكر سياسيّ تقدّميةً وثوريةً وهو الفكر الماركسي-اللينيني وإذْ نادى بحرية الشعوب والأمم في تقرير مصيرها، لكنّه قيّد في الوقت نفسه تطبيق الانفصال السياسي بشروط اقتصادية-سياسية وطبقية محدَّدة، وليس كمبدأ اعتباطي مجرَّد.

تخلق الحروب الأهلية بيئات مثالية لتطبيق المعايير المزدوجة – حيث يتم الحكم على أفعال متماثلة بشكلٍ مختلف حسب مَن يرتكبها. هذا التطبيق الانتقائي للمعايير الأخلاقية والقانونية يسمح لكل طرف بمحاولة شرعنة ممارسته للعنف بينما يدينُ أفعالَ الطرف الآخر المُماثِلة. يحدد بعض الباحثين شكلين رئيسيّين للانتقائية في القانون الجنائي الدولي لهما صلة بالحروب الأهلية: «الانتقائية الشخصية» (مَن تتم محاكمته؟) و«الانتقائية الخفية» (كيف تُبنى المعايير القانونية لصالح نتائج معينة؟). في الحروب الأهلية، نرى كلا الشكلين يعملان على مستوى الفصائل المتحاربة، حيث يطوِّرُ كلُّ جانبٍ أطراً قانونية وأخلاقية «مفصّلة على قياسه» بحيث تؤيّد حتماً «قضيّته» بينما تجرّم «قضيّة» الطرف الآخر.

الصفحة 4 من 108